حجا مبرورا وقمعا مغفورا يا سيادة الرئيس

حجم الخط
2

لم يكن في علمي أن الرئيس عبد الفتاح السيسي له القدرة على تركيب جملتين بليغتين في سياق متصل دون أن يتلعثم أو يتوقف أو تزيغ عيناه إلى أمكنة متعددة في المكان؛ ليفتش عن الكلمات والمعاني التي يظهر أنها تمتنع عليه كلما أمسك ميكروفونا أو اعتلى منصة، حتى رأيت ذلك في المؤتمر الصحافي الذي وقف فيه بجانب الرئيس الفرنسي ماكرون في زيارته الأخيرة إلى باريس، وتشعر أن الرجل في وقفته تلك يملأه الزهو والفخر، وكأنه فعلا قد حقق إنجازا جديرا بالثناء، وفِي الواقع فإن للرجل مطلق الحق في ذلك الشعور، لأنه بات يعتبر كل زيارة يقوم بها إلى دولة غربية ديموقراطية، بمثابة اعتراف بشرعيته وبنظامه العسكري، وأن الغرب بدأ مع مرور الوقت يتناسى عورة الانقلاب التي ما انفكت تلاحق لعناتها النظام المصري القائم، بل يعد ذلك رضا من الغربيين عما تقوم به أجهزة الأمن من أعمال قمع وتعذيب ممنهج للمعارضين، وكأنه يشد الرحال إلى الغرب ليغسل ذنوب النظام في تلك البقاع، ثم يعود ليستأنف جولة أخرى من اقتراف الذنوب والآثام، مادام الحج إلى الإليزيه وموسكو والبيت الأبيض، أصبح مرة في السنة وعند كل نهاية فترة رئاسية وبداية أخرى.
ولا غرابة، فلطالما كان هاجس الطغاة في كل وقت وحين هو اكتساب الشرعية الدولية، والسعي إليها بكل الوسائل المتاحة لدى القوى الكبرى، لأن ذلك يمنح الطاغية شعورا بالأمان وهو يمارس ساديته على شعبه، ويجعله في منأى عن العقوبات الدولية والحصار السياسي، فمادامت القوى الكبرى لا تبدي كثيرا من الاعتراض أو الامتعاض، فلا خوف على الديكتاتور وهو يقارف أحب شهواته إلى نفسه مع الشعب الذي يحكمه، الأمر الذي يشبه رب البيت المتوحش الذي يشبع زوجته ضربا وهراوة بالليل، ثم يقصد صباحا بيت أهلها محملا بالسكر والزيت والدقيق، فإذا حاول أبوها أن يفتح فمه لما حل بابنته من آثار الكدمات واللكمات، سبقه هو بالقفة التي يحملها إليه، وهذا تقريبا ما يحدث مع الأنظمة الشمولية التي تسعى في طلب الاعتراف بالشرعية عن طريق رشوة في شكل إبرام الصفقات العسكرية مع الدول الديمقراطية الغربية، التي بدورها تتغاضى عن جرائم تلك الأنظمة في حق شعوبها .
وأقرب مثال على ذلك؛ ما حدث مع الرئيس روبرت موغابي الذي يعد من الدكتاتوريين المعمِّرين في الأرض، عندما فَقَدَ بعض المسؤولين في منظمة الصحة العالمية اتزانهم، وشيئا من عقولهم وحسهم الإنساني أيضا، فعينوه سفيرا للنوايا الحسنة، قبل أن تتراجع المنظمة عن قرارها وتسحب تعيينه الذي أثار استهجانا في الأوساط الغربية و الحقوقية، لما اشتهر به الرجل من انتهاكات متوحشة لحقوق الإنسان في زيمبابوي، ولا شك أن منصب سفير للنوايا الحسنة لم يكن يتخيله الطاغية موغابي حتى في أشد أحلامه سوريالية؛ لما يضفي عليه ذلك المنصب في منظمة كالصحة العالمية من شرعية على حكمه الاستبدادي، لكن حسابات السياسة لا الصحة، قد ترى أحيانا أن إبليس نفسه نواياه حسنة.
فماكرون كيفما دار الأمر هو رجل قادم من عالم المال والأعمال، ويتعامل مع دول الشرق الأوسط بحس التاجر ورجل الأعمال الذي لا تهمه المبادئ وحقوق الإنسان، بقدر ما يهمه أن تكون الصفقة رابحة، بل ويعمل على ابتزاز الديكتاتور بتلك القيم والمبادئ ليخرج منه بمصلحة، وعادة ما يذهب الديكتاتور إليهم محملا بحزمة من الصفقات التي تهم خصوصا شراء الأسلحة والطائرات والفرقاطات وأقمار الاتصالات العسكرية الفرنسية من أحدث طراز وأغلى الأسعار.
فما برحت شركات السلاح الفرنسية مثل شركة داسو للطيران وشركة تاليس للخدمات العسكرية والأمنية وغيرهما، تستغل هؤلاء الديكتاتوريين القادمين من الشرق الأوسط لتبيعهم ما أمكن بيعه من منتجاتها الحربية بملايين بل مليارات الدولارات، ويتم مقايضة السعر بالموقف السياسي، فكلما كان موقف فرنسا متساهلا أو متجاهلا لممارسات النظام القمعية كانت الأسعار عالية، آخر هذه الصفقات كانت العام الماضي في فترة ولاية فرانسوا أولاند وبلغت أكثر من مليار دولار.
وهذا كان دأب الرؤساء الفرنسيين منذ ميتران وجيسكار ديستان وجاك شيراك وساركوزي مع صدام حسين ومبارك و القذافي، الذي كان يرسل أحد أصغر أبنائه، وأجهلهم بالشؤون العسكرية ليتولاه دهاقنة الإليزيه، ويسرحون به في جولة في سوق السلاح عبر مصانعهم ليشتري ما يعرض أمامه من دبابات وطائرات كالطفل الذي يصطحبه والده لمحلات بيع اللعب، وعادة ما يكون خلفه بعض الأعوان يلتقطون إشارات أصبعه أو إيماءات رأسه إلى أنواع الأسلحة التي يعجبه منظرها أو حتى لونها ليدونوها في قائمة المقتنيات.
لقد أبدى الرئيس ماكرون في المؤتمر الصحافي أسوأ تعليق لرئيس فرنسي يُسْأَل عن موقفه حيال وضعية حقوق الإنسان في بلاد يعلم يقينا أنها تشهد انتهاكات مزرية للكرامة الإنسانية، وبجانبه ديكتاتور منقلب على حكومة منتخبة ديمقراطيا، فالسيد «ماكِرُون» المثقف الماكر، والمهذب غاية التهذيب، الذي يرأس إحدى أبرز الدول المدافعة عن الحرية وحقوق الإنسان في العالم، والتي تتفاخر بشعار الجمهورية الثلاثي؛ الحرية والإخاء و المساواة، أصبح رئيسها في المؤتمر يتفاخر بما يمكن أن نصفه بشعار «يصطفلو» بتعبير السوريين أو «يولعو» بتعبير المصريين، أو شعار «عض مبادئي ولا تعض صفقاتي».
بل إنه زعم أن تدخلهم السابق في الدفاع عن حقوق الإنسان ضد الديكتاتوريين إبان الربيع العربي، ووقوفهم مع الشعوب التي تفترسها وحوش الأنظمة القمعية بكل همجية وتقطع أوصالها، وتمارس عليهم ألوان التعذيب بالصعق الكهربائي للأعضاء التناسلية، ونزع الأظافر، وتكسير العظام، والاغتصابات الكلبية(عندما يغتصب الكلب المعتقل)، والتجويع النازي، قد استجلب لفرنسا المتاعب، وتسبب في انتشار الإرهاب، بل أضاف أن بلاده لا تعطي الدروس في الديمقراطية لأحد، كما لا تحب أحدا أن يفعل ذلك معها.
لا شك أن وقع هذه الكلمات على الرئيس السيسي كان بردا وسلاما، وكان يرقص طربا في أعماقه، لأنه تلقى أكبر شحنة معنوية منذ أن انقلب على محمد مرسي، تجعله يعود الى أرض الكنانة وهو متأبط شرا، سالا سيوفه التي تقطر بدماء الأبرياء، ليوغل أكثر ويجعل عاليها سافلها، فليس شيء أحب إلى نفس الجلاد من أن يقول له أحدهم ليس من حق أحد أن ينهاك عن تعذيب ضحيتك، فمن اليوم لن يسائلك أحد عن تلك الصرخات الموجوعة والتأوهات المكتومة التي تخرج من البيت المصري إلى ليل هذا العالم.
والآفة الكبرى أن الاتفاقيات المعلنة، دون العسكرية التي تدار خلف الكواليس وهي الهدف من الزيارة، شملت التبادل الثقافي والفني، فإن كانت فرنسا سوف تبادل ثقافتها مع مصر السيسي فإنه تبادل الصم والعميان، وتبادل التضاد والتناقضات، لأن الأُولى سوف تتحدث عن مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، وعن الثورة الفرنسية وكيف نجح الثوار في إنهاء حكم ديكتاتورية لويس السادس عشر والإقطاع، وناضلوا في سبيل ذلك عشر سنوات دون هوادة، أما الثقافة التي سوف يصدرها السيسي لبلاد الحرية؛ فهي كيف نجح الانقلاب في وأد الثورة والتنكيل بالثوار، وتدجين الإعلام والفن في سبيل تقويض معنويات المعارضين، وطمس أي أثر باق من آثار ثورة يناير/كانون الثاني. لكن المثير للدهشة في المؤتمر، هو أن السيسي بدا لوهلة وكأنه نسي أنه يشغل موقع رئيس الجمهورية، ليتكلم بلسان معارض عريق أخذته الحماسة وخَفّ به عنفوان اللحظة، وانطلق لسانه بكلام متسق بليغ تستتبعه دفقة من الأدرينالين الذي تزيد إفرازاته عندما يشعر المرء بخطر يهدد كيانه، بعد أن سأله صحافي عن وضعية حقوق الإنسان في مصر وعن تقارير منظمات حقوقية تشير إلى التعذيب الممنهج في السجون ومخافر الشرطة المصرية، ليعكس السيسي السؤال قائلا: لماذا لا تسألون عن سوء التعليم في مصر، عن تردي الصحة و عن البطالة، وهو بهذا يشبه الذي يريد ان يخفي جريمة عظيمة بشعة، بإبراز مجموعة من الجرائم الصغيرة التي يكون وقعها أهون من الجريمة الكبرى، دون أي وازع أو ضمير، فهنيئا لسيادة الرئيس حجه المبرور و قمعه المغفور، وهنيئا للرئيس ماكرون وقصر الإليزيه وشركات السلاح الفرنسية بصفقاتهم التي كسبوها على ظهور البؤساء المسلوخة بسياط العسكر.

كاتب مغربي

حجا مبرورا وقمعا مغفورا يا سيادة الرئيس

طه لمخير

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية