يُذكرني ما أحدثه كتاب «صحيح البخاري..نهاية أسطورة» للكاتب المغربي رشيد أيلال من ضجة وصلت إلى حد تكفير المؤلف وتهديده بالقتل، بما حدث لنصر حامد أبو زيد عند إصدار كتابه «مفهوم النص» وما انجّر عنه من إشكاليات للرجل في حياته العامة والخاصة. حدثٌ يستفز الباحث اليوم أن يخط بعض ما يختلج في نفسه من تخمينات حول ما يراه البعض مقدساً ولا يمكن المساس به من مثل رواة الحديث، الذي جُنِدَ له علم كامل يسمى «الجرح والتعديل» من أجل إلباس قداسة تصل حد قداسة النص القرآني في بعض الأحيان.
استفزاز غير مباشر لا يترك لنا المجال للمرور مرور الكرام، فعاد بنا إلى أصل الحكاية وهزنا هزاً إلى إطار آخر، وعبث بالذاكرة حد التخمة ودفع بها إلى مقاربة الأشياء. نهاية أسطورة البخاري للكاتب المغربي مُؤَلَفٌ ما زلنا لم نتصفحْ ورقاته بعدُ، ولكننا على يقين أنه مُثير ويكفي أنه يدفع بنا للبحث ونحن على أعتاب العنوان. وهو كتاب لا شك أنه سينهي معه أساطير أخرى من شخصيات وأحداث، ويهمنا في هذا الإطار شخصية تؤثث صحيح البخاري، وتُعتبر عماداً من أعمدته، وهي شخصية «أبو هريرة»، وطرحنا لها ليس من وجهة نظر حضارية لأن الشخصية لها من الجَلل الكثير، ولهَا ما لهَا وعليها ما عليها، ولكن نطرحها في إطار هذا التسليم الغريب عند البعض بصحة الأسانيد، حتى إن كانت المتون مُختلة ومخالفة للعقل والنص. إننا أمام لعبة الأسانيد التي تحتمي تحتها ثقافة كاملة، فيكفي أن يقول فلان، فيتوقف العقل على حد قول نصر حامد أبو زيد. نعم يا سادة توقف العقل وأنعم علينا النقل بثقافة الشيخ فردد فقال فأنتج جيلاً كاملاً من الدواعش يُقال لهم فيفعلون…
لماذا أبو هريرة بالذات؟
في زمن مضى سبق أديبنا محمود المسعدي الجميع في تحطيم هذه الأفكار وإثارة هذه الإشكاليات، حيث طرحَ شخصية «أبو هريرة» في روايته «حدث أبو هريرة قال…» فصدّر بها عنوان روايته، وهي علامة دالة على ثقافة بأكملها تقف عند حدود الأسماء المعلنة، متناسية ما يطرحه المتن من إشكاليات، ولهذا أتبع المسعدي السند بنقاط ثلاث مسترسلة تكشف عما يُمكن أن يُقال أو يُفعَل، وهي إشارة إلى المتن وما يحمله من أفكار. أظنها – ومنذ ذلك الوقت- دعوة ضمنية من المسعدي إلى تخليص العقل من وهم التواتر والنقل، نحو الشك والتمحيص، فسافر بالرجل من منطق الحكي إلى منطق الشك والعقل المؤسس، وكأنه يقول لنا احذروا الأسانيد. فهل حرر المسعدي أبا هريرة من معتقلات الحكي إلى بوادي العقل والتحرر منذ زمن بعيد؟
لا أظن أن إثبات هذا الزعم الذي ألبسناه بالمسعدي عن طيب خاطر أمر سهل، لاسيما في سُطور مستعجلة كهذه، ولكن لدينا حدوس تصاحبنا منذ زمن من كوْن المسعدي أراد هذا فعلاً، فلئن مثلت شخصية أبي هريرة في رواية محمود المسعدي «حدث أبو هريرة قال» أسا سرديا بنى عليه المسعدي روايته، بما في هذه الشخصية من رمزية دينية عميقة تعود بنا إلى الصحابي الجليل والراوي الثقة، الذي تعتمد عليه المؤسسة الفقهية في بناء صرحها الفكري. فإن ذلك لم يمنعْ – حسب رأينا- من تعريتها وفضْح سلوكها، بما يساعد على كشف الوجه الآخر الذي أراده، ولا يقصد المسعدي هنا الشخصية نفسها (صورتها في التاريخ) وإنما يريد الإشارة إلى أن الراوي السند مهما كان يبقى إنساناً يُخطئ ويُصيب، وليس كما تزعم الأساطير، فهو ينفذ مباشرة إلى المؤسسة الفاعلة والبانية لهذا المنطق، ويحاول أن ينبه إلى ضرورة معالجة المتن وما يطرحه من قضايا متغيرة كتغير الإنسان الباحث عن الحقيقة كما صوره المسعدي.
لقد كان محمود المسعدي سباقاً في تهشيم منطق النقل والرواية، مؤسسا لمنطق الشك والعقل في التعامل مع الأخبار، فكأننا به يحرر أبا هريرة من سجون الحكي والأسانيد، نحو مُتون العقل وتقليب النظر، ومن وراء ذلك يريد المسعدي أن يقوض ثقافة القيل التي حكمت الثقافة العربية الإسلامية عقوداً من الزمن، ويؤسس لفعل الإنسان العاقل الذي تحكمه عدة ثنائيات تجعل منه كائناً متحولاً باحثاً عن الحقيقة.
إن اختيار المسعدي لأبي هريرة بالذات تلك الشخصية الموثوق بها في علم الأسانيد وإقحامها في رواية تحت تصورات عدة، ورعة ومتأصلة من ناحية، ماجنة تحب الخمر والجنس من ناحية أخرى، فيه (الاختيار) إشارة واضحة إلى أنها شخصية إنسانية تخطئ وتصيب تحب وتكره، وهذا ما يجعل الاتكال عليها في سرد الحديث ليس مطلقاً، وإنما يجب مراعاة هذه الجوانب وإعمال العقل في ما تقول. هذا الاعتبار نراه مهماً في التأسيس لمنطق جديد في الثقافة العربية الإسلامية في وقت متقدم، لاسيما وأن المسعدي كتب هذه الرواية في الثلاثينيات، قبل أن تصدر كاملة في ما بعد، وتحديداً زمن السبعينيات. أليس المسعدي بهذا الفهم المبكر مؤسسا لثقافة الشك والنقد، محررا كثيرا من الأفكار مما هو سائد، الذي ساهم في تأخر الأمة عقودا من الزمن؟ فكأننا به من قبل ذلك الفلسفي الوجودي الناقد الباحث عن الحقيقة خارج أسوار الفهم السائد. لقد حرر المسعدي أبا هريرة من سُجون الفهم السائد، الذي أقحمته فيه المدونة الفقهية من أجل إرساء منطق معين إلى أبعاده الإنسانية العميقة، التي يتجلى فيها الإنسان إنساناً خطاءً حينا مُصيباً حينا آخر، وبهذا الفهم كان محمود المسعدي سباقا إلى تقويض المفاهيم التقليدية.
ختاماً، فليغفر لنا المسعدي لعبة التأويل هذه، فقد نكون أثقلنا كاهل الرواية بما لا يلزم ولكنها تظل محاولة باللغة وفي اللغة.
كاتب تونسي
يوسف رحايمي