… وانتهى موسم «آراب أيدول»، الذي ملأ دنيانا وشغل الناس من الخليج إلى المحيط، وكالعادة في عالمنا العربي المنقسم ذاتيا وباستمرار بشكل انشطاري على كل موضوع وكل شيء، يثور الجدل الآن على وسائل الإعلام، كما على وسائل التواصل الاجتماعي حول البرنامج وتفاصيله، بين متابع بهوس للبرنامج، أو معارض شرس لوجود مثل هذا الترفيه التلفزيوني الموجه جدا.
بلا شك كانت أحلام العنصر الأكثر جذبا للمحطة بحكم أنها عنصر ترفيهي مهم مثيرة للجدل بكل تقليعاتها التي كانت أخف في هذا الموسم وكما وصلني من مصادر في القناة، فإن السبب يعود إلى تنبيهات «أم بي سي» شديدة اللهجة لأحلام بضرورة عدم تجاوز الحدود.
انتهى الموسم الأخير بفوز الفلسطيني السرياني الجميل يعقوب شاهين، ولا أخفي انحيازي له منذ ظهوره الأول، والساعات الأخيرة قبل فوز شاهين، ومع نهائيات ترشيح ثلاثي، (إثنان من فلسطين من الضفة و من عرب الداخل.. مفارقة مدهشة) ومرشح من اليمن.
جدل كثير دار حول تسييس المشهد النهائي، واسقاطات بعضها منطقي وبعضها الآخر فانتازيا المؤامرة أساسه، وطبعا ربط هوية المحطة بالسياسة السعودية كان دوما عنصرا مشتركا في كل التحليلات، لذا كانت الغالبية ترى في فوز المتسابق اليمني أمرا محسوما لحسابات سياسية سعودية.
فاز شاهين، وهو ليس المرشح الفلسطيني الوحيد في الموسم الأخير، وتأهل للنهائيات مع فلسطيني جميل آخر، لينضم إليهم لحظة التتويج الفلسطيني محمد عساف، فتنهال التعليقات والتي كان أكثرها حدة في السخرية الذكية ما مفاده أنه ولسيطرة الفلسطينيين في برنامج «أراب أيدول» فإن إسرائيل ستقيم حاجزا عسكريا على باب «أم بي سي».
انتهى الموسم، وها نحن في انتظار موسم ترفيهي آخر من إبداعات «أم بي سي»، تلفزيون العرب.. فلا فضائية تستحق هذا اللقب مثلها، مع واقع عربي بهذا الحال والوجع.
محطة «الأردن اليوم» تقلق أردن الأمس
لكن، وفي عتمة إعلام فضائي أردني متأرجح بين تلفزيون رسمي محنط بماضيه الزاهر ولا حياة فيه مهما ناديت، ومحطة «رؤيا»، التي استطاعت أن تكون رائدة في فضاء الأردن أمام محطات لم تتجاوز في أحسن حالاتها طاولة مقهى للعب الورق والثرثرة الفارغة، أتابع بحذر وهدوء محطة جديدة استطاعت أن تبدع حتى اليوم وهي لا تزال في مرحلة التشرنق، وهي محطة «الأردن اليوم»، وقد صارت حديث الأردن الأسبوع الماضي في برنامج «في عين الحدث»، الذي يقدمه النائب السابق والإعلامي المستجد الدكتور رائد قاقيش، حيث استضاف البرنامج الزميل خالد الزبيدي، وهو من الصحافيين الخبرء في الاقتصاد لسنوات طويلة، وكان طوال حياته المهنية رجلا مهنيا غير صدامي، بل لم تعرف عنه أي نزعات معارضة مع كل الحكومات، التي كان مقربا منها، ليخرج في مفاجأة عبر «الأردن اليوم» وتحدث بلغة أرقام مبسطة عن ما يقارب الأربعة مليارات دولار كإيرادات عن بيع النفط لا أحد يعلم عنها شيئا وغير معروف مصيرها في بلد يعاني عجزا مستمرا ونزيفا اقتصاديا يكاد يخنقه.
قامت الدنيا ولم تقعد، على الزبيدي، وفي حال كتلك، وقد تحدث الرجل بأرقام يمكن الجدل حولها إن أساء الحساب فيها، فإن أقل الإيمان أن يرد عليه وزير الطاقة أو المالية أو أي اقتصادي رفيع المستوى باسم الحكومة، هذا إن لم يكن هناك شيء مخفي، كما ألمح الزبيدي بشجاعة.
لكن، ارتأت «يد خفية» في الدولة الأردنية أن ترد على الزبيدي بطرق ساذجة لا تليق بحكومة تحترم نفسها في الحد الأدنى، فمن كتاب تدخل سريع مفضوحي الذنب الطويل، إلى «ناشتي وناشتات» التواصل الاجتماعي من خريجي مدارس المطابخ السياسية المنبطحة على العتبات الخلفية للباب العالي، إلى رد غريب يبدو أنه بقلم «اليد الخفية» ذاتها، نشرته مجلة حائط الحكومة المأسوف على عراقتها وتاريخها «الرأي» اليومية، لتنشر بيانا مجهول النسب، ملقى على قارعة الجريدة، بلا توقيع، لكن بقفلة بوليسية تحمل تهديدا لكل من ينشر أو يتداول فيديو الزبيدي، بدون توضيح من الذي يهدد، ليصبح التهديد والبيان الغبي كله بحكم الضرورة منسوبا للرأي، وقد فقد شرعية النسب لأي جهة سواها.
رئيس الوزراء وهو «يتعاطى» الأرجيلة!
مشكلة إعلامنا العربي، والأردني خصوصا أنه يعتقد بأن الحدث السياسي المباشر هو الأولوية في العمل الإعلامي، بما يتفرع عنه من أخبار وفضائح وتسريبات وطرائف، لدرجة أن إعلام المواقع الصحافية المحترمة والدكاكين الإخبارية المعلبة في الأردن انشغلت وشغلت الناس بصورة رئيس الوزراء وهو «يتعاطى» الأرجيلة على شواطىء البحر الميت، وبصراحة لا أفهم أين القيمة الخبرية في الموضوع، وما علاقتي أنا بما يفعله الرجل في حياته الشخصية… لكنه الإعلام المشغول بغير وظيفته، يا رعاكم الله.
أستغرب أن الإعلام الأردني بصحافييه ومراسليه، لم ينتبه بالقدر الكافي لمبادرة إيجابية مهمة مثل المبادرة التي قامت بها محامية أردنية وناشطة حقيقية، اسمها «أمل العمري»، وقد بدأت بفكرة محاربة التصحر وإعادة إنتاج الغابات فأسست مؤسسة غير ربحية، ونشطت لتجمع حولها أبناء عشيرتها والمنطقة المحيطة في قرية «دير يوسف» لتقيم مشروع غابة القينوسي.. وهو مشروع بدأ حلما فخاطرا فاحتمالا، ثم أضحى حقيقة لا خيالا، على مساحة الثلاثين دونما، وبأيدي متطوعين بالمئات تم ويتم تشجير المساحة كنواة لغابة تستحق الاهتمام والتشجيع.
ما فعله هؤلاء، بمبادرة من محامية شابة ومثقفة ومحبة لوطنها بدون فذلكات، يساوي فعليا كل اجتماعات حكومة المملكة الأردنية الهاشمية مع مؤسساتها المستقلة التي لا يعرف أحد لم هي مستقلة!!
الإعلام، مسؤول وظيفيا وأخلاقيا، وقد تواصلت مع زملاء في فضائيات أردنية ومحلية، لتسليط الضوء على حكاية المبادرة القينوسية، لعل وعسى نحرك مياها راكدة، فمعارضة الواقع لا تكفيها الجعجعة والصراخ بلا طائل، ربما الأجدى أن نقوم نحن بما لا تقوم به الحكومة و»مشروع القينوسي»، مثال نموذجي محترم وحقيقي لمن أراد.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة