حديث الإبادة والمواسم السياسية

حجم الخط
0

مرت مئة عام على ما يسمى مذبحة الأرمن التي ارتكبها الأتراك العثمانيون عام 1913 قبيل إندلاع الحرب العالمية الأولى. وقد انتهت الإمبراطورية ونشأت على أنقاضها تركيا الحديثة عام 1924. زالت الإمبراطورية، لكن بقيت الوصمة التي تطارد الأجيال في تركيا، وتتم إثارتها من حين لآخر، كلما توترت علاقات دولة معينة بتركيا. ويظهر مؤشر تذبذب البورصة السياسية لهذه الإبادة عشرات المرات في تاريخ العلاقات الأمريكية مع تركيا. ولكن يلفت النظر موقف إسرائيل بعد أن قتلت الرعايا الأتراك على سفينة مافي مرمرة التركية التي كانت في طريقها إلى غزة لتقديم الإغاثة لسكانها بعد إحدى جرائم الإبادة الإسرائيلية في غزة عام 2008 / 2009.
الذكرى المئوية لإبادة الأرمن، هو يوم النكبة الفلسطينية بالتقويم الإسرائيلي، ولكنه يوم 14 مايو/أيار 1948 بالتقويم الميلادي. وهذه مصادفة غريبة، أن يتذكر العالم ضحايا الأرمن على يد دولة انتهت، ولا يجوز أن يطارد أبناؤها طول العمر، فهم غير مسؤلين عن جرائم أجدادهم. ولماذا لا يذكرون مع كل ذكرى لإسرائيل الضحايا الفلسطينيين، ثم الضحايا العرب في كل مكان في العالم العربي، وخارجه، خاصة وأن دور إسرائيل مؤكد فيما يتم الآن من إبادة على يد الجماعات المتطرفة التي تقتل باسم القرآن والإسلام.
وإذا فتحنا باب الإبادة، فقد تسبب قادة في الكثير من الدول في إبادة مواطنيهم بالقهر والسجن والتعذيب والقتل أو إرغامهم على ركوب البحر المتوسط فيلقى حتفه في أمواجه المتلاطمة. والطريف أن أوروبا تجتمع اليوم بعد كارثة غرق ألف من الضحايا خلال ثلاثة أيام سابقة، للبحث في طرق منع تدفق الضحايا إليها، وكان يتعين أن يبحثوا أسباب الفرار إلى الجحيم، إلا أن يكون جحيما أكبر.
إذا فتحنا باب جريمة الإبادة، فقد ارتكب الاستعمار فى كل مكان جرائم إبادة أوسع للشعوب المستعمرة، وينطبق ذلك على بريطانيا وفرنسا والبرتغال وإيطاليا.
أما بريطانيا التي دبرت مؤامرة الحركة الصهيونية وزرعت إسرائيل فهي المدبر للمشروع الذي ينهي الآن الوجود العربي. وفي مصر يجل الوصف عن جرائمها خاصة قصف الاسكندرية في الحادية عشرة صباح يوم 11 تموز/يوليو 1881 دون مبرر، سوى التمهيد للإحتلال وإسقاط خيار الشعب وهو حكومة عرابي والبارودي، بعد أن سقطت حجتها فى ديون إسماعيل. ثم كانت مأساة دنشواي عام 1906 حيث أعتمد وزير العدل بطرس باشا غالي حينذاك أحكام الإعدام والجلد فى جرن القرن حيث نصبت المشانق. ثم تدمير قسم شرطة الإسماعيلية عام 1952، وعدوان 1956 الاجرامي وغيره كثير.
النقطة التي تثيرها مأساة الأرمن ذات شقين الشق الأول، هو العدالة للضحايا، وهذه العدالة يجب أن تمتد إلى كل الدول بما في ذلك جرائم ستالين في الجمهوريات السوفيتية، والجرائم الأمريكية في العراق وسوريا وغيرها، والتغطية على الجرائم الإسرائيلية، بعد أن تلوثت يداها في أمريكا اللاتينية وفيتنام وغيرهما.
أما الشق الثاني فهو مدى وجاهة دخول هذه الاعتبارات التاريخية في التكوين النفسي للشعوب، وعلاقتها ببعضها عبر العصور، وهذه قضية تستحق الدراسة من طلبة العلاقات الدولية، وموضوعها أثر التاريخ الوطني على علاقات الدولة الخارجية. وهذه النقطة في العالم العربي تجر إلى نقطة أكبر، هل هناك فعلا أمن قومي عربي، ومصدر واحد بالنسبة للجميع يهدد هذا الأمن، أم أن لكل دولة فى إقليمها أمنا قوميا، قد تكون إبادة دول مجاورة أو إخضاعها أساسيا لأمنها، والأمثلة لا تقع تحت حصر، ولكن السياق لا يحتمل التفصيل. لا يضير أردوغان اليوم أن يعلن انتهاء صفحة الدولة العثمانية بما لها وما عليها.

السفير د. عبدالله الأشعل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية