التيار الحداثي الذي حاول أن يلتمس أسباب النهضة والتقدم في العالم العربي والإسلامي، حاول ذلك قبل أن يتولّى النظام إحكام سيطرته على السلطة السياسية وامتداداتها في الاقتصاد والدين والمجتمع بشكل عام، لكن بعد أن صارت الدولة القطرية العربية إلى الحاكم والزعيم العسكري، سارع إلى إعدام نواة السلطة السياسية كأفضل سبيل إلى سد أي طريق إليها.
أي وقف إمكان تناوب الحكم والتداول السلمي والديمقراطي لمؤسسات الدولة. فليس صحيحا إذن أن الاتجاه الحداثي أخفق في مواقفه وبرامجه وتصوراته، لأن المشروع في حد ذاته لم يتوفر منذ البداية على آلية الحكم وسلطة الدولة. فالاستحالة كانت محكومة منذ بداية الحكم العربي لما بعد الاستعمار بالإخفاق، لأن طبيعة الحكم صارت مشخصة في الزعيم والرئيس والقائد، بحيث كل التجربة تترسب في دائرة سلطة الرئيس ولا تتعداها إلى مؤسسات الدولة، بالتعريف الحديث، التي تراكم وتعزز المفهوم العام الذي يحصن الدولة من الانهيار في حالة أزمات ومعضلات خطيرة.
وكان المشهد الذي قدمه «الربيع العربي» هو انهيار الدولة بانهيار الرئيس ونظامه، وقبل ذلك انهارت الدولة العراقية بانهيار نظام صدّام، الذي كان يشعر بأنه هو الذي بنى العراق الحديث، ومن ثم أحقيته في امتلاكه هو وأولاده من بعده، وهي الحالة نفسها التي انتابت كل حكام العرب، الذين استولوا على نظام الحكم واستحوذوا على كافة آليات الحكم والتسيير والتدبير، عبر التوكيل والتفويض والتعيين والتعاقد مع الأجنبي، لصالح القائد وعائلته، الذي شعر بعد عقود من الحكم أن الدولة دولته هو، لأنه هو الوحيد الذي كان في الحكم وهو الوحيد المسيِّر، وثروات البلد من ثرواته هو، فهو ولي النعمة وصاحب الفضل. ووقوع الثورة العربية الرَّاهنة في أكثر من بلد عربي، هو بالضبط محاولة لنسف من الأساس لهذا الشعور الذي يجعل الحاكم يعتقد أن الدولة جزء من أملاكه وقابلة للتوريث، وبمعنى آخر أقرب إلى الفهم، أن الموقف الحداثي لم يخفق لأنه كان تغريبيا واستلابيا على ما يرى مثلا التيار الإسلامي، لأن الأوصاف والأحكام القيمية نفسها يمكن أن تلحق التيار الإسلامي ذاته، في ظل غياب الدولة ذات المؤسسات العمومية، التي توفر الإطار لبلورة وتنمية المفاهيم الحديثة والمشاريع العامة التي تتجه إلى الشعب العام (المواطنين). فالسلفي أو الإسلام السياسي التمس تجربة دينية من تاريخ عربي إسلامي انقضى، صارفا نظره عن كل منجزات العصر الحديث والمعاصر، عندما تعني الدولة المدنية الدستورية التي تحكم بالقوانين الوضعية، يضعها البشر لصالح البشر ويحكمون ويحاكمون من قبل بشر أيضا، وهو عين ما يوصي به القرآن الكريم. فالعودة إلى الماضي مستحيلة على أكثر من صعيد ووجه، وأكثر الاستحالات أن التاريخ لا يعود إلى الوراء إطلاقا، ووَحَدَاته الزمنية لا تني تتقدم وتزيد سرعة مع عصر العولمة. وهكذا فالمشروع السلفي المصاغ والمعد من خارج مؤسسات الدولة لا يستقيم مع العصر الحديث، لأن الدولة توجد مع المجتمع الدولي الذي يمنحها الشرعية، وهذا وجه آخر يتعارض معه المشروع الإسلامي في الحكم، حيث يلتمس لنفسه الشرعية من التاريخ الذي مضى وليس من الحياة الدولية الراهنة التي تندرج في التاريخ الكبير والشامل، على ما درجت عليه الدول الكبرى ثم الدول الصاعدة. الحياة المعاصرة تتطلب مفاهيم معاصرة وهي صالحة للتبيئة والاستنبات في كل مناطق العالم، ما دام الكل مشمولا بوتيرة التاريخ المعاصر نفسه. فالعلمانية، الليبرالية، الاشتراكية، البورجوازية، الرأسمالية… كلها صالحة للتقدم والتنمية، إذا وجدت الدولة/الإطار الذي يضعها على المحك ويمتحن الأحزاب والبرامج التي تتبناها وتحكم عليها بالفشل أو بالنقص أو النجاح والصلاحية، بما في ذلك البرامج والمشاريع التي تعتمد مرجعية الدين، لأن الدولة الحديثة لا تستبعد الدين بقدر ما توصي بإعادة التفكير فيه، من وحي آخر ما توصلت إليه الإنسانية على أساس صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان. إن الإسلام كرسالة ولغة السماء، دائما معاصر لنفسه ولا يقبل النكوص إلى الوراء، على ما تفعل الحركات السلفية التي تغذت من صراعها مع السلطة أكثر ما فكرت في الدين، من واقع الدولة الحديثة، لأن السلطة العربية كانت تصادرها.
وبناء على ما تقدّم، لم يكن في وسع التيار الحداثي، الذي له هو أيضا مثالبه، أن يوسّع نطاق الحداثة لتشمل السياسة في تعبيراتها عن الدولة كمؤسسات عامة لا تقبل التمليك والتوريث والاستحواذ.. فقد كانت حداثة مبتورة منذ البداية عندما أقدمت أنظمة الحكم العربية المتأتية من نضال الحركات الوطنية التحررية عن عهد الاستعمار، إلى مصادرة السلطة ومن ثم السيادة وتعاملت معها على أنّها رصيد رأسمالي لاقتصاد ريعي لاحق سوف تستثمر فيه مع أقرب المقربين من الحاكم وربط الاقتصاد الوطني ورهنه بالخارج، في عملية محكمة لا تخترق من أي طرف يأتي ليتعامل مع الدولة/ السلطة إلا عبر الإطاحة بالنظام نفسه، كما حدث في أكثر من بلد عربي… والمشهد الأخير هو الثورة العامة التي تعني الإطاحة بالنظام العربي العام الذي ساد طوال عقود من الزمن السياسي الفاسد.
إن التيار الحداثي أخفق في تجربته، فقد حاول أن يفكر في قضايا العرب ويقدم مقترحاته من وحي تجارب الغرب التي تقبل التطبيق في رأيه، في البلاد العربية إذا أحسنت التدبير والتسيير، لكن مصادرة المجال العمومي من قبل نظام عربي سلطوي حال دون نجاح الحداثة التي كانت دائما برسم التعميم للإنسانية كافة. وخلاف ذلك، التيار الإسلامي أو التراثي التقليدي هو في الأصل لم يستند إلى تجربة ولا إلى برنامج ولا إلى مشروع معقول في العصر الحديث، وكل ما فعل أنه أحال طموحاته وأوهامه إلى عصر الصحابة والتعلق به بشكل أسطوري، أوقف عنده كل التاريخ بما ينطوي عليه من ماض ومستقبل. والإحالة إلى الماضي، على ما فعل الإسلام السياسي طوال الحكم العربي الفاسد، يصعب التأكد من صلاحية ومصداقية المقترحات المطروحة، ناهيك أن البرنامج أصلا لا يوجد ما يعادله على مستوى الواقع، وبتعبير علماء الأصول غياب الشاهد وغياب الغائب نفسه الذي نحتاج إلى القياس عليه. والذين انخرطوا في هذا التيار الديني إنما فعلوا ذلك ضدّا على السلطة القائمة التي حرمتهم من مجال وإطار الدولة كمؤسسات عامة، فلاذوا القهقرى بعصر لم يعد موجودا ولا يمكن أن يوجد أصلا.
٭ كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو