وانت تشاهد فيلم «جيما بوفاري» للمخرجة الفرنسية آن فونتان تمثيل فبريس لوشيني ـ جيما آرتيرتون ـ جيسون فليمينغ، تحس بلذة غريبة، نكهة اللغة الفرنسية وشذى عطرها يختلط مع رائحة الخبز الفرنسي وطعم النبيذ المعتق.
تتسلل الكلمات والصور إلى أعماق الروح، ينتعش القلب بهجة تغوص مع المكان والزمان والشخصيات، يبللك مطر النورماندي، رائحة التراب والزرع، البيئة الفرنسية ببهائها تكون حاضرة هنا في هذا الفيلم، الذي كان معالجة سينمائية حرة لرواية «مدام بوفاري» للكاتب الفرنسي الشهير جوستاف فلوبير، التي تحكي قصة فتاة انكليزية هربت من صخب لندن لتعيش في أحضان الطبيعة في إحدى قرى النورماندي، جيما التي فشلت مع عشيق تتزوج ثم تعشق مرة أخرى شابا فرنسيا، تفشل في الزواج؛ تفشل في العشق، تعود لعشيقها السابق ثم تنتهي حياتها بسبب اختناقها بقطعة خبز، لكن الخباز يظن أنه كان السبب وكذلك العشيق..
لا أود كثيرا ان أسرف في القصة وإعادة سرد الأحداث، أود أن نقف نتلمس جماليات هذا الفيلم نقف مع التجربة الإنسانية مع هذه الإنسانة ورغبتها المتحررة في الحياة واللذة. بعيدا عن الصخب المجنون تأتي لتعانق ورق الشجر تحاول اكتشاف رائحة الخبز والنبيذ النورماندي.
لنحاول باختصار مفيد ان نخوض هذه الرحلة الجميلة مع فيلم لذيذ وممتع.
هذا الخباز مارتن يترك باريس ليعود لقرية هادئة يعود إلى جذورة الأصيلة ليعمل خبازا متعلقا بقراءة روائع الأدب، يعيش مع زوجته وابنه لا يعكر صفو حياته الا هؤلاء الذين يأتون لإيجار البيت المجاور، يأتي سكان جدد للسكن في هذا البيت تكون هذه المرة سيدة انكليزية جميلة مفعمة بالحيوية، وزوجها الذي يعمل في ترميم التماثيل الأثرية.
منذ اللحظة الأولى يقع الخباز في شباك سحر جيما، يظل يتابعها وهو يمسك بكتاب «مدام بوفاري»، تدور في ذهنة مقارنة عجيبة بين جيما وإيما بوفاري بطلة الرواية.
مارتن هذه الشخصية التي تعود لحضن قريتها التي أعطتها الولادة، بعد ان سئم من باريس، لعله جاء من ولعه الشديد برواية «مدام بوفاري» عشقه لمنطقة النورماندي، هنا الناس تعرف بعضها بعضا، يشترون منه الخبز ويتبادلون معه أحاديث يومية عادية، يلتصق بالطبيعة في كل يوم يتنزه مع كلبه بالغابة يعرف أنواع الزهور والورود.
كما انه عندما يتعامل مع عجين الخبز فهو لا يتعامل معه بشكل ميكانيكي، باعتباره مجرد مادة لصناعة الخبز، هو يحس بهذه العجينة، عندما تأتي جيما وتدخل إلى المعمل، حيث يتم عجن الخبز يشرح لها بعبارات نثرية قوية وحساسة تجعلك تشتهي هذا الخبز الفرنسي تشعر بالجوع يأتي في ذهنك شراء مثل هذه الأنواع فور مغادرة الصالة، وهذا ما حدث لي شخصيا.
هذا الخبز مع جيما أصبح يعيش بطلة أحلامه (مدام بوفاري) أصبح قادرا على ان يتحدث اليها.
يذهب أبعد من ذلك يراقبها يقتنص أي فرصة لرؤيتها، كونه اكثر شخص أحس بها، ويظن انها ستواجه مصير بطلة الرواية، هو هنا الحكواتي المتلصص، الذي ربما في بعض اللحظات نظنه يقود الشخصية إلى مصيرها المحتوم، من خلاله نكتشف جيما، نكتشف العمق الداخلي والجمال الجسدي، هذه النظرات الطافحة بالشباب بالرغبة في الحياة، المحبة للطبيعة حد الثمالة، لكل ما هو طبيعي..
تمشي في السوق، عندما يراها الخباز ذلك الشاب الوسيم، أدرك من اللحظة الأولى أن حدثا سيكون وان عشقا سيولد، حاول ان يزحزح ويعرقل هذا التعارف، يكون خائفا ويزج بنا في هذا الخوف من اللحظة الأولى لهذا التعارف، الشخصيات هنا تذهب إلى قدرها الحتمي بسبب نقص ربما في التفكير بالعواقب وسذاجة في وزن الامور، هنا الجميلة تحترق من الداخل تعطي اللذة للرجال هي ممتلئة أنوثة ساحرة، تود ان تشعر بلحظات سعيدة لا تنظر إلى الزواج كقيمة سامية، عشقها للشاب الفرنسي جعلها تكتشف فظاعة واقعها وتعاستها، ربما لبرود الزوج أو أن شكل الزواج هو كهذا، المنزل القديم الذي تعيش فيه عندما يأتي المطر تراه يقطر من السقف من عدة جهات، رغم أنها من اللحظة الأولى للإقامة تعمل على تزيينه ببعض اللوحات والإكسسوارات.
في الأخير نرى البيت وقد أصابه الخراب، نحن لسنا امام شخصية معقدة، اقصد جيما، هي تتمتع بروح طفولية لديها فضول ونزعة للطبيعة، تركض وراء لذتها الجنسية، ربما اصيبت باحباط من تجربة عشقها الأول الفاشل والزوج البارد، تجد في الشاب الفرنسي طعم الحياة، هنا نجد المخرجة تركز كثيرا على تفاصيل الجسد الذكوري تصوير المشهد الجنسي كان حوارا شعريا بين جسد رجل وجسد امرأة لها رغبة في اكتشاف عمق الرغبة الكامنة في جسدها، نسيان ما يحيط بها، لذلك هي من تأتي اليه وتخلع حذاءها عند الدخول إلى هذا القصر، الذي يسكن فيه الشاب والذي يعود لعائلته، هذا القصر به الكثير من التحف ويكون ثمرة هذه الممارسة سقوط تمثال صغير له قيمة كبيرة لدى أم الشاب، تأخذه جيما تلفه في قطعة قماش، نحسه طفلا جنينا، هذا السقوط للتمثال كان تقريبا نهاية هذه اللذة المجنونة.
نلاحظ التركيز على الحوار وصياغة جمل لها إحساس ادبي ينطقها الممثل الفرنسي بصورة مدهشة موحية ومؤثرة، يلقننا احيانا بعض الكلمات، جيما تكرر بعض الكلمات تسأل تستمع بإعجاب، في الرواية إيما نموذج للمرأة الحمقاء طموحها يقودها للهاوية، نحن هنا أمام امرأة رومانسية تتوق للذة، وزوج فعلا يعشق او لنقل يحب زوجته، لكنه لم يفهمها تماما ولم يدخل إلى أعماقها، كذلك العشيق الأول، ما تجده جيما في الشاب الفرنسي هنا الجسد المغري بالدرجة الاولى كون الفيلم لم يتعمق أكثر لتعريفنا به بشكل أكبر لم يكن هنا حوارات مطولة بين جيما والشاب، تم تصوير العلاقة الجنسية، ما تحتاجه وتفتقر اليه جيما كونها رقيقة، ليس لديها قوة ومقدرة على مجابهة مصاعب أكبر أو كوارث عندما يحدث الخلاف مع الزوج تظل حبيسة الدار تصاب بفقدان طعم والإحساس بالاشياء التي جاءت من أجلها، نعني الطبيعة والحياة الريفية، يصبح المطر يقلقها تشعر بالضجر تقرر المغادرة، لقد تذوقت هذا العالم الريفي الصافي المسالم الطبيعي ربما كان حظها بائسا ان تعثرت بهذا الخباز أم انه هو المخطط الذي قادها إلى الموت بالخبز الذي صنعه لها من أجل إسعادها فكان سببا في موتها ونهاية الرحلة أن تدفن في هذه الارض.
نحن هنا أمام واقع لا يوجد شطحات خيالية خارقة تمسكت المخرجة بهذا الخيط، إضافة إلى الصبغة الرومانسية التي أولتها اهتماما أكبر، تعمقت اكثر بالتصوير الحي، في أكثر من مشهد يكون جسد جيما مادة لذيذة تشتهيها الكاميرا تلامسها تنظر اليها بشهوانية، وكذلك نظرات الخباز التي تسرع الكاميرا لتحل محله لتصوير وجهة النظر للجسد، نحن هنا أمام نموذج أنثوي ليس خارقا، هو أقرب للواقعية لم نبحر في أمور فلسفية معقدة كنا نعيش الواقع، مثلا نجد زوجة الخباز وابنه عامل جذب لعودة الخباز لواقعه، الزوجة تدعوه إلى النوم وترك التفكير، نجد أيضا شخصية الزوج شارل.
الرجل عملي وعادي لعل هذا ما جعل جيما تشعر بالفراغ.. نجدها تتنزه مع كلبها في الغابة تذهب لوحدها إلى السوق تكتشف هذا العالم الجديد بالنسبة لها، إلى ان تتعرف على الشاب فتتحول حياتها إلى حياة نشيطة تشعر بالسعادة، لم تفكر كثيرا في القيد الاجتماعي، نعني الزواج، ولا الاخلاق لم تفكر ما تفعله خيانة لزوجها، هنا مجرد التفكير في هذه الامور يفسد شعورها بالسعادة رغبتها للانطلاق، الإخفاق في الحب جعلها تشعر بالهزيمة تعود لتعترف لزوجها انها تحبه، نحن هنا امام امرأة مهزومة، في النهاية يطرح الفيلم سؤالا مهما من قتل جيما بوفاري؟ سؤال تطرحه الشخصيات على نفسها في النهاية تتقاسم الجريمة بالتساوي العشيق الأول والزوج والخباز. أما العشيق الاخير فيظل بعيدا.
كانت الرواية سيرة حياة إيما، وقد حاولت المخرجة ان تتلمس روح الشخصية ان تطلق لها العنان تجعلنا نقترب منها وهي تبتسم تستغرب تتلذذ بالجنس او بعناصر الطبيعة، تشم رائحة الزهور والخبز تتذوق النبيذ تسير بالغابة او السوق او تخطو نحو عشيقها، ثم وهي تشعر بالوحدة والهزيمة، كان لعناصر الطبيعة من شجر ومطر وزهور حضور إيجابي وفعال، نسمع تساقط المطر.. نسمع خشخشة السير بالغابة نحن امام طبيعة ساحرة هادئة، واحيانا تكون عاصفة ومقلقة، كذلك جيما تسعى نحو الحب واللذة يعصف بها القدر فترتد خاسرة ومفلسفة كما عبر عنها الممثل الفرنسي فبريس لوشيني :»ان جيما هي هذا العالم الغزير بالانوثة تصدم وتصرع اي رجل في طريقها، وان الفيلم ناجح بفضل روح فلوبير كاتب الرواية التي ظلت روحه ترفرف وتسيطر في بعض اللحظات، إضافة إلى وجود الممثلة الانكليزية جيما آرتيرتون» قوة حضورها جمالها المغري تمكنها من نقل الشخصية روحا وجسدا..
تعابير وجهها كل لفظة ونفس ونظرة كانت الكاميرا تسرع بالتقاطه بتذوقه، وليس مجرد تصوير ونقل مباشر، وكذلك الممثل الرائع جيسون فليمينغ.. هذا الاتحاد الفرنسي الانكليزي كما يسميه لوشيني دفع بالفيلم إلى الامام ومنحة قوة خاصة.
*سينمائي يمني مقيم في فرنسا
حميد عقبي*