حال السينما بعد عام 2003: العراق: أفلام كثيرة وجوائز عالمية في غياب الدعم الحكومي وصالات العرض

حجم الخط
1

لم تشهد السينما العراقية زهوا كما شهدته خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي، ليس فقط من ناحية المشاركة في المهرجانات الدولية التي بلغت أكثر من 379 مهرجانا في مختلف قارات العالم، بل من ناحية الإنتاج الذي غلبت عليه الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة، باستثناءات قليلة من الأفلام الروائية الطويلة.

لفتة تاريخية

السينما العراقية التي يمتد عمرها إلى أكثر من 100 عام لم تكن في بداياتها تخضع للإنتاج السينمائي المتعارف، كانت حتى الحرب العالمية لم تنتج فيلما، رغم إن أوّل عرض كما تقول المصادر السينمائية العراقية كان في عام 1909، وكان العرض للسينما الصامتة التي كانت السائدة حينذاك، وحين رأى التجار إقبال الناس على مشاهدة الأفلام السينمائية أخذوا باستيراد بعض الأفلام التي احتاجت إلى دور عرض تم تشييدها مع بدء الأفلام الناطقة في السنوات عام 1921 و1922 ثم بدأ عرض الأفلام المصرية عام 1927 ليكون أول تعاون إنتاجي سينمائي عراقي مصري، وكان أول الأفلام العراقية المصرية يحمل اسم «القاهرة بغداد» وقد تم تصوير مشاهد الفيلم بين القاهرة وبغداد بمشاركة المطربة العراقية عفيفة إسكندر وعميد الفن العراقي حقي الشبلي، ومن مصر كانت الفنانة القديرة مديحة يسري والفيلم من إخراج أحمد بدرخان. فالسينما العراقية أنتجت خلال سنوات عمرها زهاء المائة فيلم، عرض منها 99 فيلما، ومنع عرض فيلمين وهما «العد التنازلي» سيناريو وإخراج محمد شكري جميل، بكلفة ما يقارب المئة مليون دينار عراقي. والثاني بعنوان «حفر الباطن» سيناريو وإخراج عبدالسلام الأعظمي بكلفة 93 مليون دينار، وهو أيضا منع في آخر لحظة بعد الإعلان عنه في التلفزيون. كما أنتج اقطاع الخاص 48 فيلما من هذه الأفلام المنتجة، في حين أنتجت دائرة السينما والمسرح 41 فيلما، وأنتجت شركة بابل ثمانية أفلام، وهي شركة مختلطة بين الدولة والقطاع الخاص، إلى جانب فيلمين أنتجتهما دائرة التوجيه السياسي في وزارة الدفاع.

توقف وعودة

السينما العراقية توقّفت توقفا شبه تام بعد عام 2003 وتحوّلت جميع صالات العرض إلى مخازن للسكائر أو المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية، وإن الكثير من الجهات، عدت السينما حراما، ما ساهم في إغلاق أصحاب الدور السينمائية أبواب صالاتهم، ولم يعد هناك استيراد للأفلام حتى انبرى عدد كبير من الفنانين العراقيين الشباب، ومنهم من كان يعيش في الخارج، إلى العودة إلى الإنتاج السينمائي ولو بشكل تدريجي لتعاد الروح إلى الفن السابع، وإن بدت الخطوات عبارة عن إنتاج أفلام قصيرة أو وقائية أو تسجيلية هي الغالبة، لكنها تحمل مواضيع العراق الحديث، الذي تلا عام 2003. ولكن السؤال هو ما هي المعوقات التي تقف أمام استمرار الإنتاج السينمائي الذي يطمح له الفن السينمائي العراقي؟

عودة الروح

يقول المخرج العراقي حسين السلمان، إن السبب الأهم هو أننا أمام حالة تبدو لي خارج المألوف، بفعل العوامل الذاتية والموضوعية التي أحاطت بالفيلم العراقي، ولكن حركته الأخيرة التي جاءت بعد 2003 تجسدت بمشاعر وأحاسيس صادقة، اختلجت في قلوب الشباب محبي السينما، إذن هي حالة انبعاث ومحاولة تسلق عوارض تقليدية تقف حائلا أمام حركة الفن السينمائي. في مثل هذا التصور الشامل لحركة الفيلم العراقي نستطيع أن ندرك إن عام 2017 يعد من أنضج الأعوام تألقا من حيث الإنتاج وسعة المشاركات العربية والعالمية، بعد الفشل المزمن للحكومة التي تبتعد كثيرا عن معانقة الفعل الفني والثقافي. ويضيف السلمان أن الشباب وجدوا أنفسهم أمام شكل إنتاجي وإبداعي هو السينما المستقلة، التي أسست لمجمل الحركة السينمائية ما بعد 2003. ويبين إن الفيلم العراقي لم يصل إلى فيلم صالات العرض الجماهيرية، بحكم خواص الفيلم القصير، فهو لم يزل فيلم مهرجانات وهذا في تصوري مرحلة ابتداء أساسية لانطلاقة أوسع، وهي مرحلة تمهيد ضرورية أفرزت لنا أسماء مهمة تعمل على رسم شخصيتها عبر توكيد هوية وطنية. ويطمح السلمان إلى تأصيل أرضية جديدة تشمل مجمل جوانب العمل السينمائي للانتقال من مرحلة الفيلم القصير والإنتاج الفقير إلى مرحلة كبرى لا تخلو من الصعوبة والإشكاليات، إلى مرحلة الإنتاج الروائي الطويل، الذي يرسم الأفق الجديد لعملنا السينمائي، الذي يؤكد حينها قدراتنا على صناعة سينمائية حقيقية قادرة على خلق أجواء عراقية خالصة.

رغم غياب الدولة

لكن المخرج سعد العصامي الحائز جوائز عالمية يقول، إنه ربما لا توجد لدينا سينما عراقية في الوقت الحالي، ولا يمكن حتى القول بذلك، لكنه يستدرك إننا نملك مجموعة من الأفلام الروائية القصيرة وصنّاع أفلام شبابا استطاعوا اقتحام أكبر المهرجانات وتحقيق نتائج فيها. وأضاف أن هذه الأفلام أنتجت في ظروف صعبة جدا، بعد أن خذلتهم الدولة في دعم مشاريعهم الشبابية، وأغلقت وزارة الثقافة العراقية أبوابها في وجه مشاريعهم السينمائية، حتى أن الوزارة لم تدعم الشباب ولو بالكلمة الطيبة، بل تجاهلت كل منجزاتهم ونجاحاتهم التي حققوها. ويقول إنه حقق جوائز عالمية وعربية عن فيلمه «الشيخ نويل» وعرض في العديد من المهرجانات السينمائية المهمة منها، مهرجان مالمو للفيلم العربي، ومهرجان شلينجل ومهرجان روتردام للفيلم العربي والعديد من المهرجانات السينمائية. ويشير إلى إن هناك العديد من صناع الأفلام العراقيين الذي حققوا نتائج رائعة بأفلامهم السينمائية القصيرة، ويمكن لنا الاستشهاد بنتائج المؤرخ السينمائي مهدي عباس للاطلاع على نتائج المشاركات السينمائية للأفلام القصيرة العراقية.

مشاركات وأرقام

يشير الكاتب والباحث السينمائي مهدي عباس إلى أن المشاركات العراقية في المهرجانات السينمائية في العام الماضي مثلا بلغت 379 مهرجانا عربيا ودوليا، موزعة على 70 دولة في قارات العالم. وأضاف أن الكثير من الأفلام شاركت عشرات المرات في مهرجانات عالمية، منها .. فيلم «زيرو ملم» لسيماء صقري، «أغمض عينيك جيدا» لعلي البياتي، «دياب» لمازن شربياني، «الشيخ نويل» لسعد العصامي، والكثير غيرها. ويعبر عباس عن دهشته لما حصل بأنها مفارقة عجيبة، ففي الوقت الذي توقّفت كل الجهات السينمائية الرسمية عن الإنتاج ازداد الإنتاج السينمائي كما ونوعا بحماس وإرادة الشباب السينمائي، الذي نحت في الصخر وعمل بعضهم بدون ميزانيات، وقدموا لنا أعمالا جميلة، وكانت هناك فورة إنتاجية كبيرة في بغداد والمحافظات وإقليم كردستان، وكذلك في المهجر، أثمرت حوالي 300 فيلم قصير وحوالي عشرين فيلما طويلا.

البحث عن جمهور

ربما تكون الأرقام كبيرة لهذه المشاركات تبدو مفرحة لكنها بكلّ تأكيد تحمل غصّتها كما يقول البعض من محبي السينما إنها إنتاج للعرض الخاص والنخبوي والمشاركات الخارجية، بسبب غياب دور العرض والإقبال الجماهيري، وما ولدته بعض الأفكار المتطرفة من إن السينما تعد ملهاة أكثر منها فنّا، ولذا فإن الكثير من هذه المهرجانات لا يتم النجاح فيها، كما يقول البعض لأنها لا تعرض في صالات العرض المخصصة، رغم إنه في الأشهر الأخيرة من هذا العام شهدت بعض المولات في بغداد والبصرة افتتاح صالات للعرض السينمائي. على الجانب الثاني فإنه في هذا العام أقيم 20 مهرجانا سينمائيا في مختلف المحافظات.. وهو ما ذكره مهدي عباس أيضا، عادا إيّاها ظاهرة صحية لافتة للنظر، خاصة أنها بالإضافة إلى المهرجانات العربية والدولية، أصبحت المكان الوحيد تقريبا لعرض نتاجات الشباب السينمائية.. وبين أن بغداد شهدت أربعة مهرجانات سينمائية، وفي إقليم كردستان أربعة مهرجانات سينمائية مهمة، وفي كربلاء شهدت إقامة دورة ثالثة لمهرجان النهج السينمائي الدولي، وكذلك شهدت كربلاء مهرجانا صغيرا لعروض الأفلام القصيرة هو مهرجان النخيلة. أما في البصرة أقيم أكثر من مهرجان، الأول مهرجان القمرة السينمائي، وكذلك المهرجان الثالث عشر للسينما والتلفزيون ومهرجان طلابي أقامته كلية الفنون الجميلة.. وشهدت ديالى إقامة المهرجان الأول لأفلام طلبة الجامعات العراقية، في ما شهدت واسط الدورة الثانية من مهرجان واسط السينمائي الدولي. أما العمارة فقد شهدت إقامة المهرجان الأول لسينما أوفياء المقاومة، وفي النجف أقيم مهرجان (أمارجي) وفي بابل أقيم مهرجان فيها، وفي السماوة أقيم مهرجان دولي كذلك. لكن عباس يقول إن الغائب الأكبر خلال عام 2017 هو مهرجان بغداد السينمائي الدولي، الذي يعتبر من المهرجانات الدولية، بسبب عدم وجود الدعم المطلوب، نأمل أن يعاود الظهور بما تبقى من شهور عام 2018 !

٭ روائي عراقي

حال السينما بعد عام 2003: العراق: أفلام كثيرة وجوائز عالمية في غياب الدعم الحكومي وصالات العرض

علي لفته سعيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية