جهاد هديب شاعِر فلسطيني وصحافيّ يُقِيم في عَمَّان في الأردن، عمل فترة في جريدة «الاتحاد» الإماراتية، في قسمها الثقافي.
عَرَفْتُ جهاد سنة 2000 في رام الله، باعتباره أحد الشُّعراء العرب الذين دُعُوا إلى المُشارَكَة في أوَّل مهرجان شعري، كان مُفْتَرَضاً أن يُعْقَد في رام الله، لكن اشتعال الانتفاضة، جعلنا جميعاً، شُعراء ونُقَّادا، نعيش هذه اللَّحْظَة التاريخية، بِكُل ما تَجُرُّه خَلْفَها من عُنْف، واستعمالٍ مُفْرِطٍ للقوة والسِّلاح، بنوع من القَلَق والتَّوَتُّر الطَّارِئَيْن. كُنَّا مُشارِكِين في هذه الانتفاضة، أو فَرَضَتْ علينا طبيعة هذا الوضْع، أن نعيش تفاصِيل الانتفاضة، بما فيها من خَطَرٍ علينا، بأن نخرج لَيْلاً، مثلاً لنتجوَّل في شوارع رام الله، والمروحيات تُحَلِّق غير بعيد عَنَّا، أو صَوْت الرَّصاص الذي كان يأتِي من أكثر من مكان. وقد كانت زياراتُنا لعوائل الشُّهداء، ومرافَقَتُنا لجنائز الذين قُتِلُوا بالرَّصاص الحي، بين المَهام التي وَجَدْنا أنَّها تليق بطبيعة اللَّحْظَة، لا أن نَبْقى في «حالة حصار»، بِتْنا معها مُهَدَّدِين بمصير مجهول. فلا أحدَ كان يعرف مَتَى سيَنْتَهِي هذا الوضْع، ولا مَتَى سَيُسْمَح لَنا بالمُغادرة، لأنَّ الأمر قد يَسْتَغْرِق أكثر مِمَّا يُمْكِن اعتقادُه، وفق تعبير الشَّاعر الفلسطيني محمد زكريا، ونحن، مساءً نتداوَل ما يجري من أحداث في الخارج، بفندق بست إيسترن، الذي كانت بجواره ثلة من الشُّبَّان المُقاومين، يُقيمون المتاريس، ويبقَوْن الليل كاملاً في يَقَظَةٍ تامَّةٍ، مُسْتَعِدِّين لِكُل الاحتمالات.
كان لقاؤنا بالرَّاحِل ياسر عرفات، فُرْصَةً لمعرفة بعض ما يجري، رغم أن ياسر عرفات، أكَّدَ في مُجْمَل ما قالَه لنا، عن مسؤولية الإسرائيليين، في ما حدث، وأنَّ شارون كان الفاعِل الأساسِيَّ في كُلّ هذا، باقتحامه القدس وتأجِيج الانتفاضة.
كُنْتُ، وبدون أن أعْرِفَ سَبَب ذلك، أجِدُ نفسِي، في كُل ما نقوم به من تَحرُّكات، أو ما كُنَّا نُقِيمُه من أمَاسِيَ بالفندق، رفقة الرَّاحِل الشاعر محمود درويش، الذي كان يحرص كل مسَاءٍ على زيارتنا، والبقاء معنا إلى وَقْتٍ مُتأخِّرٍ من الليل.
إلى جوار جِهاد هديب، الذي كانتْ حواراتنا ونقاشاتُنا، بقدر ما ترتبط بما يجري على الأرض، كُنَّا لا نفتأ نجِد الشِّعْر يَسْتَغْرِقُنا ويأخُذُنا. وقد كان جهاد، هذا الشَّاعِر الذي كان محمود يعرفه جَيِّداً، وكانت له به علاقة خاصَّة، خصوصاً في عمان، مشغولاً بالبقاء في رام الله، ولم يَكُن راغباً في العودة، رغم أنَّ الوضع يفرض عليه أن يعود إلى عَمَّان، مثل كل الذين ليس لهم حقّ الإقامة في الأراضي الفلسطينية من «اللَّاجِئين»، الذين وَجَدُوا أنفسهم مُجْبَرِين على العيش خارِجَ الوطن.
ما شَدَّنِي لجهاد، ودفَعَنِي للبحث في تجربته الشِّعرية، وقراءة ما يكتُبُه، هو رُؤْيَتُه للشِّعر، فهو لا ينظر للشِّعر من خلال قوانينه، وما يَحْتَمِلُه من أثقالَ قديمة، فلا معيار عند جِهاد هديب في كتابة الشِّعر، إلاَّ الشِّعْرَ نفسَه، وحتَّى حين كان النِّقاش، الذي كان محمود درويش هو مَنْ أثارَهُ قَصْداً، حول «قصيدة النثر»، بحضور عدد من الشُّعراء والنُّقَّاد، من مثل محمد لطفي اليوسفي، وسيف الرحبي، ومنصف الوهايبي، وزهير أبوشايب، وغسَّان زقطان، وغيرهم من الأصدقاء، وعمد محمود إلى سُؤال جهاد عن رأيه، فهو كان يعرف أنَّ جهاد هديب، لن يتنازل عن فهمه للِشِّعر، باعتباره ليس وزْناً ولا نثراً، بل الشِّعر، هو ما يكتُبُه الشَّاعِر مُقْتَنِعاً به، باعتباره لَحْظَةً، فيها يقول أشياء مختلِفَةً، لا يمكن للقارئ أن يَحْسِمَ في أمرها، بشكل نهائيٍّ وكامِل.
حين الْتَقَيْتُ جهاد الصيف الماضي، في المهرجان الشِّعري «أصوات حيَّة» في مدينة سِيت، في جنوب فرنسا، اسْتَعَدْنا كثيراً من الأشياء البعيدة، التي أخَذَتْ كُلَّ واحد مِنَّا إلى أمْكِنَة، رُبَّما تفوق تَوَقُّعاتِه. فجهاد بَقِيَ هو نفسُه، رغم أنَّ الزَّمَن غيَّرَ فينا، مَعاً، أشياء كثيرةً، وغيَّر أشياء كثيرة في القضية الفلسطينية نفسها، وتقَلَبَتْ كثير من الشِّعارات، والمفاهيم على نفسِها، أو تَمَّ تَحريفُها، وأصبحت الأرض أكثر اسْتِباحَةً حتَّى من وَضْعِها وهي تحت الاحتلال، وخَذَلَت السِّياسة الإنسان الذي هو بطبيعته مُنافِح ومدافع عن أرضه ووطنه، من دون مُقايَضَة، أو لَعِب بالكلمات. كما أنَّ كتابة جهاد الشِّعرية، كما اطّلَعْتُ على بعضها في سِيتْ، بَقِيَت شديدة التكثيف وشديدة الاقتصاد.
لا يُفْرِط جهاد في بناء الصُّورَة باسْتِعْمال ألفاظَ مشحونة ببلاغة الماضي، فهو على عكس هذا، يحرص، كما هي عادتُه، على بناء جملتِه الشِّعرية، بنوع من اليُسْرِ الشِّعري، الذي فيه عُسْر، ليس في اللغة، أو في بناء الجملة، بل في المعنى، الذي مهما حاوَلْنا قراءتَه في ظاهرِه، فهو يُضْمِر شِعْرِيَةً تقوم على ما يمكن أن أسَمِّيه باسْتِحْضار عنوان الروائي ميلان كونديرا، بنوع من التَّحريف المقصود طبعاً، خِفَّة المعنى التي لا تُؤتَمَن.
كنتُ، رفْقَة الشَّاعر وليد الشيخ، نُرافِق جهاد إلى قراءاته الشِّعرية، حين لا نكون مُلْزَمِين ببرنامج ما، لِنَسْتَمِع لشعره، ونستمتع بتلك التِّلْقائية التي كان بها يقف على المنصة ليقرأ شِعْرَهُ من دون تَكَلُّف، أو تَصَنُّع. فهو بسيط في كُل شيء، وشديد الغَضَب والغَيْظِ حين يكون في الأمر ما يدعو إلى ذلك، خصوصاً إذا ما تعلَّق الأمر بالموقف، أو المبدأ.
أذكُر، في الأمسية الختامية، التي ترافَقَتْ مع ما تعرَّضتْ له غزَّة من عدوانٍ شَرِسٍ، كيف رفض جهاد أن يقرأ شعراً، بحضور شعراء إسرائيليين، وقد كنتُ حاضراً، أو مُتَرْجِماً لجهاد، في المُفاوضات الصَّعْبَة مع مديرة المهرجان مايْتِي، التي تُكِنُّ للفلسطينيين كُلّ الاحترام، وتتضامَن معهم، وقد أصرَّتْ على أن تكون غزَّة حاضرة في المنصة، أمام جمهور كبير، في حديقة «قصر الماء»، وأن يكون جهاد هو أوَّل من يقرأ نَصَّه الذي كان فيه يتكلَّم عن غزَّة، أو عن أطفال غزَّة، في ما أذْكُر، لِنُفَاجَأ بشعراء آخرين، يبدأون قراءتهم بالإشارة إلى ما يجري في غزة من أعمال وحْشِيَة، ضدَّ شعب، لا أحَدَ يحميه من تَسَلُّط المُحْتَلّ.
ولعلَّ في جَلَساتنا الحوارية، الطَّوِيلة، مع الشَّاعر صلاح ستيتية، ما كان يجعلُنا، جهاد هديب، وعبد الرحيم الخصار، وليد السيخ، وتحسين الخطيب، وأنا، خصوصاً في جلسة الفندق الذي كان يُقيم فيه، ما كان يَسْتَحِثُّنا، جميعاً، على جَرّ هذا الشَّاعر العربي الذي يكتب بالفرنسية، إلى كثير من أراضي المعرفة الشِّعرية، التي خَبِرَها، وله به معرفة عميقة وقوية، وإلى تاريخ الشِّعر المعاصر، الذي عاشَه في تفاصيله، وكُلّ ما أتاحَه لنا، في الحوار الطويل، الذي كان جهاد يُسَجِّلُه لجريدة الاتحاد الإماراتية، والذي اسْتَغْرَق أكثر من ثلاث ساعات. فجهاد، كان شديد الحِرْص على مواصَلَة الحوار، الذي شَغَّل فيه حِسَّه الصَّحافي، خصوصاً أنَّ الأمْرَ يتعلَّق بشاعر له مكانته، ووزنه في الشعرية العربية، حتَّى وهو يَكْتُبُ من خارج لغتها.
إنَّ جهاد هديب، كما عرفْتُه، وكما قرأتُه، هو إنسان يُكِنّ التقدير والمحبَّة للجميع، وهو أيضاً، شاعِر، يعتبر الشِّعْرَ، هو ما نذْهَبُ إليه، كما يَفِدُ علينا، أو بما هو نِداء، لا شيْءَ يمنع عَنَّا الذَّهاب إليه، بِشَظَفِه وشَغَفِه في الآن ذاته. كما أنَّ جهاد، مشغول بالوطن، يعيش فيه بوجدانه، ويرغَبُ في العودة إلى بَيْتِه، الذي، رُبَّما، لم يِعُد له وجود، مثل كثير من البيوت، والأراضي التي تَمَّ اغتِصابُها، ومَحْوُها من على الأرض.
وإذا كان جهاد، اليوم، يعيش أزمةً صِحِّيَةً قاسِيَةً، نرجو أن يخرج منها سالِماً، فهو، في ما أتَصَوَّر، بِحُبِّه للحياة، سيبقى في دواخله الإنسانية العميقة، ذلك الإنسان الذي يحرص على أن يَبْقَى حَيّاً، حتَّى وهو تحت الماء. فالشَّاعِر حين تُلِمُّ به الأزمات، فهو، أوَّلاً، يكون قد حدَسَها في ما كتبَه، وهو يعرف أنَّ كُل أزمة، هي تجربة في الشِّعر، قبل أن تكون تجربة في الحياة، وما أرى جهاد، إلاَّ شامخاً بطفولته الدَّفينة في أعماقه، وبشعره الذي به كان يحيا، ويعيش، من دون أن ينحَنِي للرِّياح العاتِيَة، التي طالَما دَاهَمَتْنا جميعاً، ورغم هذا. ها نَحْنُ على الأرض، نحيا وُجُودَنا، في كُل نَصٍّ نكتُبُه، أو نَهْزِم المَوْتَ، ونوجَدُ نِكايَةً فيه، لأنَّ الكتابة، في جوهرها، هي تعبير عن رغبة في البقاء، وعن وُجُود خارج هذا الوُجود الذي مهما يَكُن، فهو وُجودٌ بما نكتُبُه ونتركُه خَلْفَنا من آثار.
كاتب مغربي
صلاح بوسريف