حراك الضفة نصرة لغزة تأخر… لكنه أثمر القيادة الفلسطينية تنتصر للمقاومة ولو بعد حين

حجم الخط
4

رام الله- «القدس العربي»: لم تكن الضفة الغربية في الأيام الأولى للعدوان على غزة، كما هي عليه الآن، ففي بداية العدوان، كان تفاعل جماهير الضفة الغربية وشوارعها، خجولا إلى حد بعيد، لتعلو الأصوات وتبدأ بالسؤال عن سبب ذلك، وهل كانت الضفة الغربية تقع في دولة أخرى، حتى دب الحراك فيها من جديد، وعادت لنصرة أهلها في القطاع واتسعت الحركة رويداً رويداً بعد خطاب الرئيس عباس، وبيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. 
أسباب ضعف الحراك في الضفة الغربية كانت كثيرة، فما قامت به المقاومة في قطاع غزة كان مفاجئا للجميع، وهو الذي أجبر الكثيرين على الجلوس بل والتسمر أمام شاشات التلفزيون في انتظار المزيد من المفاجآت والأخبار، ومنها شهر رمضان المبارك والصيام، والدوام لساعات قليلة خاصة في الدوائر الحكومية، ومنها كذلك منع الأمن الفلسطيني المواطنين من الوصول إلى نقاط التماس، منعاً لسقوط شهداء من الأطفال تحديداً، وفي محاولة للسيطرة أمنياً على الضفة الغربية.
لكن الضفة لم تكن هادئة أصلاً، فالحراك الذي سبق العدوان على غزة، والذي انفجر كالبركان في وجه إسرائيل بعد جريمة إحراق وقتل الشهيد الفتى محمد أبو خضير، شاهد على ذلك، لكن الحراك الذي كان يُنتظر لنصرة الأهل في غزة، كان مختلفاً إلى حد بعيد، خاصة مع ارتفاع منسوب شلال الدم النازف في غزة. 
هذا الحراك الخجول، تغير متزامنا مع الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والبيان الذي أصدرته اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الأمر الذي ناقشت «القدس العربي» أسبابه مع مجموعة من المحللين والنشطاء الفلسطينيين في الضفة الغربية، والمتابعين للشأن الميداني.
مأمون مطر، أستاذ الإعلام في جامعة القدس، قال أن الجمهور الفلسطيني، وبعد تجربتين سابقتبن، انتهيتا بتهدئة، ثم العودة إلى المربع الأول، مع نتائج سياسية ذات أبعاد إقليمية، أصبح متشككاً في كل ما جرى، بدءا من المصالحة وصولاً إلى المقاومة بنسبة لا بأس بها.
مطر يعتقد أنه ربما كان يحتاج بعض المتشككين أكثر، إلى توافق الجميع ليصلوا إلى قناعة أن المصلحة الوطنية العليا هي الثمن لما يمكن أن يضحوا به، في مواجهة قد تكون مفتوحة، وأن هناك لغة مشتركة يتحدث بها جميع الفاعلين على الساحة الفلسطينية.
أما الكاتب الصحافي داود كتاب، فقال أنه و»للأسف، الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، يمشي على «ريموت» المقاطعة، أي مقر الرئيس محمود عبــاس، وهو أي الشعب، لا يمتلك أفكاراً أو نشاطات مستقلة فعلاً، فالذي يحرك الشارع في الضفة الغربية هي الفصائل الفلسطينية، أضف إلى ذلك المنع الأمني للحراك من قبل السلطة الفلسطينية، فلم يجرؤ أحد على المزيد من الحراك».
ويعتقد المحلل السياسي مأمون شحادة «أن خطاب وزير الخارجية الامريكي جون كيري، جاء مترافقاً مع خطاب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، المساندين لإسرائيل في حربها على قطاع غزة، ما عجل من حراك الضفة، خصوصاً التصريحات التي تهاجم أداء حكومة التوافق لتقصيرها في مكافحة ما تسميه إسرائيل بالإرهاب على حد وصفها». 
هذه الامور أعتبرت من قبل القيادة الفلسطينية رسالة غير مفهومة ولا واضحة المعالم تجاه شعب يتعرض لهجمة شرسة من قبل قوات الاحتلال، والتي تعطي تفويضاً دولياً للهجوم على غزة، الأمر الذي أعتبره الفلسطينيون استهتارا بكل الجهد الفلسطيني الداعي للسلام عبر 20 عاماً مضت.
إضافة الى ذلك، يقول شحادة «لم تجد القيادة الفلسطينية جدية من قبل الأطراف الداعية الى وقف إطلاق النار وخصوصا الأطراف العربية المتناقضة البعيدة عن المشهد الفلسطيني» وهذا الحراك يعتبر رسالة فلسطينية للمنظومة الدولية، ان الرعاية الدولية لعملية السلام خلال الاعوام الماضية كانت مجرد شعارات لا أكثر، وان تلك الرعاية تبحث عن الأمن الاسرائيلي على حساب الحلم الفلسطيني. 
ويرى شحادة أن المستقبل القريب ستتغير معالمه السياسية، من خلال استراتيجية جديدة لانعاش عملية السلام بأساليب أكثر جدية، وهناك تلويح في الأفق لقدوم خطة اقتصادية دولية ربما ستصل المنطقة مستقبلاً على غرار خطة مارشال، تماشياً مع خطة توني بلير الاقتصادية، التي تتخذ شعار الإنعاش الاقتصادي قبل السياسي، وكذلك يجب الإنتباه الى ان قوات دولية ربما ستأتي مستقبلاً الى المناطق الفلسطينية الحساسة كحدود قطاع غزة ومعابرها، كخطوة أممية لإنعاش عملية السلام.
الناشط الشبابي فارس عاروري، كان أكثر صراحة، وقال «في البداية، يجب التوقف عند مسيرة الـ 48 ألف، التي انطلقت ليلة القدر في اتجاه القدس من رام الله، كونها ليست في الحقيقة لنصرة غزة، إنما هي حراك من قبل بعض أعضاء حركة فتح، في محاولة لاستعادة بعض التأييد الذي فُقد من الشارع، فالمسيرة أعلن عنها قبل أسبوع كامل، وكان من الممكن أن تحدث الهدنة وتهدأ النيران قبل موعدها اـ وبالتالي هذه المسيرة ليست من أجل دعم غزة».
عاروري يرى أن «المجتمع الفلسطيني بشكل عام، يفتقد لأدوات التنظيم الجماهيري، من نقابات وأحزاب وأذرع جماهيرية، وبالتالي حتى اللحظة كانت معظم فعاليات التضامن مع غزه عفوية وغير منظمة، أما بعد خطاب الرئيس عباس، فعلى ما يبدو أن قيادة فتح استوعبت – بشكل متأخر جدا- أنها خسرت الشارع الفلسطيني بشكل شبه مطلق، وبالتالي فها هي تحاول إستعادته، ولا أستطيع أن أجزم بنجاحها أو فشلها في هذا الوقت، فعلى الرغم من صعوبة الوضع، إلا أن فتح معتادة نسبياً على مثل هذه الأزمات».
وأنتشرت في الضفة الغربية مبادرات كثيرة لجمع تبرعات مادية للأهل في القطاع، وإيصالها فوراً أياً كانت مبالغها، عن طريق البنوك والصراف الآلي لحسابات معينة، حتى يستطيع الأهل في قطاع غزة استلامها فورا، علها تسد ولو القليل من إحتياجاتهم وإحتياجات الأطفال على أقل تقدير، كونهم الفئة الأكثر تضرراً وحاجة في الوقت ذاته بسبب العدوان المـــتواصل على قطـــاع غزة.
لكن المراقبين يرون أنه وعلى الرغم من هذا الحراك الخجول، أو المتصاعد رويداً رويداً، إلا أن وجع قطاع غزة وأهلها، إنما يصيب كافة أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية في حقيقة الأمر، وحتى وإن لم يخرجوا إلى الشوارع أياً كانت الأسباب، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال، أنهم بعيدون عما يجري هناك.

 
 

فادي أبو سعدى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية