«حديث الوجوه المائلة» لهشام ناجح: الشرق في مرآة الغرب

حجم الخط
0

1: سؤال الهوية وتمزق الذات: تتبأر رواية هشام ناجح الأخيرة «حديث الوجوه المائلة»، التي صدرت مؤخراً عن منشورات المتوسط 2017، حول الهوية وأسئلتها الحارقة بحثاً عن الأنوجاد داخل مصطرع جديد من القيم والنزوات.
هنا، في هذا المنجز الروائي تتعالق الوجوه وترمي أقنعتها وأقانيمها، من أجل ولادةٍ جديدةٍ، وإن كانت ولادة عسيرة، إلا أنها تؤسس «للامكان، للغة، لوطن حقيقي، بعيداً عن الحدود والحواجز المفتعلة والمصطنعة»، كما جاء في الإهداء. وبهذا المعنى تصير الكتابة بحثاً «منذ البدء، عن الشاعرية التي ربما كانت تجمع الأشياء والكائنات في عالم يأخذ فيه الكل معنى». إن الروائي تحتله شواغل الكتابة وأسرارها المتأتية من شغفٍ نحو الاكتمال الأعمى، بيد أنه يحرص على كونية الكتابة كموقف من العالم والأشياء والكائنات، إلى درجة الصدام مع الجسد (الأنا الفعلية) وقابليته للأفول والزوال.
بهذا المعنى، من الذوبان في بوتقة سرودٍ تتداعى، وتتماهى مع تمزق الذات وتصدعاتها، في مجتمع غريبٍ، مختلف، وأيضاً في اشتباكها مع الذاكرة، حتى السرد في بعض الأحيان، يمور بما هو نوستالجي مرآوي، على سبيل خلق تواشجات عميقة مع ظلال الأمس. يقول السارد:»لم أستطع مقاومة رغبتي الجارفة في الاطّلاع على ملفّ محمد حسّوني. أدركتُ منذ الوهلة الأولى أن الاسم مغربيّ صرف، لكن، لم يسقط على البال، أن محمّداً من نواحي بلدتي، أهله يتسوّقون السوق الأسبوعي لزاوية سيدي سماعين كل يوم اثنين. ساورني فرح لذيذ ومعاشرة روحية مبهمة، وكوّنتُ صورة حيّة بملامح صارمة؛ شارب مبروم على شاكلة شوارب أهلي، رمز الرجولة والذُّكُورة، إذا اشتدّ الخصام بين اثنين عوض أن يُقسم بالله، يُقسم بشاربه الكثّ مهدّداً بحلقه، ويصبح معرّة للرجال في هذا البلد». لقد راهن هشام ناجح على دال الكتابة وشواغلها من أجل تأثيت العملية السردية، وفي ذلك انفتاح وحرية في إبداء وجهات النظر مهما بدت قاسية ومريرة، مقابل سردٍ طافح بالمرارة. هكذا تتقصد الكتابة الروائية عند هشام ناجح، وتتأصل من خلال تداعي الذاكرة وكوجيطو الأنا الحاضرة باعتبارها موجها للحكي، بل هي المتحكمة في مسار الرواية برمتها، وعلى هذا الأساس، لا يمكن قراءة هذه الرواية بمعزل عن جدلية الشرق والغرب، وإن كانت هذه الثيمة مسكوكة ومكرروة، وسبق التطرق إليها في الكثير من الأعمال الإبداعية، إلا أن هذا العمل تحديداً ذكرنا براوية «موسم الهجرة إلى الشمال»، خاصة على مستوى الاشتغال على العلائق المتشابكة مع المرأة، وكأن بهشام ناجح يقول على لسان مصطفى سعيد البطل المحوري في رواية الطيب صالح: «جئتكم غازياً»، وهو فعل متحقق بقوة داخل رواية «حديث الوجوه المائلة» من خلال علاقات السارد مع الجنس اللطيف: مونيكا (الطبيبة النفسية)، طاطا مارثين (عجوز نهر لادور)، كاترين (المرأة البدينة) وهذه العلاقات التي تتعيَّن بوصفها «غزواً» من منظور شرقي هي أوفى رد على الفكر الأمبريالي الغربي. إننا أمام تمظهرات سردية تحاول اكتناه وسبر العلاقات الإنسانية بما تنطوي عليه من حركيةٍ في أفق بناء عمل سردي يتجاوز التجارب السردية السابقة، من خلال توظيف عنصر السخرية حين يتعلق الأمر بما هو هامشي ومتحقق تداعياً داخل فعل السرد.

2: مآزق الأيديولوجيا

صحيح، أن أسئلة الهوية وتمزق الذات، هي الإشكالية الأساس التي يحاول السارد أن يخوض فيها بالكثير من الجرأة، هو الوجه الأكثر إلماعاً وتجذراً داخل هذه الرواية، إلا أن شخصية الطبيب البيروفي فركاس طاباروس المناضل الثوري السابق، والحالم بعالم تسود فيه العدالة الاجتماعية والمساواة، هو وجه آخر للعملية السردية، يحاول السارد التوسع فيها من خلال استحضار شخصية المغربي المهدي بن بركة، الذي تم اغتياله في باريس، أو عبر شخصيات أخرى كمؤسس حركة الثوار «مير» لويس دي لابوينتي أوثيدا، وهي كلها إشارات تنحو في اتجاه تكريس مبادئ الحرية والعدالة التي آمن بها ثوار أمريكا اللاتينية. يقول السارد: «اسمعوا، أيّها الأطفال، الذين يعيشون الحُرّيّة بدون أن يكلفوا أنفسهم مشقّة وضعها على أرض ثابتة، من هذا المكان بالضبط، كانت تُناقش قضايا وحاجات الدول إلى العدالة الاجتماعية. لا أخفيكم سرّاً أنني كنتُ سعيد الحظّ حين أجالس كبار الثوّار في هذا الركن. سنوات الشباب الأولى لا تُضاهى. الإحساس المتوقّد كالأنبياء. نمعن النظر ملياً في الطروحات الجديدة، وننكبّ على دراسة المواقف بجدّيّة منقطعة النظير يلتفت إلينا فركاس بعد أن أشار بعينيه كحرباء: هنا كان يجلس المؤسّس الحقيقي لحركة «مير» الرفيق لويس دي لابوينتي أوثيدا، أتأمّله الآن واقفاً بحسّ، يغلب عليه طابع المرافعات، كان الشوكة العالقة في غصّة الجنرال أودريّا. عرف السجون والمنافي، لكن خبرته بخفايا الحياة وأسرارها زادتْه صلابة، إنه ابن مدينة تروخييو الباسل». لكن، في النهاية يأخذ الحلم طابعاً جنائزياً، ويتم سحق هذا «التاريخ الحقيقي» بتعبير فرغاس ومحقه بسرعة. إن السارد هنا، يفتح منفذاً للوقوف عند المآزق التي خلفتها الثورات من أجل تغيير الأوضاع، لكنها في الأخير، تفشل وتخفق إلى درجة الانتكاس، وهو ما يبدو جلياً من حالة اليأس التي أصابت فرغاس. إن بنية الرواية وهي تخوض في سرودها، تخط لنفسها بناءً مركباً، ومختلفاً عن مجموعة من الأعمال السردية، وهو الوقت نفسه، لا يمكننا اعتباره «أدب منفى» لكون هشام ناجح يعيش متنقلا بين المغرب وفرنسا، وإنما نَتَقَصَّدُ من خلال هذا الانفتاح على الذاكرة تخصيب العملية السردية، وإن كانت تقيم خارج الذاكرة، لكن ضمنيا هي حاضرة، إذ أن التجربة الإبداعية برمتها تنطلق من ما هو راهن، وأيضا من ما هو ملتصق بالماضي.
تبقى تجربة هشام ناجح، تجربة سردية مهمة، خاصة أنها كُتبت بضمير المتكلم للدلالة على الحميمية التي تميز العملية السردية في علاقاتها المتعددة والمتشابكة مع الأحداث، على الرغم من أن الروائي أثقل الرواية بالمشاهد الحميمية، وتلك الأوصاف التي تنطبع في ذاكرة المتلقي، وربما، أن «لعبة المرايا» التي تتعين بوصفها موجهة ومحددة للبناء السردي بشكل عام، وتجعل من هذه الصور الآسرة، الأثيرية ملاذاً آمناً يحتوي كل هذه الانزلاقات. ومهما يكن، فإن هذه الرواية عكس رواية «دوار الكية» استطاعت أن تقدم نفسها على أنها رواية تزاوج بين المعرفة والجمالية، وتؤشر على نضج سردي متحقق، وسيتحقق في ما يأتي من أعمال سردية أخرى.

٭ كاتب مغربي

«حديث الوجوه المائلة» لهشام ناجح: الشرق في مرآة الغرب

رشيد الخديري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية