الآن وقد هدأت العاصفة بعد أن ذرفت الدموع وأشعلت الشموع بات من الضروري البحث في أسباب بقاء تنظيم «الدولة» و تمدده، بات من الملح محاولة تفسير لماذا ضربت فرنسا دون سواها؟ لماذا باريس تحديدا وليس مدريد أو برلين أو روما أو بروكسل؟
«تنظيم الدولة»لم يتأخر في تقديم الإجابة. ففي البيان الذي تبنى فيه الهجمات قال إن ”باريس تصدرت ركب الحملة الصليبية وضربت المسلمين في أرض الخلافة”. فالأمر لا يتعلق إذن بفشل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الفرنسية ونجاحها في دول أوروبية أخرى كما قد يفسر البعض، بل يتعلق بالسياسة الخارجية الفرنسية في سوريا وليبيا ومالي.
فرنسا التي لم تختر عدم دخول الحرب، كما فعل الرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال الغزو الأمريكي، مافتئت بيانات التهديد والوعيد تأتيها من التنظيمات الإسلامية، فالأمن الفرنسي بات رهين سياسة أولاند الخارجية. هذا ما يؤكده البيان الذي أصدره تنظيم القاعدة في اليمن والذي تبنى فيه أحداث «شارلي ايبدو» داعيا الفرنسيين إلى ”الكف عن محاربة المسلمين إذا أرادوا أن ينعموا بالأمان”. لكن أولاند رافض لهذه المقايضة على ما يبدو.
فردة فعل الرئيس الفرنسي جاءت مختلفة تماما عن ردة فعل الحكومة الاسبانية عام 2004 عقب الهجمات التي ضربت محطة القطارات في العاصمة مدريد. أولاند آثر الثأر. فألقى خطابا طغى عليه المعجم الحربي. ذلك أنه أعلن أنه سيخوض ”حربا بلا هوادة” و ”بلا رحمة” ضد الإرهاب.
حرب كلامية شنها الرئيس الفرنسي على التنظيم أعادت إلى الأذهان خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش عقب أحداث 11 سبتمبر/ايلول 2001. ربما نسي أولاند أن الحرب على الإرهاب ليست فكرة جديدة وأن العالم منذ أن ضرب مركز التجارة العالمي وهو يخوض حربا معلنة ضد ما يسمى بالإرهاب. ربما تناسى أيضا أن الإرهاب لم يتم القضاء عليه بل استفحل وتوحش. وبأن إرهابيي الأمس أصبحوا اليوم معتدلين وأقل دموية في نظر كثيرين إذا ما تمت مقارنتهم بـ”تنظيم الدولة».
ربما نسي أولاند كذلك أن الحرب التي أعلنها ليس حربا كلاسيكية مثل سابقاتها. فالعدو لم يعد محاصرا في دولة قومية لها حدود معروفة يمكن إرسال أسطول طائرات لدكها ثم يعلن بعد ذلك النصر. فحرب أولاند التي أعلنها شبيهة بحرب «دون كيشوت» على «طواحين الهواء» في رواية سرفانتس، حيث قرر دون كيخوته بطل الرواية أن يزيل الظلم من العالم وينقذ بلاده من كل الأشرار مستخدما سلاحا قديما أصابه الصدأ وواضعا خوذة من الكرتون.
نعم نسي أولاند أن العدو مختلف هذه المرة، وأن وسائله لم تعد تقليدية ومحصن في الجبال والكهوف. العدو هذه المرة معولم درس في مدارس باريس، مشى على ضفاف نهر السين، يملك ”أي فون” وأكل من ”ماكدونالدز” ربما سافر إلى الرقة وزار ألمانيا والمغرب و بروكسل كما فعل أحد منفذي الهجوم.
لم يدر في خلد أدام سميث أبي الاقتصاد الليبرالي والسوق الحر حتما أن الإرهاب سيكون سلعة أيضا تستفيد من إلغاء الحدود وتستثمر التبادل الحر. فالإرهاب دخل بدوره منظومة العولمة وبات لا يبالي بـالزمان والمكـان والحـدود. ذلك أنه ضرب في مدة وجيزة ثلاث قارات مختلفة. أسقط طائرة روسية في سماء سيناء، قطع رأس راع في تونس، وضرب ضواحي بيروت وقلب العاصمة الفرنسية باريس.
لا نعرف إن كان الرئيس الفرنسي سينجح في حربه ضد الإرهاب الذي فشل فيها أوباما ومن قبله بوش. خاصة وأن الأنباء المقبلة من سوريا تقول إن معظم الغارات التي تشن ضد «تنظيم الدولة» تقصف أماكن خاوية، وإن التنظيم على الأرض باق ويتمدد وإنْ كان قد خسر بعض المواقع كسنجار في العراق مثلا. لكن ما نعرفه أن فرنسا ما قبل أحداث باريس ليست هي نفسها الآن. إعلان حالة الطوارئ وتمديدها وكثرة الحديث عن الأمن وإمكانية إدخال تعديلات على دستور الجمهورية الخامسة دليل على أن المجتمع الفرنسي في طريقه إلى فقدان بعض الحريات التي كانت قبل هجمات باريس مكتسبة.
لا شك أن الرئيس السوري بشار الأسد هو أكبر المستفيدين من هذه الهجمات. فهي فرصة بالنسبة له لإقناع الرأي العام الدولي أن”تنظيم الدولة” عدو الجميع وليس عدوه فحسب ويجب محاربته ببقائه في السلطة. فالتفاوض مع دولة وإن كانت ديكتاتورية أفضل من التفاوض مع تنظيم زئبقي وحشي لا يعترف بالدولة والحدود كما تقول حجج الأسد ومناصريه.
روسيا أيضا خرجت ثاني المستفيدين فهي التي أخذت بزمام المبادرة عند دكها لحصون تنظيم «الدولة» الذي هو بدوره من المستفيدين إذ برهن للعالم أنه باق وأن تمدده وصل إلى أوروبا عبر ضربه لفرنسا في عقر دارها ليتحول من حالة الدفاع إلى وضعية الهجوم.
عديدة هي الأطراف المستفيدة لكن الخاسر الأكبر هو الإنسان..الإنسان الذي نخر جسده الرصاص و تناثرت أشلاؤه في سماء سيناء..وأغلقت في وجه المعابر والحدود ليذوق العذاب صنوفا في طريق اللجوء…
شهرزاد بن جدو- صحافية تونسية