حاولت رصد الواقع السياسي والاجتماعي في البلاد: اسبانيا تستضيف أفلاما وثائقية تنبأت بمآلات الوضع السوري

مدريد ـ «القدس العربي»: تضامنا مع الشعب السوري ومحنته التي يواجهها في ظل صمت المجتمع الدولي، تم عرض مجموعة من الأفلام الوثائقية السورية لكوكبة من المخرجين الوثائقيين السوريين، وهذه الأفلام وإن كانت تختلف من حيث تاريخ إنتاجها، إلا أن ما يجمع بينها هو عملها على تقريب المشاهد الغربي والعربي، بل حتى المغترب السوري، مما دار ويحصل هناك.
لقد تم تقديم أفلام تعود إلى ما قبل اندلاع الثورة السورية وأثناءها، أي ما بين سنة 2002 وهو تاريخ إنتاج فيلم «فيضان في بلد البعث» وسنة 2013 التي ستعرف التوقيع على فيلم «العودة إلى حمص».
فبدءا من فيلم عمر أميرلاي الذي يعد بمثابة الصرخة التي أطلقها قبل سنوات من الثورة، التي يمكن اعتبارها النبوءة، التي أثارت ما سيقع لحزب عرف كيف يجثم على أنفاس السوريين لمدة فاقت الأربعين سنة. أميرلاي الذي رحل والإرهاصات الأولى للانتفاضة السورية على الأبواب، بل كان من بين الشخصيات المتضامنة والموقعة على بيان داعم للثورة المصرية ومباركا لكل الثورات التي يقوم بها الشباب العربي التواق إلى الحرية.
وفيلم «فيضان في بلاد البعث»لا يوجه انتقادا صريحا لحزب البعث، ولا يعتمد فيه أميرلاي على مواقفه الشخصية، بل على العكس من ذلك فإنه يقوم على فكرة ذكية تجعل أحد أقدم أعضاء البرلمان السوري يحكي… كما أنه يترك المجال لما تصوره الكاميرا ويترك للمشاهد أن يحكم بنفسه ويكون فكرة عما يدور هناك في الأراضي السورية، وكيف يتحكم النظام القائم في المجتمع السوري من الأسرة حتى المدرسة.
لقد قام أميرلاي بنقد ذاتي جريء إزاء فيلمه الأول «وادي الفرات»، أخرجه التلفزيون السوري سنة 1970، وحماسه للسد كأحد أكبر مشاريع التطوير السورية، قبل أن يتراجع عن ذلك لتأثيره على القرى المجاورة.
وعالجت المخرجة هالا محمد في فيلمها «رحلة في الذاكرة» (2006) موضوع معتقلي الرأي في سوريا حيث قامت بحكاية قصص لثلاثة مثقفين معتقلين بعد أن اشتغلت على حوالي 500 معتقل رأي. وتقوم هالا بتتبع مسار ثلاثة مثقفين، الكاتب ياسين الحاج صالح، والشاعر فرج بيرقدار، والمسرحي غسان جباعي، الذين تم اقتيادهم إلى معتقل في مدينة تدمر، كما تجعلهم يتبادلون ويحكون تجاربهم.
والمخرجة السورية هالا محمد، رأت النور في مدينة أنطاكية سنة 1956 ودرست السينما في باريس قبل أن تعود إليها لتعيش لاجئة، تعتبر «أن النظام السوري لن يستطيع أن يمنعنا من الحلم وسنتابع أحلامنا رغم أنه ضاعف أعداد المعتقلات ليسجن أحلامنا التي تفزعه.. فحياتنا على غرار الرحلة نحو الذاكرة لن تنتهي، بل ستواصل البحث عن محطات الأمل».
وفيلم «هيه لا تنسي الكمون» (2008) ترسم فيه المخرجة هالا العبد الله مصير المسرحية البريطانية سارة كاين التي انتحرت في سن الثامنة والعشرين.. وتترك الكلام للممثلة السورية اللبنانية دارينا الجندي التي تحكي فيه عن معاناتها أثناء الحرب الأهلية في لبنان ثم تنتقل للحديث عن معاناتها مع أسرتها التي اتهمتها بالجنون وأرسلتها إلى مستشفى الأمراض العقلية. وتتابع المخرجة مسيرة دارينا التي تتهيأ لإخراج مسرحية لها تحمل اسم «اليوم الذي توقفت فيه نينا سيمون عن الغناء».
ووظفت المخرجة مشاهد اعتمدت على مقاطع غنائية أدتها يولا خليفة وتوزيع زوجها الفنان اللبناني مارسيل خليفة..
ويحكي فيلم «الليل الطويل» (2009) لحاتم علي، قصص أربعة معتقلين تم إطلاق سراحهم ليجدوا أنفسهم أمام مفاجآت غير سارة عند الذهاب لزيارة عائلاتهم، فطيلة الغياب الاضطراري والمرادف للنسيان حصلت تغييرات قاسية وصلت حد زواج الأم بعد وفاة زوجها وتأييدها من طرف الابن مقابل المصالح التي ستكون الدافع الأكبر للتحولات التي ستعرفها الأسرة..
وحاتم علي، المولود سنة 1962، سبق له أن فاز عن الفيلم نفسه بذهبية تاورينا لدول المتوسط وجائزة نيودلهي ثم الفيدرالية الدولية لنقاد السينما (فيبيرسي).
وكان العرض الأخير لفيلم «العودة إلى حمص» لطلال ديركي، من مواليد دمشق، وينقلنا إلى بدايات الثورة السلمية، عندما كانت هناك احتجاجات سلمية ومطالب سياسية واجتماعية ينادي بها الشارع. واعتمد المخرج في حكيه على تتبع مسار شابين: أسامة يحمل الكاميرا ويقوم بتصوير كل ما يدور من احتجاجات لأبناء مدينة حمص، فهو شاهد على بشاعة وهول التدخلات الأمنية في مراحلها الأولى. ومع اشتداد الهجوم العسكري نجد الكاميرا حاضرة في كل المواقف لتوثيق الفظاعات التي يرتكبها جيش النظام وضحاياه من المدنيين والأطفال والشيوخ على وجه الخصوص.
ويلتقي مع مسار أحد أصدقائه عبد الباسط الساروت أحد لاعبي المنتخب السوري ودوره من خلال شعاراته الغنائية التي تلاقي إقبالا كبيرا من الجماهير، لأنها تتحدث عن انتظاراتهم. وبعد ذلك سينتقل إلى الكفاح المسلح عبر حمل البندقية وتشكيل جبهة مقاومة مع أصدقائه من أبناء الحي وذلك للعودة إلى حمص. وتقع اختلافات بين الشابين، حيث يختار أسامة طريق الانتفاضة السلمية والتوثيق، في حين يختار عبد الباسط طريق السلاح الذي وجد نفسه ملزما على حمله، لأن الواقع يحتم ذلك وجيش النظام يواصل قتله للناس. ويتعرض أسامة للإصابة ويستمر في تغطيته للأحداث وبعد ذلك ترد أخبار اعتقاله ويستمرعبد الباسط في حشده للمقاتلين من أجل العودة إلى حمص.
وعند تقديمهما للفيلم أعرب سومرعلون، ممثل جمعية دعم الشعب السوري في إقليم أندلسيا، أن أبطال الفيلم جلهم قتلوا وأن موثق الانتفاضة أسامة قتل أيضا بعد اعتقاله، في الوقت الذي لايزال فيه عبد الباسط حيا يرزق ويقاوم بعد انخراطه التدريجي من قائد لانتفاضة سلمية في حيه، من دون أي خلفية سياسية إلى حامل للسلاح مع أبناء حيه، لكنه الآن يتزعم فصيلا مسلحا بعد تشبعه بأحد الاتجاهات الإسلامية الراديكالية..
وفيما يخص نقل معدات التصوير فقد تم تفكيكها إلى قطع صغيرة وشحنها في سيارات مختلفة، وأن شرائح الفيلم تم تهريبها عن طريق الحمام الزاجل ويعيش معظم طاقم الفيلم لاجئين الآن في عدة دول…
واعتبرت الصحافية الإسبانية مونيكا ليبا، أن الثورة السورية في بداياتها قامت سلمية كاحتجاج على تعنيف النظام لأطفال سوريين كتبوا مطالب على الحيطان … وبعد ذلك سينظم المواطنون احتجاجات مطالبة بإصلاحات سياسية عميقة، ثم دعوة النظام للرحيل، تم قمعها والتنكيل بها، فكان الأطباء هم أول المستهدفين حتى لا يسعفوا أحدا من المقاتلين، والصحافيون كان عملهم شبه مستحيل…
واختتمت فعاليات الأيام التضامنية مع الشعب السوري بأمسية فنية أحياها الفنان السوري غني ميرزو، المغترب والمقيم منذ عشرين سنة في مدينة برشلونة، رفقة فرقته الغنائية المتكونة من جنسيات مختلفة غنت خلالها الفنانة الجزائرية نائلة بيمبو قصائد أندلسية.
ويعمد غني إلى دمج الموسيقى العربية بالفلامينكو الإسباني ويمتح من الشعر الأندلسي والمعاصر لتقريب المستمع من عالم يكون فيه التعبير الموسيقي أقوى من حمل السلاح الفتاك للتقريب بين الثقافات. وتم تنظيم أسبوع حقوق الإنسان لدعم اللاجئين السوريين، حيث يعرف اللاجئ بكونه كل شخص يفر من بلاده، من طرف بلدية الرينتيرية ومكتبتها العامة بالتنسيق مع جمعية دعم الشعب السوري في إقليم أندلسيا.

خالد الكطابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية