منذ العام الماضي يجري الحديث عن ملامح اندلاع انتفاضة ثالثة. فعندما حرق المستوطنون الشاب محمد أبو خضير، وعندما دخلوا الحرم القدسي جرى تداول كلمة الانتفاضة الثالثة. فالنقاش حول وتيرتها يزداد كلما وقع حادث عنف أو أدت المواجهات لقتلى وجرحى إلا أن الحديث سرعان ما يختفي وتحل محله حالة من الهدوء الحذر. ومع ذلك هناك انتفاضة تجري اليوم في القدس والخلاف حول توصيفها وتدفقها. وكما يرى المعلق الإسرائيلي بن كسفيت في مقال نشره موقع «المونيتور» فكل انتفاضة تختلف عن الأخرى. فالأولى كان سلاحها الحجارة أما الثانية فكانت التظاهرات والعمليات الإنتحارية وفي القدس اليوم حالة أو وضعا يشبه انتفاضة أو انتفاضة تسير بوتيرة بطيئة لا أحد لديه القدرة للسيطرة عليها: سلاحها الحجارة والقنابل الحارقة. ومن هنا نفهم الطريقة التي تتعامل فيها المؤسسة الإسرائيلية مع الأحداث الجارية في البلدة القديمة والحرم القدسي وهما من أكثر النقاط المتفجرة وعبارة عن برميل بارود ينتظر الإنفجار في الشرق الأوسط إن لم يكن في العالم أجمع. ومن هنا علينا أن نضع الأحداث الأخيرة المندلعة في الحرم القدسي منذ يوم الأحد في السياق الصحيح.
فإسرائيل تقول إن الشرطة تحركت بعد تلقيها تقارير استخباراتية تتحدث عن شبان فلسطينيين يخططون للهجوم على «الزوار» اليهود لـ «معبد الهيكل» في أثناء إجازة السنة اليهودية الجديدة. وعندما قامت الشرطة باعتقال بعض الشبان المقدسيين اندلعت المواجهات، حيث تعرض رجال الشرطة الإسرائيلية لوابل من الحجارة والألعاب النارية. وهو ما قاد إلى إغلاق الحرم القدسي والسماح «للزوار اليهود» بدخول ساحة الحرم. ولم يقل بن كسفيت في مقالته أن هؤلاء الزوار اليهود هم من عتاة المستوطنين الذين كثفوا حركاتهم الإستفزازية في محاولة منهم لتغيير الوضع القائم في الحرم الشريف والذي يعتبر والأماكن المقدسة تحت رعاية الأردن باعتباره الجهة التي كانت تدير المقدسات الإسلامية والمسيحية حتى الإحتلال في عام 1967. وبتوفير الشرطة الغطاء للمستوطنين و»زياراتهم» المتكررة فهي تسعى لفرض واقع كما فرضه الإحتلال من قبل في الحرم الإبراهيمي في الخليل الذي قسم بين المسلمين واليهود. وعليه فالانتفاضة المقدسية هي محاولة للتصدي لسيناريو التقسيم ومرابطة المقدسيين وفلسطينيي الداخل في الأقصى هي طريقة للدفاع عنه لكن إسرائيل كعادتها حرفت الإنتباه عن القضية الحقيقية ـ أي الأقصى.
وحاولت التغطية على هذه التحركات من خلال تهييج الرأي العام حول مخاطر رمي الحجارة وهو ما بدا في مقالة بن كسفيت وتصريحات مدير الأمن الداخلي جيلعاد إردان الذي اقترح عدم ترفيع القضاة الذين لا يصدرون أحكاما مشددة على رماة الحجارة الفلسطينيين حيث قال «الحجارة تقتل، لقد ثبت هذا ويثبت في كل مرة». أما نير بركات رئيس بلدية القدس فاعتبر رمي الحجارة «إرهابا» لا يمكن لأي مدينة في العالم التسامح معه. ورغم انتقاد قاضية المحكمة العليا مريام ناؤر لتصريحات إردان إلا أن نتنياهو أعلن عن إجراءات أكثر تشددا ضد الشبان الفلسطينيين الذين يدافعون عن الأقصى بالحجارة. وقال إثر اجتماع طارئ جمعه بالعديد من الوزراء والمسؤولين الأمنيين «تقرر تشديد الإجراءات في العديد من المجالات، وسيتم بحث تعديل قواعد الاشتباك وإرساء عقوبة دنيا لرماة الحجارة وغرامات مهمة بحق القاصرين الذين يرتكبون هذه الجرائم ووالديهم». وفي الوقت نفسه أعلن وزير الدفاع موشيه يعلون عن حظر «المرابطون» وهم حماة الأقصى الذين يرابطون فيه طوال النهار لمواجهة استفزازات المستوطنين. ومنذ العام الماضي حاول المستوطنون تغيير الأمر الواقع عندما اقتحمت الأقصى مجموعات مدعومة من عضو الكنيست المتطرف موشيه فينغلين الذي دعا لنقاش في الكنيست حول فيما إذا كانت إسرائيل ستعلن السيادة على الأماكن المقدسة وتسمح لليهود في الصلاة فيها. وهو ما دعا الحكومة الأردنية لاستدعاء سفيرها وهددت بمراجعة معاهدة السلام مع إسرائيل. وإمعانا في الإستفزاز اقتحم وزير الزراعة آريه آرييل الحرم مع مجموعة من مؤيديه، ويطالب الوزير هذا ببناء المعبد اليهودي مكان الحرم. كل هذا رغم تأكيد بركات ونتنياهو أن لا خطط لتغيير الوضع الحالي.
وفي محاولة من المستوطنين ورعاتهم سواء كانوا من الليكود أو منظمات اليمين المتطرف والصهاينة للإلتفاف على فكرة السيادة على الأماكن المقدسة يقوم هؤلاء بتقديم مطالبهم بزيارة الحرم الشريف والصلاة فيه عبر إطار حرية العبادة. فحتى المتطرف يهودا غيليك الذي يحلم ببناء المعبد الثالث تبنى فكرة الحريات المدنية كوسيلة للصلاة في الحرم القدسي. ففي تظاهرة نظمها في شهر رمضان قال «نحن هنا للتظاهر ضد التمييز العنصري في جبل الهيكل». ويتناسى هذا النقاش حول الحريات الدينية ما تقوم به إسرائيل من إجراءات للحد من دخول الفلسطينيين إلى القدس وزيارة الأقصى. ورغم إدعاء إسرائيل بتسهيل الصلاة في الأقصى إلا أنه في حالة حصار دائم تتحكم في كل أبوابه الشرطة الإسرائيلية التي تراقب الداخل إليه والخارج منه. وسياسات كهذه لا تعمل إلا على إذكاء نار العنف. وهو ما حذرت منه المؤسسات الدولية.
ففي آذار/مارس 2015 أشارت صحيفة «الغارديان» إلى تقرير مسرب أعده الاتحاد الأوروبي إلى أن الوضع في القدس وصل إلى «نقطة الغليان من الإستقطاب والعنف» وهو ما لم تشهده المدينة منذ نهاية الانتفاضة عام 2005. ودعا التقرير إلى عقوبات مشددة ضد إسرائيل بسبب استمرار سياستها الإستيطانية والذي اعتبره الإتحاد مسؤولا عن زيادة الأزمة. وتحدث التقرير عن ظهور «حلقة مفرغة من العنف والتي تهدد بشكل متزايد حل الدولتين» وهو ما أدى إلى زيادة البناء المنظم للمستوطنات في مناطق «حساسة» بالمدينة المقدسة. ووصف التقربر العنف والتوتر في المسجد الأقصى بأنه نتاج للسياسة التي تمارسها الشرطة الإسرائيلية والإجراءات العقابية والتي تضم الطرد وتدمير بيوت الفلسطينيين. ودعت الوثيقة التي شارك في إعدادها ممثلو دول الإتحاد الأوروبي بالقدس المعدة في عام 2014 إلى اجراءات عقابية ضد المستوطنين ومنتجات المستوطنات. وعبر التقرير عن حالة إحباط لدى دول الإتحاد الأوروبي من السياسات الإسرائيلية في القدس التي أصبحت نقطة متفجرة وتهدد بتوسع العنف. وكما أشار بن كسفيت فالقدس الشرقية تحترق، وقد تكون النار بطيئة حيث تستخدم في المواجهة الحجارة والزجاجات الحارقة، ولكن الأحداث قد تتطور إلى شيء أكبر كما هو الشأن في أي حادث في منطقة الشرق الأوسط الذي يمكن أن يتطور وينتشر.
وما يزيد من اشتعال «انتفاضة القدس» هو فقدان السكان الفلسطينيين الأمل في حصول تحسن على حياتهم اليومية، وهم يعاقبون كما هو شأن إسرائيل في كل مرة انتفضوا فيها. ولم توقف تسوية أوسلو 1994 النشاطات الإستيطانية في القدس والضفة الغربية. وعوقب الفلسطينيون في الانتفاضة الثانية والعملية العسكرية التي تبعت ذلك ببناء جدار فصل عنصري وعزل القدس وأهلها الفلسطينيين عن باقي الضفة الغربية ولم تعد أبواب المدينة مفتوحة إلا لأهلها أو من يحمل تصريحا من الإدارة المدنية. وهو ما جعل إسرائيل تستفرد بالمدينة وتؤكد واقعا آخر وهو الضم غير الشرعي للمدينة المقدسة والذي أعلنته بعد الإحتلال عام 1967. وانشغلت إسرائيل طوال الخمسين عاما الماضية بتغيير الواقع الديمغرافي والتضييق على سكان البلدة القديمة. وفي الوقت الذي يتحدث فيه الإسرائيليون عن العملية السلمية إلا أن ملف القدس ظل مؤجلا وخارج النقاش. وقبل أيام أعلن نتنياهو في لندن وروما عن استعداده لاستئناف المحادثات مع رئيس السلطة الوطنية محمود عباس، لكن لا أحد في أوروبا يصدق ما يقوله. والدعوة لاستئناف المفاوضات ما هي إلا حيلة من الحيل لمواجهة الغضب الشعبي وحملة المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية في أوروبا. وبالنسبة لرئيس السلطة عباس، فقد فشل خيار التفاوض والمقاومة الشعبية اللذين تبناهما وليس لديه والحالة هذه أي حل دبلوماسي. ويواجه مشاكل داخل حركة فتح ومع حماس في غزة حيث فشلت المصالحة الوطنية. ورغم مظاهر الشجب والتصريحات القوية الصادرة في الرياض وعمان والرباط وعواصم عربية أخرى فلم يعد أحد في العالم العربي يهتم بالقضية الفلسطينية. وغطت أحداث سوريا واليمن وليبيا وأزمة اللاجئين الذين يدقون أبواب أوروبا على القضية الفلسطينية. وليس لدى عباس أي خيار، إما البقاء أو الإستقالة أو حل السلطة الوطنية وطالما هدد الرئيس الفلسطيني بالإستقالة وحل السلطة لكنه كان يختار البقاء. وتظل الخلافات الداخلية في فتح بعيدة عن اهتمام الشارع الفلسطيني، فالفلسطينيون لا يعرف أكثرهم من هم في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وما هي صفاتهم فما يشغلهم أكثر هو ركود الاقتصاد وغياب فرص العمل وارتفاع الأسعار وابتعاد القدس عن الضفة، فهناك جيل من الفلسطينيين لم يزر الأقصى أو القدس بسبب القيود والتضييقات المفروضة على أهل الضفة. ومن هنا فإن انتفاضة القدس هي محاولة لتذكير الطبقة السياسية في رام الله، وفي العواصم العربية بما يعانونه. وانتفاضتهم اليوم هي من أجل منع فرض أمر واقع على الحرم القدسي وتقسيمه. ونأمل أن لا تكون «الزفرة الأخيرة للعربي».
إبراهيم درويش