اندلعت «حرب كلامية» بين نواب واحزاب وكتل مؤيدة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في البرلمان الجديد قبل ان ينعقد، وهو ما قد يصعب على المراقبين من الخارج ان يفهموا اسبابها بالنظر الى انه لا توجد خلافات سياسية او منهجية واضحة ، وهو ما يؤدي غالبا الى هكذا تناحر برلماني.
ووصلت «الحرب» ذروتها خلال اليومين الماضيين عندما اصدر حزب «المصريين الاحرار» صاحب الأكثرية، وليس الأغلبية، في البرلمان بيانا قويا اتهم فيه «ائتلاف دعم الدولة المصرية» الذي افرزته «قائمة في حب مصر» بعد اكتساحها انتخابات القائمة، بالسعي الى «مصادرة الحياة السياسية»، بعد ان رفض الانضمام اليها.
وأكد الحزب فى بيان، على رفض ممارسة السياسة وفق ما وصفه بـ «منهج انتهازي يقوم على توزيع مكاسب ومناصب لتحقيق تَوافق أو أغلبية». واضاف :»وفق هذه الرؤية نؤكد رفضنا القاطع، أن نكون جزءا من تحالف يحاول مصادرة الحياة السياسية، وهو السلوك الذى يمارسه عدد من النواب تحت شعار «دعم الدولة المصرية». واكد «أننا نعتبر أنفسنا من مكونات الدولة المصرية، كما أننا نؤكد مساندتنا لمشروع الرئيس عبد الفتاح السيسي».
وسارع منسق الائتلاف اللواء سامح سيف اليزل بالرد مشددا على أنهم «لم يفرضوا شيئا» على أحد، وأنهم بتشكيل ائتلاف الكتلة المصرية، «لا يصادرون الحياة السياسية على أحد».
وبالطبع لم يكن حزب «المصريين الاحرار» الوحيد الذي اعلن الاستياء من تشكيل هذا الائتلاف، الذي يسميه البعض بـ «ائتلاف السيسي»، بل ان نوابا من اشد مؤيدي الرئيس بلغ بهم الامر التهديد بالانقلاب عليه احتجاجا على ذلك الكيان الذي يبدو انه يتجه الى وراثة دور «الحزب الوطني» الحاكم في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.
ولكن تختلف الاسباب بينهم، فمنهم من يريد فعلا عودة «الحزب الوطني» ولكن لم يسمح له بالانضمام الى الائتلاف، تفاديا لاستفزاز مزيد من الاتهامات والشبهات. ومنهم ما يرفض الائتلاف لأنه سيبعث عمليا «سيناريو برلمان مبارك»، الذي كان يستطيع ان يمرر من يشاء من قوانين او تعديلات دستورية (كما حدث في العام 2007) في غضون ساعات قليلة، خاصة بعد ان حاز الأغلبية المطلقة بانضمام نحو اربعمئة نائب الى صفوفه.
اما لماذا هذه الاستماتة على خطف ورقة «تمثيل الدولة أو دعمها» في البرلمان، فان الاجابة قد تكون اكثر تعقيدا مما يظن البعض، ويمكن التوقف هنا عند بعض ملامحها:
أولا: رغم ان الهرولة نحو حزب الأغلبية «تقليد برلماني راسخ» بدأ قبل نحو أربعة قرون عندما قفز اعضاء «حزب مصر» خلال ساعات قليلة الى «الحزب الوطني» الجديد حينئذ، بعد ان اعلن الرئيس الراحل انور السادات تشكيله، الا ان الامر يختلف هذه المرة، اذ ان النظام نفسه اعلن انه يواجه «حرب وجود»، وهكذا فان هؤلاء لا يريدون ان يكونوا في اي موقع قد يساء تفسيره، ولا يريدون ان تفوتهم ايضا «بركات دعم الدولة» خاصة انهم يدركون مدى «توجس» النظام من البرلمان الجديد بعد الصلاحيات غير المسبوقة التي حصل عليها في الدستور الجديد.
ثانيا: رغم انه يحسب للنظام انه لم يتدخل بالتزوير في العملية الانتخابية، الا ان ثمة مفهوما فاسدا يحكم سلوك «ائتلاف دعم الدولة» السياسي منذ البداية، لكنه للمفارقة اصبح في الوقت نفسه اكبر اسلحته السياسية، الا وهو اصراره منذ اليوم الاول على ان يكون «حزب الرئيس»، وليس «حزب الدولة» كما يزعم ناهيك عن ان يكون «حزب دعم الشعب» كما يفترض ان يكون. وتوجد ثمة شواهد لا يمكن انكارها، منها ان «في حب مصر» تشكلت بسرعة اثر دعوة السيسي للاحزاب لتشكيل قائمة موحدة(…)، وهكذا صادرت مبكرا «امتياز» ان تحسب على النظام، وعندما سئل منسقها العام في احد البرامج عما اذا كان سيعارض السيسي رد بالقول مستغربا (وهل عمل السيسي أي حاجة غلط حتى الآن؟).
ثالثا: ان «مظلة تأييد السيسي» التي ستخيم على البرلمان في ظل غياب اي معارضة حقيقية، ليست في الحقيقة شيئا واحدا، بل تضم اعداء حقيقيين يخوضون صراعات قوة ونفوذ داخل النظام، وهو ما يختلف تماما عن برلمان مبارك الذي كانت اغلبيته تمارس الفساد والتزييف مقابل التغطية على فساد النظام.
وربما يكون كل ما سبق سببا اضافيا سيجعل البرلمان الجديد «فرجة حقيقية تسلي الشعب المسحوق (بالاضافة الى وجود نواب مسلين طبعا).
رأي القدس