«حاصر حصارك، لا مفر».. بهذه الكلمات التي تبدو في ظاهرها شديدة البساطة اختزل الشاعر الفلسطيني محمود درويش كل شيء. إن أفضل سبل تحدي الحصار لا تكمن في الاستسلام له ولا في التباكي على آثاره وما تفرع عنها من نتائج.
الشكوى ومحاولة كسب تعاطف العالم ولفت الأنظار مهمة ويجب عدم تجاهلها، لكن التعويل على ذلك فقط ليس كافياً، لأن هذا العالم أصيب بتبلد الأحاسيس مع تكاثر المآسي والحروب والفظائع، لدرجة أنه لم يعد يبالي.
يثبت التاريخ والواقع القريب أن المحاصرة والمقاطعة بقدر ما فيها من ألم ومعاناة، إلا أنها تحمل في طياتها في كثير من الأحيان دوافع للبذل والعطاء وحوافز للإبداع، تكون كفيلة بتحويل هذا الألم إلى أمل، وهذه المحنة التي يعيشها شعب أو دولة محاصرة إلى منحة ما كانت لتتحقق لو كانت هذه الدولة وذلك الشعب يعيش حياة رخاء طبيعية. وبقدر ما يكون الرخاء في ظاهره إيجابياً إلا أنه يتحول مع مرور الوقت إلى داء قاتل. حين تقرر دولة ما أنه ليس عليها أن تزرع أو تصنع لأن بإمكانها أن تشتري كل شيء بثمن قد يكون مساوياً لتكلفة التمرس على الزراعة والصناعة، فإنها ظاهرياً تكون قد أراحت نفسها من الكثير من الصداع المرتبط بمراحل الإنتاج والتصنيع، لكن حالها في الواقع يشبه حال المريض الذي لم يأخذ العلاج الذي كان يحتاج إليه واكتفى بالمسكنات والمهدئات.
نقيض هذا هو الدول التي تعلمت ألا تعتمد على أحد، وأن تكتفي من منتجاتها بحيث تحاول قدر الإمكان أن توفر كامل، أو معظم، احتياجاتها من الغذاء عبر خيارات محلية، وأن تحاول كذلك توفير بدائل وطنية وصناعات تغنيها عن تلك التي كانت تستوردها، وإن كانت أقل منها جودة وتعقيداً. تمر معظم الدول المحاصَرة بالمراحل ذاتها التي تبدأ بقرار الحصار ثم الصدمة المتولدة عن ذلك القرار محلياً، التي يتوقع البعض، وفي الغالب إثر دعاية مكثفة، أن تكون قوية جداً لدرجة الإطاحة بذلك النظام. في الواقع، وحسب النماذج التي ترد على بالي الآن، فإن هذا السيناريو، الذي يفترض سقوطاً سريعاً وتغييراً في قيادات الدولة، أو النظام المقاطَع لم يثبت أي نجاح، رغم استمرار الحصار والعقوبات المؤلمة في بعض الحالات لأكثر من عقد أو عقدين من الزمان.
ربما كان هذا الحصار، على العكس من الغرض الأساسي منه، يثبّت في الحقيقة أقدام السلطة ويمنحها منطقاً تستطيع أن تخاطب به شعبها، وهو أنها مستهدفة من قبل الخارج، الذي يريد أن يفرض أجندته على أرضها وهو ما يجعل أي مشجع لهذا المخطط من صنف الخونة والطابور الخامس، الذي يسعى لتنفيذ نوايا الأعداء. بهذا الافتراض يشجع الحصار، بشكل أو بآخر، على إزدياد حالات التوجس والريبة وتقوية القبضة الأمنية، التي ستجد كما قلنا، الكثير من المبررات وهي تعلن خوض حرب مزدوجة ضد الأعداء في الخارج وتوابعهم المفترضين في الداخل.
لماذا تتجه الدول المحاصَرة لتطوير أسلحتها والدخول في شراكات استراتيجية عسكرية، بدلاً عن التركيز على توفير الغذاء والدواء ورفع مستوى المعيشة؟
كثيراً ما يطرح هذا السؤال، خاصة حينما تتطور الصناعات الدفاعية لدى بلد معزول بشكل يجعله يتفوق على الكثير من أقرانه من الدول التي تعيش حالة «طبيعية» وتتمتع بعلاقات جيدة مع معظم أو جميع دول العالم. إجابة هذا السؤال بسيطة جداً وهي أن الحصار في حد ذاته ليس هدفاً نهائيأً، بل هو خطوة مرحلية قد تشكّل تمهيداً لهدف آخر غير معلن، وهو التدخل العسكري أو الاجتياح في حالة الفشل في صنع تغيير من الداخل، لذلك فإن الدفاع وتأمين السلاح القادر على الصمود في حالة الاضطرار لخوض مواجهة كهذه يصبح أولوية، على الأقل حتى لا تصبح البلاد هدفاً سهلاً.
نقطة أخرى من المهم جداً الإشارة إليها وهي أنه، وفي ظل هذا النظام الدولي المليء بالتناقضات والتنافس، فإنه لا توجد ثمة دولة أو نظام محاصر تماماً ومن الجميع. كل ما هنالك هو أن هذا المحاصَر سيكون مجبراً على البحث عن بدائل أخرى غير التي كان معتمداً ومعتاداً عليها في السابق، وأن يعيد ترتيب خريطة علاقاته الدولية بشكل جديد ومتناسب مع مستجدات احتياجاته ومصالحه. أحياناً يظن بعض الفاعلين السياسيين أن الاستسلام ورفع الراية البيضاء قد يكون فيه بعض الحكمة، خاصة حين تواجه، وأنت الضعيف، دولة كبرى أو ترسانة من المال والسلاح والإعلام، إلا أن نتيجة مثل هذه القرارات في كثير من الأحيان لا تكون سوى فشل كبير مضافاً إليه إحساس مرير بفقدان الكرامة. هذا هو ما حدث لفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، فقد كانت قيادتها السياسية والعسكرية التي كان يمثلها الجنرال فيليب بيتان ترى أن البلاد التي كانت تعاني من ضعف وتعثر اقتصادي غير جاهزة للدخول في معركة ضد الجيش الألماني، وأن خوض هذه المعركة في ذلك الوقت يعد انتحاراً. استبعد فيليب بيتان قيام حرب كونية جديدة بعد فظائع الحرب الأولى وتجاهل بشكل تام الخطر الاستراتيجي المتمثل في التهديد النازي، على اعتبار أن ألمانيا نفسها لن تكون مستعدة لخوض غمار حرب جديدة.
إلا أن استبعاد شبح الحرب من جانب واحد لم يكن كافياً، بل كان حافزاً مهماً للألمان الذين شجعهم التراخي الفرنسي على بدء تنفيذ مخططهم للتوسع واجتياح المنطقة، حتى بعد هذا فإن بيتان آثر السلامة والتسليم طارحاً خطة فريدة من نوعها تهدف لخلق نوع من «التعايش مع الاحتلال»، بهدف منع تخريب باريس وغيرها من المدن الفرنسية. لم يكتف بيتان بذلك، بل اعتبر أن مقاومة الاحتلال ليست سوى تهور قد يعرض حياة السكان المدنيين إلى الخطر. بهذا المنطق وافق بيتان على تقسيم فرنسا ليصبح جزء منها تابعاً للألمان، على أن يكتفي هو بما سيطلق عليه في كتب التاريخ «حكومة فيشي» التي ستفرض سيطرتها على منطقة محدودة من الأراضي الفرنسية. لم يمض كثير من الوقت حتى أصبحت حكومة فيشي هذه منزوعة السلطة والسيادة، فمن التنسيق الأمني مع الاحتلال لملاحقة المقاومين والناشطين، انتقل الأمر لما هو أشبه بالعمالة المباشرة لتصبح فيشي وكأنها حكم ألماني بأيدٍ فرنسية.
ما يزال المؤرخون مختلفين حول شخصية بيتان، فمنهم من يراه مجرد عميل، ومنهم من يرى أنه حاول الاجتهاد فقط لحماية فرنسا وتقليل خسائرها. شارل ديغول، السياسي والعسكري الفرنسي الذي كان على رأس جناح المقاومة الموازي، ذكر للرجل أدواراً وطنية خلال الحرب العالمية الأولى وشفع له من أجل أن يتم استبدال حكم الإعدام الذي تم توقيعه عليه بحكم آخر للسجن مدى الحياة. الأمر الذي لا جدال حوله هو أننا كنا سننظر اليوم لهذه الشخصية بعين مختلفة لو كانت قد اختارت لنفسها طريقاً آخر.
كاتب سوداني
د. مدى الفاتح