لندن ـ «القدس العربي»: بدأت بريطانيا تدخل تدريجياً في الجزء المظلم والخطير لبريكست حيث أصبح الجميع يتخوف من هذا الكابوس الذي أدى إلى انقسام حاد بين الشعب والنخب في المملكة المتحدة وصراعات سياسية حتى داخل حزب المحافظين الحاكم. وزاد الطين بلّة عدم توصل لندن وبروكسل إلى توافق مرضي للطرفين وانسداد الطريق في المفاوضات الجارية، ما أدى إلى إعلان البنك المركزي البريطاني زيادة نسبة الفائدة في البلاد وتصاعد نشاط جناح الصقور في حزب المحافظين بزعامة بوريس جونسون (وزير الخارجية السابق) للإطاحة برئيسة الوزراء، تيريزا ماي، بعد الفترة الصيفية وخلال نهاية شهر أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر المقبل.
وفي هذه الأثناء تحاول بكين استغلال ظروف لندن الصعبة بسبب «كابوس بريكست» للحصول على حلفاء جدد لمواجهة واشنطن، من خلال دخولها على خط الأزمة باقتراحها عقد اتفاق للتجارة الحرة مع بريطانيا خلال فترة ما بعد انسحاب الأخيرة من الاتحاد الأوروبي. وتمر الصين بأزمة حادة في علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة بسبب الحرب التجارية التي شنّها دونالد ترامب على الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة. وجاء المقترح الصيني بعد إعلان ترامب رغبته الكبيرة في عقد صفقة تجارية مع بريطانيا. ولم توقف الإدارة الأمريكية منذ أكثر من عام، محاولاتها المتواصلة لتحقيق «بريكست حاد» من خلال عرض اقتراح طموح لعقد اتفاقية تجارية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تصل قيمتها إلى تريليون و200 مليار دولار، وكان ترامب قد اشترط أكثر من مرة فك بريطانيا ارتباطها مع أوروبا بشكل كامل لعقد هذه الصفقة التي من شأنها أن تحدث تحولاً كبيراً في الاقتصاد البريطاني. وهناك من يشكك في نوايا الصين، لأنها تريد استغلال الأزمة التي تمر بها بريطانيا، لتخفيف الضغوط الأمريكية. وفي ظل استمرار الحرب التجارية الأمريكية التي يتوقع الخبراء أن تتسبب في مزيد من الأضرار للاقتصاد الصيني، قام وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت، بأول زياراته الخارجية إلى بكين، ما يظهر مدى الأهمية التي توليها لندن لعلاقاتها مع التنين الصيني لتخفيف التداعيات السلبية الكبيرة التي خلّفتها وستخلّفها أزمة بريكست، فضلاً عن الخلافات الحادة بين النخبة الحاكمة في بريطانيا حول كيفية التعامل مع عرض الولايات المتحدة الطموح الذي يقول المعارضون إنه سيحول بريطانيا إلى دولة تابعة لسياسة الولايات المتحدة.
وعرضت بكين على لندن تدشين مفاوضات ثنائية بهدف التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة بعد خروج الأخيرة من التكتل الأوروبي. وفي المقابل أكدت بريطانيا أنها منفتحة أمام الشركات الصينية، وترغب في توقيع اتفاقية للتجارة الحرة معها. وخلال المؤتمر الصحافي المشترك بعد الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية الصيني وانغ يي هو، بنظيره البريطاني، قال جيرمي هانت إن الحكومة الصينية مستعدة لبدء محادثات حول صفقة تجارية مع بلاده، مضيفاً أن وزير الخارجية الصيني قد عرض فتح باب النقاش حول اتفاق التجارة الحرة المحتمل بين البلدين بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأنهم يرحبون بهذا الأمر، وأنهم يرغبون في استكشاف تفاصيل ذلك. وأكد وانغ يي هو، إن الدولتين اتفقتا على تعزيز التجارة والاستثمار، وعلى العمل معاً فيما يخص استراتيجيات التطوير في البلدين بشكل استباقي وتوسيع نطاق التجارة والاستثمار المتبادل، قائلاً إنه ينبغي على البلدين كذلك معارضة الحماية التجارية ودعم التجارة العالمية الحرة وحمايتها، وكرر تأكيده على أن الصين لا تود خوض حرب تجارية مع الولايات المتحدة، وشدد على أن بلاده تتطلع لإجراء حوار مع واشنطن لعقد صفقة تجارية تنهي هذه الحرب.
وفي إطار الطبخة التي تعد بين البلدين، قالت السفيرة البريطانية في الصين، باربرا وودوارد، إن بلادها الداعمة بقوة للتعددية، تسعى للعمل مع الصين لحماية حرية التجارة، وإنه في ظل التوترات الحالية في التجارة العالمية، ترغب بريطانيا في العمل مع الصين للتأكد من أن تصبح منظمة التجارة العالمية جزءاً فعالاً بآلية حل النزاعات، معربةً عن سعادتها لعمل الصين والاتحاد الأوروبي معاً لإصلاح منظمة التجارة العالمية لتحسين عملها. وأضافت أن علاقات بلادها مع الصين في مجال التجارة والاستثمار ما زالت وثيقة، مرحبةً بتعزيز إجراءات الانفتاح الصينية وتحقيق التقدم في مشروع ربط بورصتي لندن وشنغهاي. وأكدت وسائل إعلام صينية أن بريطانيا سترسل وفداً رفيع المستوى للمشاركة في فعاليات معرض الصين الدولي للواردات الذي سيعقد في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وعودةً إلى كابوس بريكست، كتبت صحيفة «الإندبندنت» أن «بريكست أصبح كعب أخيل بالنسبة للشركات البريطانية، وأنها قلقة من الأزمة التي قد يخلفها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وأنها بدأت تخزين البضائع وما تحتاجه». وتتوقع غالبية الشركات البريطانية أن تنخفض أرباحها خلال العام المقبل بنسب كبيرة. وأجرت شركة «أم أتش آر» للبحث التحليلي دراسة حول 200 شركة في مختلف أنحاء بريطانيا، وأظهرت النتائج أن 93 في المئة من أصحاب الأعمال يتوقعون أن تنخفض أرباحهم، وأن 57 في المئة منهم يرون في بريكست سبباً لذلك. وقلّص انخفاض عدد الزبائن أرباح هذه الشركة بنسبة 22 في المئة بسبب قانون حماية البيانات العامة للاتحاد الأوروبي. وعن كيفية تفادي انخفاض الأرباح، قال 59 في المئة من أصحاب الأعمال إنهم سيزيدون استثماراتهم في قطاع تقنية المعلومات، وأن 49 في المئة منهم سيصرفون أموالاً أكثر على التسويق. وأوضح نيك فلتون، أحد مسؤولي شركة «أم أتش آر» أن من الواضح أن أصحاب الأعمال البريطانيين يستعدون لمواجهة الأوضاع غير المستقرة المرتقبة خلال العام المقبل، من خلال التركيز على قطاع تقنية المعلومات والتسويق.
وفي خطوة متوقعة بسبب تصاعد القلق إزاء تداعيات بريكست، قرر اجتماع لجنة السياسات النقدية في البنك المركزي البريطاني رفع نسبة الفائدة 25 نقطة مئوية لتصل إلى 0.75 في المئة، ووافق على عدم تغيير سياسة شراء السندات (قيمتها الحالية 435 بليون جنيه سترليني). جاء ذلك بإجماع الأعضاء، بينما كان من المتوقع أن يعارضه عضوان. وكان رد فعل السوق المباشر ارتفاع الطلب على الاسترليني. وتعتبر نسبة الفائدة الجديدة الأعلى منذ آذار/مارس 2009 وأنه للمرة الثانية يتم زيادة نسبة الفائدة منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2016 بعد الإعلان عن بريكست. وقال البنك المركزي البريطاني إنه اتخذ تلك الخطوة لأنه حصل تباطؤ في نمو اقتصاد البلاد، وأن سرعة زيادة نسبة التضخم أصبحت أكثر من سرعة نمو الاقتصاد. وحددت بريطانيا ألا تتجاوز نسبة التضخم سنوياً أكثر من 2 في المئة، لكن مؤشرات الأسواق تظهر أن النسبة وصلت إلى 2.4 في المئة، وأن أداء اقتصاد بريطانيا تحسن مقارنة مع مطلع العام، لكن سوق العمل لا يزال يعاني من ركود.
محمد المذحجي