حراس القلوب وعسس الليل

حجم الخط
1

«ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له « إنه لأمر يستحق التفكير لماذا تخير الله سبحانه و تعالى الثلث الاخير من الليل ليتنزل على عباده بأكرم صفات الإجابة والغفران و القبول! أليس الزمن بيده سبحانه و هو الذي يبارك في الأوقات و يجعل لها خصوصيتها؟
و لكن الله سبحانه و تعالى عالم بقلوب خلقه التي يعتريها الضعف في غفلة عن عيون الناس بينما قد تتظاهر بالقوة و الصمود و الاستمرارية في معاش النهار، عالم أن الليل يغري بالضعف و الإنكسار و يفتح كل أشكال المواجع و يذكر بكل الجروح و تنزل فيه النفس من علياء كبريائها إلى الارتماء على أعتاب المولى عله يواسي قلوبا لم تجد غيره موئلا بعد ان ضاقت الدنيا و ضاقت قلوب الناس، لحظة الانكسار تلك و شد الحاجة هناك لا يعالجها الا الله، حتى لغة الخطاب لا يفهمها الا من يتشاركون في الهم فالاقبال على الله في الضعف ليس كإقبال القوة و إقبال المضطر غير إقبال اصحاب السعة و الله يحب و يرضى من كليهما الا أن عياله من المفتقرين إلى رحمته و الراغبين به و الساعين له و المستمسكين به اقرب تحقيقا و نوالا.
لقد أدرك الخيرة من الصحابة هذا الخلق الرباني و تلك الصفة الرحمانية و أن للقلوب حقوقا في الليل لا تُقضى في النهار و أوقات اختصاص لا يصلح القيام بها في زمن مفتوح، فهناك عاجز ينتظر عونا و الناس غافلون في مناماتهم، و هناك يتيم ينتظر كفالة ،و أرملة تنتظر جبرا، و مظلوم ينتظر نصرا، و وحيد ينتظر أنسا و فاقد ينتظر مواساة.
لقد أدرك صاحب القلب الوقور أبو بكر هذا الحساسية و الخصوصية للقلوب المحتاجة المرهقة التي تتضاعف همومها ليلا فكان لا يأتي الفجر الا و قد زار و آنس و ساعد و عاد المرضى و قدم فلما سمع عمر بأعاجيبه في جبر قلوب الناس و اصحاب الحاجات أعلن في حياته أنه لا يستطيع منافسته إلى شيء أبدا.
ولكن بعد أن أخلى الصديق موقع السبق جاء عمر ليطلق سنة العسس ليلا لا ليتجسس على احوال رعيته بعين الرقيب المسؤول الذي ينتظر اخطاءهم بل بعين المشفق الذي يتحسس حاجاتهم ليقضيها و يكون وسيلة الله إلى عباده لجبر قلوبهم.
أليس في الليل رأى ذلك الرجل المفزوع المرتبك بولادة زوجته و هو لا يحسن لها عونا فجاء بزوجته لتعين المرأة و جلس هو يخفف عن الرجل خوفه و همه حتى أطل الفجر و أطل الفرج و أطل الصبي؟، أليس هو الذي أحس بكسرة الأرامل فقال»لئن سلمني الله لأدعن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي ابدا»؟، أليس هو الذي طبخ للأيتام و حمل لهم على ظهره؟! أليس هو الذي أحس و رق لحرمان تلك الزوجة الصبية من زوجها و هو في الجهاد و هي تنشده ليلا فشرع قانونا للدولة أن لا غياب لرجل عن بيته اكثر من ستة أشهر و لو في جهاد؟
هناك لليل حكايات لم تروها قصص العاشقين و لا اذهان المستريحين تحكي لله فقدا و حسرة و لوعة و ظلامة و حاجة فيا لسعد من أسبل الله عليه من صفته الجبار و جعله جسرا لوصول إحسان الله و لطفه لعباده.
عسّوا ايها الغافلون و المتنعمون بالاستقرار ليلا ففي طرقات الدنيا قلوب ارهقها العنت و أثقلتها وحشة الليل الا من بوابة السماء و أنس بالله و طرق مستديم لبابه، ان للقلوب حقوقا بالليل لا يقبلها الله بالنهار و حقوقا بالنهار لا يصلح قضاؤها بالليل.
المشردون كثر فاجعل قلبك مأوى لهم.

د.ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية