تخضع البلاد التونسية منذ أشهر متتالية إلى ماراثون انتخابي تشريعي ـ رئاسي ـ إقليمي ـ جهوي ومحلي، يندرج ضمن خطة وطنية تهدف إلى تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود، تتويجا لثورة الحرية والكرامة التي أطاحت بنظام حكم تسلط على رقاب الناس طيــلة عقود من الزمن و”أبدع” في تثبيت العقبات العائقة في سبيل تطور حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، و”تفنن” في منعهم من حقهم الشرعي في ممارسة الحياة الديمقراطية من دون قيد ولا شرط.
وبانتهاء المرحلة التشريعية، ومنذ ذلك الوقت وإلى أن تنتهي العملية في غضون الأشهر القادمة، يعيش الناخب على شعر أبي العلاء المعري:
هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيح
كل يعظم دينه يا ليت شعري ما الصحيح
وبانتهاء المرحلة التشريعية المدججة بوعود التيارات الحزبية والقوائم المستقلة والمدعمة بالتظاهرات الدعائية لانتقاء الأجود، والمحاطة بالنقاشات السياسية والقانونية المعمقة والهادفة بمشاركة الإعلاميين وجزء من الجامعيين ومن أصحاب الرأي ذوي الاختصاص، وبعد أن أفصحت الصناديق عن أسرارها، أينعت وجوه جديدة تحصلت على نصيبها من كراسي الفعل التشريعي بمعية مؤسسين قدامى، وفشلت أخرى رغم عراقتها وتجذر نضالاتها، وعادت إلى قواعدها منهكة، وأحس الشعب بأن تجربة ما قد دبت في العروق والأذهان وينبغي الإحاطة بخصوصياتها والبحث عن الأدوات الكفيلة بتطوير أساليبها وضمان مردودها على المدى الطويل، والتعريف بها لدى الأمم. وما أن تشكل المجلس حتى ظهر فيه ما ظهر من تحالفات وتوافقات ومفاهمات وتكتلات بين الفرقاء السياسيين (شمال /يمين /وسط… يمين/وسط /شمال … وسط /شمال /يمين … الخ الخ …) وما سيتبعه من سياحة حزبية محتملة داخل البرلمان، كما حصل في المجلس الوطني التأسيسي، وهذه خطوة معاكسة تماما لما سطره الناخب على أساس التوجهات والقناعات والالتزامات وما ”أمر» به يوم الإقتراع لكي يظل هذا هنا وذاك هناك والآخر في مكانه على عهده ومبادئه إلى نهاية المشوار النيابي.
وكنتيجة حتمية لهذه التموجات والإنزلاقات في كل الاتجاهات، رغم الخلافات في المفاهيم والمقاربات والنظريات والبرامج المستقبلية، فقد برزت حيرة لدى الجميع شبيهة بحيرة «ميمونة» بطلة رواية «السد» لمحمود المسعدي لما بادرت زوجها «غيلان» بالقول:»إن الخيال آكلك وأنت آكله.. ولا أعلم ما تريدان»، وردّ عليها بأنه «لا يريد أحدنا بالآخر شرا ولن يأكلني ولن آكله.. بل سندعوك معا حتى تؤمني». وهو ما يعني في قضية الحال أن المقترع سوف يقبل بذلك طال الزمان أم قصر. ومهما يكن من أمر فإنه إن رضي يوما بذلك فلن يرضى بأقل من مجلس يلتزم بنسف الممارسات البائدة ويفتح صفحة جديدة يعتمد فيها بالأساس على تناول قضايا الشعب بكل أمانة وجدية.
وفي مرحلة سياسية موالية حطت الانتخابات الرئاسية بثقلها وعظمة شأنها وجلبت معها حزمة أخرى من الأحلام والأماني والتطلعات وترعرعت في ثناياها ضروب من المواجهات الكلامية وانتهت جولتها الأولى بانتقاء مرشحين اثنين: رئيس حزب حديث النشأة يتهمه منافسه المستقل بأن توجهاته تصب في أوعية الحزب البائد، وينوي التغوّل، ولسان حاله يردد المثل القائل «إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا»، وبدوره يرمي هذا الأخير إلى نشر الفوضى والبلبلة في البلاد والتعامل مع المتشددين وكأنه يقول «قد ضل من كانت العميان تهديه». وبسرعة لافتة نمت حولهما شبكات دعم حزبية واعلامية وجمعياتية اتصفت تحركات بعضها بروح المسؤولية، في حين اختص البعض الآخر منها في صناعة الفزاعات والانقسامات وتزوير الحقائق، ولكن من دون السقوط في دوامة العنف المادي وهو أمر محمود. والشعب في كل ذلك ينصت ويشاهد ويتفاعل مع الحدث ويحذر تحذير الشاعر القائل:بنيّ استقم فالعود تنمو عروقه ــ قويما ويغشاه إذا ما التوى التوى
وفي هذه الأثناء انغمست الأحزاب والمنظمات في وضع تصورات لملامح الرئيس المقبل، بالرجوع إلى مقتضيات الدستور الجديد والاتعاظ كذلك بالمخلفات السلبية لعشريات الجمر، وإلى قيام الثورة، وهي الفترة التي اشتد فيها الغموض والتعتيم والهيمنة والفساد والتهميش وغالط فيها الرئيس شعبه بوضع إصلاحات مزيفة وتشاريع شنيعة وصناديق مالية تنموية مثقوبة وقوض جميع السلطات واختار الأسوأ في جميع الميادين ومراكز القرار وهمش الجهات وانشغل عن هموم الناس بتعلة العناية بقضايا إقليمية وعالمية (فلسطين قضيتي الشخصية» الوحدة المغاربية أملي صندوق التضامن العالمي من ابتكاراتي…) وألحق كل العار والخزي بالإعلام وتعمد التسيب تجاه الطامعين من المقربين منه الذين يحق فيهم قول الجاحظ :»انك إن فتحت لهم عن نفسك مثل سم الخياط جعلوا فيه طريقا نهجا ولقما رحبا». وتجنبا لمثل هذه السلبيات المحبطة فإن ناخب اليوم الذي شهد استحقاقا ديمقراطيا شبيها بما يعيشه الأوروبي والأمريكي، يأمل في أن يقطع رئيس تونس الغد مع ممارسات الأمس ويجعل من قصر قرطاج مخبرا للتنمية وقبلة من لا تنمية له.
٭كاتب تونسي
أحمد بالشيخ