«حذاء فيلليني»… رواية تُحرِّرُ الوطنيةَ من عُنْف الوطنيِّين

واهمٌ مَن يظنّ أنّ الروائي وحيد الطويلة يكتب للقارئ، وواهم مَن يزعم – مثلما زَعَمْتُ- أنه سيقرأ رواية «حذاء فيلليني» (دار المتوسّط 2016) ثم يُغلقها ويعود إلى شؤون وقته كما كان يفعل مع أغلبِ الكُتب، فهذا الروائي أكّد منذ روايته «باب الليل» أنه لا يكتب للقارئ وإنما هو يكتب بالقارئ؛ بإحساسِه ومواقفِه وقلقِه ومواجعِه وهمسِ مراغبه، بل هو يكتب قارئَه؛ يُنشئُ له حضورًا في الرواية وعلائقَ بشخوصها ويُحمّله مسؤولية فعله فيها، فإذا هو يتحرّك في متنها حركةً تُكسبه وعيًا بذاتِه مضاعَفًا: وعي القارئ المستقلِّ عن الرواية ووعي الشخصية الفاعلة فيها، وهي لعمري حالةٌ من الوعي نادرةٌ لا نعيشها إلا في الحلمِ. ومن ثمَّ لا يخرج القارئ من الرواية، وإنما يظلّ عالقا بها، أو قُلْ تظلّ هي عالقة به فلا تبرح ذهنه إلا لتعود إليه حافرةً فيه مجرى أسئلتها.
رواية «حذاء فيلليني» وليمة معنى، إنها تعبيرة إبداعية عن روح عصرنا العربي الراهن بكلّ تقرّحاته الحضارية، وبكلّ ما يَعْتَوِر الجسدَ الوطنيَّ فيه من كدمات نفسية واجتماعية وسياسية وثقافية أربكت مسيرتَه وأَوْهَنَت فيه جُهْدَ التغيير والانتفاض على البالي من قِيَمِ المعيش. ويكون من الحَيْف القرائيِّ أن يُنظرَ إلى عناصرها (شخصياتها وأمكنتها وأزمنتها وأحداثها ولغتها) نَظْرة تعزل الواحد منها عن غيره، فهذا ما قد يُلهي قارئَها عن بلوغ أدبيتها ويُشتِّتُ لديه وحدةَ معناها. ذلك أنّ من خصوصية هذه الرواية التقديرُ في السَّرد، إذْ أجاد كاتبُها اختيارَ المقادير الفنية والمضمونية التي صنع منها كيانها، وحرّكها ضمن إيقاعٍ مِطْواعٍ تجلّى خلاله كلّ عنصر من عناصرها ملائمًا لغيره ملتحمًا به التحامَ الوحدة كأنما هو مخلوق له أو هو لا يوجد إلا به، بل قُل إنه التحامٌ سرديٌّ صافٍ ليس فيه نشازٌ أو هذرٌ أو تحجُّرٌ أو تهويمٌ، وإنما هو خِفّةٌ ونماءٌ وهمسٌ حميمٌ.
ولو حاولت تلخيصَ رواية «حذاء فيلليني» قلتُ إنها حكاية مجموعة من الشخوص أجْلاهم حضورا فيها (مُطيع وأبوه وجارتهما والجلاد وزوجته والمخرج السينمائي فيدريكو فيلليني)، وقد نهض السرد فيها على دعامة أزمة مطيع المعالِجِ النفسيِّ الذي زُجّ به في قبوٍ سجنٍ تابع لمخابرات إحدى الدول العربية (ثَمَّ إشارات في الرواية تُحيل على كونها سوريا)، إذ تعرّض لشتّى أنواع التعذيب الجسدي والمعنويّ من أجل الاعتراف بتهمة يجهلها، وحال عودته إلى عيادته زارته امرأة وعرضت عليه النظر في أمر زوجها الممدَّدِ أمامه والفاقدِ لكلّ قدرة على تحريك رأسه لتأزّم حالته إثرِ إحالته على المعاش، بل هي تُحرّضه على الانتقام لها منه لأنه أهانها جسديا طيلة سنواتِ عمله، حيث كان كلما أخفق في استجواب سجين عوّض إخفاقَه باغتصابها من الخلف، ثم إن مُطيعا يكتشف أن المريض ليس إلا ذاك الجلاّد الذي أشرف على تعذيبه في السجن. وهي وضعية أثارت فيه جدلا داخليا صار بمقتضاه موزعا على أمرين: إمّا أن يؤدّي وظيفته الإنسانية ويعالج المريض، وإمّا أن ينتقم منه. خلال ذلك نسمع صوت الجلاد وهو يبرّر «وطنيته»، ونسمع صوت الزوجة وهي تروي سيرة عذابها، ونسمع صوت فيلليني الذي يحضر في الرواية ليكون العين الثالثة التي تراقب حركةَ أبطالها وتُعدِّل مساراتِ حكاياتهم وحكايتها ومنظومة قِيَمها.
ولئن ذهب بعض قرّاء هذه الرواية إلى تصنيفها ضمن أدب السجون، وهو تصنيف وجيهٌ في حدود اكتفائه بظاهر النصِّ، فإني أجدها روايةً تُؤسِّسُ بِدَأْبٍ أدبَ الحرية، بل هي كناية لطيفة عن مطلب الحرية، ولعلّ هذا ما جعلها واقعًا مكتوبا مضادًّا لواقعنا المعيش: واقعًا أدبيا انشغل بواقع الناس واشتغل عليه، وارتبك به وأربَك تكوينَه، فإذا هي بالتوصيفِ واقعٌ أكبر من واقعنا، تكتبه لتنتصر عليه وتُطهّره من مفاسده، بل إنّ فيها ما ليس في الواقع ويحتاج إليه؛ فيها نظامٌ من القِيَمِ السياسية والثقافية والاجتماعية التي سحقتها حياتنا الجديدةُ وجَرَّدَتْنا منها أو جَرَّتْنا إلى تناسيها، ومن ثمَّ كانت الحريّة في الرواية، باعتبارها أرقى مراقي القيم الإنسانية، مُنْتهى جميع أحوال عناصرها؛ فقد تحرّر مطيع من رغبة الانتقام من جلاّده، وتحرّرت زوجة الجلاّد من سنواتِ اضطهاده لها، كما تحرّر فيلليني من ثبات أيقونته السينمائية، وتحررّ مفهومُ الوطنية من عنف الوطنيين، بل وتحرّر الجلاّد من منطِقِ جبروته، وتحرّر السرد من الخَطابية الجافّة الجاثمة على جسد الرواية العربية ومال إلى الاستعارة سبيلا إلى تهذيب الحكي وتخفيف ما فيه من مظالم وانتهاكات.
ولا أعدم في الرواية وجود ثنائيات صارخة اخترق صداها وعيَ الشخوص بمصائرهم وفكّك ثقافةَ اطمئنانِهم إلى الواقع، ومن تلك الثنائيات أذكر السلطة والمواطن، والاستبداد والحرية، والهو والأنا، والشر والخير، والصمت والكتابة، والجسد والفكر. وهي ثنائيات تدفع بي إلى القول إنّ شخوص الرواية إنما هم بالتأويل شخصٌ واحدٌ هو أُنْموذَجٌ أدبيٌّ يمكن أن ينطبق على حالِ أيّ مواطنٍ عربيٍّ، وما بقية الشخوص بالنسبة إليه إلاّ كِناياتٌ عنه وصُوَرٌ لوُجوده مُتَعدِّدةٌ. فليس مطيعٌ – حينئذٍ- إلا نحن القرّاءَ في هيئاتِنا المختلفةِ المؤتلفةِ معًا: فقد يدلُّ قَبْوُ السّجن على ضيق الوطن وعُنفِ قداستِه، وقد يُحمَلُ الجلاّدُ على كونه نزعةَ الشرّ التي تسكن فينا وتُعذّبنا لنُعذِّبَ بها غيرنا، وقد تكون زوجة الجلاّد صورةً لمكبوتنا العاطفيّ الذي يرغب في الإشباع وتَصُدُّه عن ذلك نواميسُ ثقافتنا الاجتماعية، وربما مثّلت الجارةُ صورة للخير والإيثار على النفس، وقد تُحيلُ شخصية فيلليني على وعي وحيد الطويلة الفنيّ بالواقع، ويمكن أيضا أن تُحمَلَ الرواية ذاتها على كونها ميدانًا مُتخيَّلاً من ميادين التحرير العربية تتقاطع فيه أقدارُ الناس وتتعاضد لإسقاط عروش ظالميها.

٭ كاتب تونسي

«حذاء فيلليني»… رواية تُحرِّرُ الوطنيةَ من عُنْف الوطنيِّين

عبدالدائم السلامي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية