حاكم العالم

لو اقتصرت مهمة الصحافي أو المعلق على المتابعة الأسبوعية لأخبار من يرحلون عن الدنيا من أعلام السياسة والثقافة والحياة العامة لما كان ذلك كافيا للإحاطة بكل هذه الأخبار ولا حتى لتقديم مجرد ومضات عن سير قلة قليلة منهم. وهكذا فقد مر نبأ وفاة السياسي البريطاني دنيس هيلي، الموصوف بأنه «أفضل رئيس وزراء حرمت منه بريطانيا»، عن 98 سنة، قبل شهور بدون أن تتاح فرصة الإلماع إلى سيرته المتميزة وثقافته السياسية والتاريخية الباهرة. كما مر العام الماضي نبأ وفاة أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري الفرنسي الشهير، موريس دوفرجي، الذي كان له تأثير في صياغة دستور بعض الدول العربية والإفريقية قبل عقود، بدون أن تتاح فرصة التطرق لدوره في تكوين أجيال من النخب السياسية الفرانكوفونية.
أما في الأسابيع الماضية، فقد وافت المنية مبدعين أحدهما معروف عالميّا، هو أومبرتو إيكو، والثاني معروف فرانكوفونيّا وألمانيّا فحسب، وهو ميشال تورنيي الذي يمتاز بما كان له مع الثقافة العربية المعاصرة من علائق نادرة المثال قد يتاح لنا التطرق لها قريبا إن شاء الله. وقد كان من محاسن ما أقدمت عليه مجلة «بروسبكت» الفكرية البريطانية أنها استضافت باحث السيميائيات والروائي الإيطالي الراحل، أومبرتو إيكو، في آخر شهور العام الماضي ليدلي بدلوه في زاويتها الطريفة المعروفة بعنوان «لو قيّض لي أن أحكم العالم». فبدأ أومبرتو إيكو بالقول، بالمكر الفاتن المعهود فيه، إنه قد أخذ، مع تقدمه في العمر، في الشعور بالكراهية نحو الجنس البشري: «ولهذا فلو كانت لي السلطة المطلقة لتركت له الحبل على غارب طريقه التي ستؤول به إلى إهلاك ذاته ـ هكذا يفنى الجنس البشري فأكون أسعد». وبما أنه لا يستطيع أن يعطي إلا «جوابا سجاليا» لسؤال حكمه الافتراضي للعالم، بحكم أنه من «المثقفين الذين يكتبون مقالات، والذين لهم طريقة في الاحتجاج بدون أن يكون لهم القدرة على تغيير العالم»، فإن كل ما يستطيع فعله هو «تأييد سياسة التضامن والتعاطف» على النحو الذي انتهجته أنغيلا ميركل عندما أهابت بالشعب الألماني أن يؤوي اللاجئين السوريين.
أما ما يثير قلقه فهو فيض المعلومات التي يسبح فيها الشباب على الإنترنت بدون أن يتعلموا طرائق غربلتها والتحقق من صحتها، حيث أنه له حفيدا في الخامسة عشرة أخبره أن كثيرا من أصدقائه يصدقون نظريات المؤامرة الرائجة على الإنترنت. إذ «ليس هناك نظام للتحكم في الجودة. إنها معضلة هائلة». ورغم إيمان إيكو بوجوب تعميم التعليم، فإنه متخوف من تدني المستوى. فيقول إن نسبة من كانوا يتلقون تعليما ابتدائيا في إيطاليا، قبل الحرب العالمية الأولى، لم تكن تتجاوز 20 بالمائة. ولكن المشكلة الآن تكمن في الجامعات. «الآن أصبحت الدراسة الجامعية في السنوات الثلاث الأولى سهلة جدا. إذ ليس على الطلاب أن يقرؤوا كتبا يتجاوز طولها مائة صفحة. إلا أن على من يسوسون الشعوب أن يعلموا أن شرط بلوغ الإنسان درجة النضج إنما يكمن في مغالبة التحديات. عندما كنت طالبا في الجامعة قرأت آلاف الصفحات، ولم يتسبب ذلك في وفاتي!»
أما المادة الوحيدة التي يودّ إيكو أن تكون إجبارية في المدارس، فهي تعليم اللغات. ذلك أنه «إذا كان مفهوم أوروبا (الموحدة) موجودا، فإنه قائم على المعرفة المتبادلة للغات. ولكن أغلبية الناس في بلدين من أكبر بلدان أوروبا، هما فرنسا وبريطانيا، لا يعرفون على ما يبدو سوى لغتهم الأم. هذا والحال أن التلاميذ في بريطانيا كانوا حتى عهد قريب يتعلمون اللاتينية». وأفرد إيكو في شهادته، أو وصيته، شبه الحميمة هذه مكانة للقضية المركزية في الشأن الإنساني، أي الدين، قائلا: «البشر حيوانات دينية (..) فهم يميلون إلى البحث عن علة وجودهم وأصل أوضاعهم. هنالك جملة جميلة منسوبة إلى جي كي تشرستتون تقول: «عندما يقلع البشر عن الإيمان بالإله، فإن ذلك لا يعني أنهم (صاروا) لا يؤمنون بأي شىء، بل إنهم (صاروا) يؤمنون بكل شىء. ليس في وسع حاكم العالم أن يلغي الدين. يمكنك أن تكون ملحدا أو غير مؤمن، ولكن عليك أن تقرّ بأن الأغلبية الغالبة من البشر إنما تحتاج إلى العقيدة الدينية».
ويختتم إيكو، تعليقا على ماركس وأفيونه، بالقول إن الدين وجدان من خصائص الإنسان، تماما كقدرته، بدون غيره من الموجودات، على الحب، أو المحبة.

٭ كاتب تونسي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية