جيل العيون المعصوبة في تونس

ستكون مجلة «نسوية» نتحدث فيها عن» الإجهاض أو المثلية الجنسية أو القمع في المؤسسات التربوية، أو المطبخ والماكياج والموضة»… تقول آخر وافدة على سوق الإعلام في تونس، ردا على سؤال مذيع في برنامج تلفزيوني مباشر عن تفاصيل مشروعها الجديد.
لكن ما يلفت الانتباه هنا هو أن المتحدثة، وعكس ما قد يظن البعض، ليست إعلامية معروفة أو سيدة أعمال، ولا هي أيضا واحدة من الكاتبات المرموقات أو المثقفات البارزات، بل هي فقط فتاة مغمورة حازت قسطا وافرا من النجومية والشهرة، لمجرد انها نشرت قبل عامين على صفحتها على موقع «فيسبوك» صورة لها وهي عارية الصدر، قبل أن تعلن انضمامها في وقت لاحق لمنظمة «فيمن» للنساء المحتجات بالصدور العارية، وتحوز بذلك من وسائل الإعلام الغربية لقب الناشطة النسوية.
كيف انتقلت بمثل تلك السرعة والسهولة من طور الكشف عن أجزاء من جسدها أمام عدسات المصورين، تحت مسمى الحرية الشخصية، إلى مرحلة عرض الأفكار والخواطر المطبوعة على القراء، وفقا لمنطق الاستيعاب الفوري والمباشر لحرية الإعلام؟
قد تكون صورة الطفل معصوب العينين، والتي ظهرت في الشهادة التي سلمت في أوسلو عصر الخميس الماضي إلى ما بات معروفا برباعي الحوار الوطني، في احتفال جائزة نوبل للسلام، هي الأقرب لفهم حالة الاضطراب السلوكي والمعرفي لتلك الشابة ولأخريات وآخرين غيرها في تونس. وحتى لا يظل هناك لبس أو اختلاف في التأويلات فقد كشفت كاسي كولمان، وهي رئيسة اللجنة التي تولت منح الجائزة، في تصريحات إعلامية، سر الصورة وقالت إنها تعبر «عن المستقبل غير المضمون الذي يواجهه الناس اليوم، خاصة اولئك الذين يحسون بأنه لا حول لهم ولا قوة ولا يملكون أي فرصة للتأثير»، مضيفة بأن «تلك الصورة القوية والبليغة تظهر تعبيرا على وجه الصغير يعكس صرخة من أجل الأمل في المستقبل لاتاحة الفرصة لأن ينظر ويسمع ويشارك في المجتمع، عبر استخدام مهاراته والعيش في سلام وأمن». قبل أن تختتم تصريحاتها بالقول أن الشهادة المسلمة للرباعي «ربما تذكرنا بواجباتنا تجاه الملايين من الأطفال والشباب الذين يتحسسون طريقهم وسط الظلام، بلا أمل في المستقبل، ويجوز لهم إزالة العصابة عن أعينهم ليروا مستقبلا اكثر إشراقا، مستقبلا ملؤه السلام والحرية».
لقد كانت كولمان بذلك الشرح المبسط تميط اللثام عن واقع مر لم تفلح أضواء نوبل في حجبه رغم قوة إبهارها. لكن المفارقة هي أن المعنيين المباشرين بالجائزة الدولية المرموقة لم يدركوا بعد أو كانوا غير راغبين بادراك حجم الخداع، وأن من باعهم القرد كان اول الضاحكين على مشتريه. لقد اهتموا بشكل واضح بالبريق الخارجي الجذاب، وراحوا يلهثون مثل فراشات طائشة وراء نار حفل كرنفالي جعلهم يتخيلون انفسهم أبطالا أسطوريين وصلوا إلى قمة المجد والشهرة العالمية واستقروا فيها إلى أبد الآبدين. ولم يظهر عليهم أي انزعاج أو قلق من تسلم شهادات نوبل وعليها صورة الطفل معصوب العينين، رغم دلالاتها الواضحة والقوية، التي لم تكن تحتاج لشرح اضافي لا من السيدة كولمان ولامن أحد سواها لأنها كانت بالنهاية شهادات إدانة لهم ولشعبهم، لا شهادات احتفال وتكريم.
ما أظهرته نتائج استطلاع للرأي اجرته مؤسسة «سيغما كونساي» أن سبعين بالمئة من التونسيين يرون أن حصول تونس على جائزة نوبل للسلام هو «اعتراف بنجاح الانتقال الديمقراطي وفرصة للتعريف بالبلد»، فيما شكك ربع المستجوبين بالمقابل فيها واعتبروها «غير مستحقة «. لكن وبقطع النظر عن مدى صحة ودقة الأرقام، فالثابت أن الجائزة أظهرت حالات انفصام حاد بين الشعور بالفخر والرضا، والإحساس بالنقص والمهانة، ولم يعد هناك شك في أن عصابة كبيرة وضعت فوق عيون جيل كامل وصارت تمنعه من رؤية السبيل وتعيق تحركه إلى الأمام، وتجعله يتخبط في واقع صعب ومعقد لا يرى أي أمل أو وسيلة للخروج الآمن منه على المدى القريب والمتوسط. لقد أطلق بائع متجول في بلدة سيدي بوزيد، التي كانت قبل خمس سنوات من الآن مجهولة حتى داخل تونس، ما وصف حينها بشرارة الثورة على النظام، وسريعا ما تعالت الأصوات بعدها بان ذلك الجيل الشاب الذي كان البوعزيزي واحدا منه هو الجيل المنتظر الذي حلمت به الشعوب من المحيط إلى الخليج، على طول تاريخها المعاصر، وأن ذلك الجيل وحده من اثبت بشكل عملي على الارض انه اكثر وعيا واوسع تقديرا وفكرا من نخبه التي انغمست إما في تمجيد الحكام والتطبيل لهم، أو في لعنهم والدعاء عليهم. ورغم الصراخ والشعارات والهتافات الثورية التي ملأت الأصقاع، فقد ظلت قرطاج هي قرطاج وبقيت سيدي بوزيد هي سيدي بوزيد. لم يحصل تحرك دراماتيكي مزلزل في المواقع، مثلما تمنى أو رغب البعض، وكانت النتيجة الحتمية لذلك أن الحرس القديم الذي كان يحكم في السابق قبضته الحديدية واصل حقبته الديناصورية من خلال استخدام قبضة مخملية تتناسب مع روح العصر الديمقراطي، فيما تخلى الجيل الذي التهب أملا وحماسة بالتدريج عن أحلامه الواسعة والعريضة في الحرية والكرامة والمساواة، ليستعيض عنها بالمطالبة الخجولة والمحدودة بالحصول على الحد الادنى من لقمة العيش. لم يعد مهما أن يبقى النظام أو أن يزول، بل صار الاهم من ذلك أن تستمر الحياة بأي شكل من الأشكال، حتى لو كان ذلك بالخنوع والمهانة والذل. وكان لافتا انه بالتزامن مع مرور خمس سنوات على ذلك الاحتراق الاسطوري للبوعزيزي، ظهر على شاشات التلفزيون شاب مغمور آخر ليعلن أمام التونسيين بالفم المليان عن اشتياقه وحنينه لزمن الرئيس المخلوع بن علي، وعن جمعه لتوقيعات لأجل المطالبة بعودته إلى وطنه الذي حرم منه ومن الآمان الذي كان موجودا في عهده. وبالطبع لم يحرك ذلك ساكنا للسلطات، التي قذفت بها رياح الديمقراطية إلى الحكم، فقد ظلت مشغولة للاخر بملاحقة الارهابيين وتفكيك خلاياهم واجهاض مخططاتهم، ولم يجد من بقي من الثوريين المعروفين من حل اخر سوى مقاطعة البرامج التلفزيونية التي حضرها الشاب والانسحاب منها احتجاجا على ما أعلنه من مواقف. هل كان ذلك ذنبا إعلاميا صرفا في حق ثورة رماها ابناؤها منذ شهور ولادتها الاولى قبل أن يغدر بها الغرباء؟ أم كان الإشكال الأساسي هو في فقدان الشباب الذي كان محركها ووقودها للرؤية الاستراتيجية المطلوبة؟
من يتصفح سيرة التجربة التونسية التي صارت الان استثناء عربيا ناجحا سوف لن يجد اي علامة تدل على أن هناك أثرا للشباب في حبكتها النهائية. فباستثناء عدد غير معلن أو محدد من الذين خرجوا في الشهور الأخيرة من عمر نظام بن علي إلى الشوارع وماتوا أو جرحوا برصاص، لم يحسم القضاء إلى الآن في هوية الجهة التي أطلقته، لم يكن بمقدور الاندفاعة الثورية الاولى المضي إلى مرحلة الانضاج التي تخولها استبعاد النظام القديم، وضخ دماء جديدة في شريان دولة ظلت تواجه صعوبة في التنفس والحياة، لكنها قاومت بعنف وقوة حتى تصد تلك الاندفاعة وتمنع استمرارها. لقد بقي ذلك الجيل معصوب العيون رغم ما لاح خلال تلك الشهور من قدرته على الإبصار، ولكن ذلك لم يكن له معنى، لأن الشيوخ على الجانبين هم من أكمل المسيرة وخط السطور الاخيرة لتلك السيرة التونسية الاستثنائية. وبعيدا عن سلام نوبل وأمانيه الوديعة والناعمة، فقد زاد ذلك الاستبعاد للشباب في حدة الشرخ الحضاري والثقافي وتفاقم حالات اليأس والاكتئاب والانتحار، وبات الطريق معبدا أمامه فقط، إما إلى محارق سوريا ومجموعات التكفير المحلية أو إلى دوائر المخدرات والانحلال والانحراف الاخلاقي المدمر. المفارقة المجنونة هنا هو خلافا للطرق الطبيعية والمشروعة التي ظلت شبه مغلقة ومحظورة، فقد انزاحت الحدود بالكامل داخل الطرق المفتوحة الأخرى وفيما بينها. وصار طبيعيا أن تعلن السلطات عن إلقاء القبض على شاب تكفيري ليتضح في ما بعد أن علاقته بالدين لا تختلف كثيرا عن علاقته باللغة الهيلوغريفية، أو أن تعتقل شبانا يمارسون الشذوذ الجنسي او يدعون للالحاد ليعلن لاحقا انهم مفكرون يمارسون حرية الضمير طبقا للدستور. ولاجل ذلك كله يمكن فهم خلطة الاجهاض والمثلية الجنسية والقمع في المؤسسات التربوية والماكياج والموضة التي أعلنتها الشابة المشهورة كمواضيع اساسية في مجلتها الجديدة، وفهم انتقالها المفاجئ بين عالم الجسد والفكر على انها العلامات الكبرى لتشرد وضياع جيل لم يجد حتى الان من يحرره ويزيل عنه غشاوة حادة ظلت تغطي كل شيء فيه بدءا بعيونه وانتهاء بقلبه وفكره.
كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية