حديث «المصاطب» في شرم الشيخ عن منتديات الخيبة ومحافل العبث

حجم الخط
0

حرت كثيراً في الإجابة على سؤالٍ لم ينِ يلح عليّ: هل يحاكي السيسي السادات عن نيةٍ وقصدٍ؟ أم أن ذلك منحىً لا شعوري؟ السيسي لا يمنحني الكثير من الوقت لأنسى، فهو لا يضيع الوقت، بل يمضي من محفلٍ لآخر متكلماً مصرحاً منظراً مستظرفاً متباسطاً، فلا شك لديّ مطلقاً في أنه يؤمن فعلاً بنفسه ويصدق أن الفلاسفة شهدوا له (وإن لم يسم أياً منهم فهم أتفه من ذلك ودون اهتمامه).
من متابعتي لمجريات الأمور في السنوات الماضية وقراءاتي المتناثرة في السياسة والتاريخ، بت أميل للاقتناع بأنه يصدر عن اللاشعور، تماماً كما صرت أعتقد بأن كثيراً من إشكالياتنا العالقة المزمنة واستعصاءاتنا التاريخية وصراعاتنا المجمدة، تجد تفسيرها في مراجع علم النفس ومنتديات الأطباء النفسيين والمتخصصين، بعد أن حوّر الظلم والقمع التاريخيين نفسية الشعوب الجمعية، وشوهت حين انغرست قيم القهر في الثقافة المتوارثة حتى صبغت العقول وفاضت حتى على الأمثال الشعبية المهزومة المسحوقة ومررتها الأجيال لصغارها.
لقد تفضل الرئيس فأخبرنا سابقاً (في جملة ما أخبرنا به) بأنه حلم بالسادات، وها هو يحاكيه إذ ينتهز كل فرصةٍ لينصبها «مكلمة»، غير أنه لم يكتف بذلك إذ استن ما صار يشبه تقليداً، حيث يلتقي «الشباب» في شرم الشيخ أو أي منتجعٍ آخر ويحكون، فنراه يشركنا في تفاصيل أسرية حميمة، لا أعرف فائدتها بالضبط، ككون بنات عائلته كن يتمنين أن يكون أباهن! ثم هو يحيي المرأة ما يذكرني بالأفراح الشعبية، مؤكداً المنحى «المصاطبي» للمنتدى، الذي لا ينقصه سوى سرادق كبير مع إعادة توزيع للأرائك لتكون خشبية تشبه التي في الأرياف و»الديوانيات».
المشكلة الحقيقية لديّ في تلك «المكلمخانة» ليس مجرد المبدأ، لكنه فقدان الخيال والملل. لقد سئمت من الطبل والزمر والتكرار، سئمت من الكذب والتدليس والنفاق، سئمت من الادعاء بأن العالم يراقب ذلك المؤتمر وينتظر توصياته حين يعلم أي عاقلٍ بأن العالم لا يكترث البتة به، ولا يروننا بعين الاحترام حين رضوا بالأمر الواقع واختاروا التعامل مع السيسي كرجلٍ قوي يحكم جموعاً لا تستحق أفضل من ذلك.
سئمت من نظامٍ إذ يعيد ترميم نفسه لا يجيد حتى تجميل وجهه. سئمت بيع الأكاذيب للناس وتصديق الكذبة.
ألم يقل الرئيس أن مصر ليس لديها تعليمٌ جيد، أو رعاية صحية جيدة، أو حقوق إنسان، أو إسكان أو عمل، ثم يخرجون علينا قائلين بصدد ذلك المنتدى بأن «مصر سترسل توصيات المنتدى، التي تصدر في نهاية أعماله، إلى مختلف الدول للعمل على تنفيذها، خاصة في ما يتعلق بالتنمية «فهم إما مهرجون أو مغيبون أو منعدمو الإدراك أو كل ذلك مجتمعاً.
التنمية: ألم يجدوا غيرها؟ ما الذي فعله نظام السيسي ليتحدث عنها، وما حال تلك العشرات من الملايين الساقطة من حسابه وكل حساب؟ في غيبة التعليم والصحة والحريات السياسية وحقوق الإنسان والحيوان والجماد وفرص العمل: ما الذي لديك لتعطيه للعالم؟ يقيناً أن الكلام رخيص، وفي حالة بلداننا لا ثمن له على الإطلاق.
غير أنني أعود فأعترف بخطأي، إذ أحاول البحث عن معنى وجدوى في وضعٍ وبلدٍ فاقدٍ لأبسط معانيه، فالعبرة كلها لدى هؤلاء في الصورة، والتظاهر بأن ثمة شيئاً ما لدى النظام، وأنه ليس مفلسا فكرياً ونظرياً. محاولةٌ لتلميع الذات هي، وخلق مناخٍ يسبح بالإنجازات، خاصةً أمام جمهور تهطل عليه سيول الأكاذيب من وسائل إعلامٍ يديرها ضباط الأمن والمخبرون.
يكفي في هذا السياق التذكير بمؤتمر الاستثمار الذي احتُفي به كنصرٍ كبير، ولم يتمخض حتى عن فأر وغيره كثير. بيد أن المحزن والمؤسف أن هذه الكذبة تجد مصدقين مغيبين، والأنكى منهم هم أولئك الذين كانوا معارضين حتى الأمس، أو كانوا واعدين على أقل تقدير، فها هم يهرولون لينضموا إلى الجموع حين لوح لهم النظام بدعوة للحضور، مع ما في ذلك من اعترافٍ ضمني بالهزيمة وفقدان الأمل في المستقبل، لعلهم استمتعوا بهذه الإجازة مدفوعة الأجر في منتجعٍ جميل في هذا الوقت من العام.
حين بدأ السادات يعقد جلسات «الفضفضة « تلك، كان قد خاض حرب أكتوبر ومضى أشواطاً مع إسرائيل، وكان اسمه يتردد بالفعل في أنحاء العالم (بغض النظر عن رأينا في ذلك)، أما السيسي فيبدو أنه متحرق لاختزال المسافات، فقد بدأ مبكراً، وهو سعيدٌ بنفسه على حالها، إذ يكفينا تألق وجوده المحض. وإذا سألنا عن الإنجازات فهي أكيدة: إحباط محاولات التغيير والقضاء على فرص الحراك والإسراع في الوصفة النيوليبرالية وإحكام السيطرة الأمنية بخنق أي نفسٍ.
كما قال أمل دنقل «الناس يرقصون في مدينتي لأن غيرهم يصفقون»، وهكذا هو ذلك المنتدى، عرضٌ آخر بلا عائد ولا معنى يندرج في حوليات العبث واللاجدوى.
كاتب مصري

حديث «المصاطب» في شرم الشيخ عن منتديات الخيبة ومحافل العبث

د.يحيى مصطفى كامل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية