اعتدنا في كل مناسبة ثقافية خارجية على مجابهة منظومة من الأسئلة حول واقع المثقف في السعودية ومواقفه وآرائه ومنجزه، حيث تتركز أسئلة الكائنات الثقافية الطافحة باحتياطات روحية هائلة، باتجاه قائمة من الأسماء كان لها حضورها وسمعتها في المنابر والملتقيات الثقافية، إبان الثمانينيات من القرن الماضي على وجه التحديد، أو ما يُراد توطينه في الأذهان تحت عنوان الغصن الذهبي للثقافة.
وتتأتى تلك الاستفهامات الحامضة، التي يمتزج فيها الحميمي بالفكري، في المقام الأول من شوق لمعرفة أخبار رفاق الدرب الثقافي، ومن رغبة في استعادة تاريخ من الصداقة الآفلة التي يمكن تصنيفها في خانة الأمجاد الإبداعية. كما تتصاعد حدّة الدهشة عند السائل بسبب غياب من يسأل عنه، واختفائه من واجهة المشهد الذي كان يتصدّر واجهته، أو تضاؤل إسهامه المعرفي والفني. ولطمأنة السائل على سلامة أصدقائه الغائبين، لا بد ابتداءً من تبديد حالات القلق التقليدية، إذ يمكن أن تذهب به الظنون باتجاهات مزعجة، كأن يكون صديقه في حالة صحية سيئة، أو داخل حالة حصار سياسي أو اجتماعي، أو يمر بضائقة مالية بسبب منعه من الظهور في وسائل الإعلام وهكذا، وعندها يكبر السؤال ليتحول النقاش كله صوب أسباب التواري للمثقف في السعودية، وعدم استثماره لعلاقاته مع المثقفين العرب، وعزوفه عن استعادة ذكرياته الثرية معهم، وامتناعه عن الكتابة حول الأماكن والفضاءات التي جمعته بالمبدعين من مختلف الأقطار العربية. وهكذا تتوالى الأسئلة التي تبدو في ظاهرها مجرد استفسارات حميمية في ما هي تضرب في أعماق جدلية شروط إنتاج المثقف ومآلاته، وتختبر وعيه للعالم ومدى إحساسه بكون التناقضات طريقة رؤية وتفسير للتطور الاجتماعي.
لا يتخيل المثقف العربي الذي نذر نفسه كممثل لعميلة تاريخية، أن صديقه القادم من السعودية ما هو إلا برجوازي صغير لا يعنيه من الثقافة إلا نفسه، ولا أهمية عنده لأي منتج ثقافي لأقرانه، وقد تخلى عند لحظة الاستحقاق عن إنتاج الجماليات واكتفى بزاوية صحيفة يومية أو أسبوعية ليستفرغ فيها همومه الذاتية وملاحظاته الاجتماعية. وهذا الفصيل يشبه بطل تشيخوف في قصته «إنسان في الصومعة» فهو إنسان معلّب لا يعرف من الحياة إلا واجباته الوظيفية ولا يعبأ إلا بمقالاته.
وقد يُباغت السائل بصدمة عندما يعرف أن بعض أولئك الذين اعتقدهم أعضاء فاعلين في حركة تاريخية اجتماعية قد انقلبوا على لحظتهم الذهبية تلك، وصاروا يخجلون منها، حيث صار بعض (المربديين) مثلاً، يتنصلون من كل متعلقات ذلك الزمن أسماءً ومكاناً وحسًّا قومياً، والأسوأ حين يسمع بأن بعض أبطال تلك المرحلة الثقافية الباهرة قد كتبوا من الهجائيات لأسماء وأصوات وأفكار اللحظة التي جمعتهم داخل مشروع إبداعي، ليس من باب المراجعة الفكرية إنما انسياق وراء متغيرات سياسية واجتماعية.
إن المآل الذي يصل إليه بعض نجوم الحالة الثقافية في السعودية ليس نهاية قسرية، بل هو خيار طوعي لأناه المحدودة المشوهة، حيث يركن هذا المثقف أو ذاك إلى العزلة السلبية لأسباب تكوينية تتعلق به كذات إبداعية. لأن اللحظة اليوم أكثر انفتاحاً وأكثر قابلية لاستقبال الأفكار الجديدة. وهو فضاء يتسع للجميع ويحرض على استئناف الإبداع، باستثناء من ارتضى لنفسه أن يكون نجماً محنطاً في متحف الذكريات. ومن استمرأ فكرة التكريم الموسمية له باعتباره رائداً ومؤسساً ومُلهماً. وهذه معايير قد تكون فاعلة في المدارات الداخلية المتواضعة، التي تبحث عمن تموضعهم كنجوم في مداراتها. أما الأفق الثقافي العربي فلا يسمع هذا الرنين المدوي في الغرف الضيقة، ولا يتعالق إلا مع الذوات المنتجة الفاعلة، التي تحفر بصمتها الإبداعية في العقل والوجدان.
لم تتردد النخب العربية في احتضان المثقفين في السعودية خلال العقود الماضية، فقد كانوا محل احتفاء واهتمام دائم، سواء على المستوى الإنساني أو الثقافي، حيث كانت المنابر العربية التقدمية تبحث عن الأسماء المجدّدة. وكانت المطبوعات الثقافية ترصد النص المختلف المتولّد في أرض شبه مجهولة. وهذا هو الذي أدى إلى نشوء تلك الصداقات الإنسانية والمواثيق الإبداعية، إلا أن معظم مثقفي ذلك المختبر لم يكونوا على مستوى الطموح، وكانوا يعتبرون كل تلك الاحتفاءات والدعوات فرصة للظهور على المنصات والتباهي بالصداقات، ولذلك اعتبروا أنفسهم غير مدينين لأحد من مثقفي العالم العربي ومؤسساته الطلائعية، وكأن هذا الصنف من المثقفين لا يعرف من الثقافة إلا كونها حفلة تنكرية تنتهي بانتهاء المناسبة والعودة إلى حاضنته الاجتماعية، وأنه ليس ذلك الكائن الموعود الذي يخوض باستمرار صراعاً نقدياً مع الماضي، ليبني عليه حصناً تأمُّلياً للحاضر والمستقبل.
ولا شك أن فرار بعض مثقفي ذلك الزمن من مستوجباته الإنسانية والثقافية له تداعياته الجارحة والمخيبة عند المثقفين العرب، الذين صاروا يبحثون عن تلك الكائنات من خلال إصداراتهم ومواقفهم ومواقعهم من النص والحياة. وفي المقابل امتناع معظم أولئك عن الحديث الاستعادي حول تلك المرحلة يحرم الأجيال من فرصة الاستماع إلى خبرة جيل بكامله عن مرحلة ثقافية على درجة من الأهمية، لأن الكتابة عن مثقفي تلك المرحلة وأفكارهم وانتماءاتهم لا تعني مجرد سرد وقائع عاطفية وذكريات حميمية عابرة، بل هي بمثابة الدرس في العلاقات والأفكار والتحولات الثقافية والحياتية، حتى إن كانت من موقع النقد والرفض، حيث يمكن فهم سر ذلك النأي عن سرد تلك الحقبة، ولو على مستوى الفيسبوك، كإشارة إلى انتفاء أدب الصداقات والذكريات والأماكن والسيرة، وغلبة الحاجات المادية الشخصية على منازع الوعي.
المثقفون العرب يلتقون اليوم بفصيل واسع من المثقفين في السعودية وخارجها. ويتعاملون مع منتجي المعرفة ومنتجي النصوص بكثافة ودراية وتماس أشمل، إلا أن ذلك لم يوقف تساؤلاتهم عن أسماء بعينها، وهي أسئلة تبدو غير مريحة في ظل اليسر الذي تؤديه وسائل التواصل الإلكتروني. حيث يسهل الارتطام بمن نريد بالمصادفات الدائمة، إلا أن جوهر السؤال لا يتجه بهذا المنحى، بل باتجاه حالة استنكارية لغياب طراز من المثقفين وتنصلهم من خطاباتهم بما يعادل موتهم، وكأن السائل لا يريد التصديق بأن من اشترك معه في لحظة مفصلية، وتعاهد معه على مواصلة مفاعيل الثقافة، بما هي الهدير المقبل من أعماق التاريخ، بتعبير ريجيس دوبريه، لم يعد رفيقاً له لا في الدرب ولا في المصير. فهو كائن ينتصر فيه النشاط الحاجياتي، ويعاني من عجز روحي وضحالة في الثقافة الأخلاقية الجمالية.
كاتب سعودي
محمد العباس