عمان- «القدس العربي»: اقتنص ناشطون شباب في المجال الحيوي للتواصل والعمل النقابي ما هو جوهري وبدهاء شديد في المشهد الذي رسم عبر لوحة الإضراب العام أمس الأربعاء عندما أعادوا وبكثافة نشر صيغة تصريح متلفز للملك عبد الله الثاني طالب فيه الشباب برفع صوتهم وبالضغط على السياسيين لإنجاز الإصلاح.
الفرصة هنا مواتية لكي يتطلع هؤلاء النشطاء مجدداً إلى مركز القرار والقيادة في رسالة ضمنية تؤكد أن الإضراب العام الذي نجح تماماً أمس ضد الحكومة وقانون الضريبة تعبير سلمي وحضاري عن الرغبة في الانسجام مع الرسالة الملكية نفسها.
ما يقوله هذا الالتقاط بصيغة جوهرية يتضمن التماس العذر من المرجعيات وعدم الموافقة على تصنيف مؤسساتي يدفع باتجاه اعتبار الشغب على قانون الضريبة وحكومة الرئيس هاني الملقي مناكفة للدولة والنظام بقدر ما هو تصعيد مدروس وسلمي يحاول تكريس اللجوء للنظام والدولة ملاذاً ضد «وحشية» إجراءات الحكومة الاقتصادية.
رؤية شمولية
سياسياً يمكن القول ان تلك الرسالة الذكية بكل حال يخاطب فيها المعتدلون في الشارع الشعبي والنقابي واقعهم ضمن رؤية شمولية أكثر عمقاً في مسألة الإضراب العام الذي يفتح تماماً بعد نجاحه في السياق الاجرائي والتنظيمي ودون أي مخالفة للقانون المجال امام عشرات الاسئلة المفتوحة واهمها تلك المتعلقة بمساحة يمكن ان تكون مشتركة اليوم بين بوصلة المواطن واتجاهات الدولة المركزية مرة ضد إملاءات صندوق النقد الدولي ومرة ضد الامتثال المبالغ فيه لطاقم الحكومة الحالية لهذه الاملاءات.
قوة الإضراب العام التي برزت أمس لا تتعلق في انه يعيد فقط إلى المعادلة السياسية الوطنية قوة المجتمع المدني والنقابات ولا تتعلق أيضاً في تأثير الإضراب الفعلي على مستقبل قانون الضريبة المثير للجدل. بل تتعلق بجزئية مهمة جداً تتمثل في ان الانفلات الفردي في التعبير والاعتراض قد يصبح قريباً من الماضي اذا ما تصدرت مؤسسات نقابية ومدنية مثقفة ومعتدلة مشاهد الاعتراض بدلاً من فوضى صفحات التواصل الاجتماعي وانحرافات الافراد او المجموعات الصغيرة في الشارع.
تلك تحديداً قيمة اساسية في مشهد الأردن أمس يمكن ان تشمل نقطة متلاقية خدمها الظرف الموضوعي بين الدولة العميقة ومركز القرار وبين الشارع الأردني الذي رسم لوحة اسمها الإضراب العام بأناقة ونعومة وبدون افراط او تشدد في العبارة والحراك، الامر الذي قد يفسر اللغز الذي رصده المراقبون مبكرًا بعنوان ملاحظة وجود الحكومة وحدها تقريباً في مضمار التصدي للإضراب قبل نجاحه فيما لم تبذل جهود رسمية عميقة لاحتواء موجة الإضراب.
الاعتقاد سائد هنا بأن بعض الشخصيات في مجلس اللامركزية وفي بعض النقابات والجمعيات في القطاع الصناعي تحديداً وفي قطاع الأعمال لم يكن من الممكن ان تشرب «حليب السباع» وتذهب باتجاه التصعيد الإضرابي لولا بعض الاضواء الخضراء التي تجمع في التحليل ما بين نظرية تنفيس الاحتقان والرغبة الملحة في توجيه رسالة عبر الشارع اليوم لصندوق النقد الدولي في مواجهة سياسية مرسومة وتنطوي على انتهازية شرعية.
مؤشرات مبكرة
وفي كل الأحوال رصدت مؤشرات مبكرة قبل تنفيذ الإضراب أمس تثير الاستغراب عندما انضمت اليه او شاركت به مؤسسات اهلية ومدنية معروفة بالامتثال للتعليمات الرسمية.
وبكل حال لم تعد هذه المؤشرات مهمة اليوم لأن المجتمع المدني يتحرك والشعب يعود كما قال عضو البرلمان السابق جميل النمري ولأن نشطاء في الشارع ابلغوا القصر الملكي بأنهم بدأوا الضغط من «تحت» أي من القاعدة الجماهيرية وبانتظار الضغط من «فوق» اي من القرار السياسي وفقاً لما تم تداوله على نطاق واسع. في المقابل وفي الوقت الذي اقترب فيه الإضراب العام من الوصول إلى ذروته بدت الحكومة مرتبكة فالمعني بديوان التشريع فيها الوزير نوفان عجارمه حذر من مخالفة القانون في حال المشاركة في الإضراب.
ووزير الإعلام أطلق عبارة ملغزة اثارت الجدل بعنوان «احصائية تتحدث عن ان 49% من تعليقات وسائط التواصل السلبية مصدرها سوريا وهو اتهام مباشر للنظام السوري من المرجح أنه ينطوي على إشارة سياسية من الوزير محمد المومني تبلغ دمشق بأن عمان تعرف ما الذي يجري وتأمل ان يتوقف الشغب الالكتروني السوري عليها.
قريباً من مثل هذا التصريح أخفق وزير الصحة محمود الشياب تماماً في تهديد وضبط اعضاء النقابات العاملين في وزارته فقد شاركوا وبكثافة ونشاط خصوصاً من قطاعي الاطباء والممرضين بالإضراب الذي استمر لخمس ساعات.
وهي خمس ساعات حبست فيها الحكومة أنفاسها وتغيرت فيها فجأة معادلات متكاملة وبرزت مستجدات تحتاج فعلاً للتأمل والتدبر والتفسير حسب ما طرحه امام «القدس العربي» في لحظة عصف ذهني القيادي البارز في الحركة الإسلامية الشيخ مراد العضايلة.
رسائل
ثمة رسائل استثنائية في غاية الأهمية يمكن استنتاجها بعدما رسم الأردنيون لوحة الإضراب العام لخمس ساعات اهمها نجاح هذه الفعالية المفصلية والتاريخية بدون الإخوان المسلمين. وهي مسألة قد تثير شهية مسؤولين متعددين في واجهات القرار لأنها تغري ببعض التواطؤ البيروقراطي لكسر تفرد الإخوان في الشارع حتى وان كان الثمن قانون الضريبة والحكومة معاً.
بين الرسائل أيضاً العميقة تلك التي تقول للجميع بأن الروح بصدد العودة لمرجعية نقابية ومدنية في الأردن تتولى المناورة والمبادرة والتفاوض مع الحكومة.
وهو ما سيحصل فعلاً لأن رئيس مجلس النقباء الدكتور علي العبوس اعلن بعد نجاح الإضراب عن تشكيل لجنة مشتركة لجميع المؤسسات المشاركة في الإضراب تتولى ترسيم الخطوة التصعيدية التالية ذلك ايضاً يمكن ان يجذب بعض الدوائر المسؤولة وان كان على حساب هيبة مجلس النواب.
حتى وإن كان المشهد منفعلاً بعد الإضراب حيث تجمع عشرات الآلاف من الأردنيين في احتشاد سلمي وهادئ ضد القانون والحكومة وبصورة حضارية لا يمكن لومها أو اتهامها ولأول مرة في التاريخ السياسي الحديث للمملكة.