حرب استنزاف في غزة

حجم الخط
0

لم يهجم الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة برباعيات من الطائرات القتالية بسبب البالونات الحارقة، ولا حتى بسبب إصابة نائب الكتيبة الذي أصيب، أول أمس، بقنبلة يدوية ألقيت عليه في المواجهات على الجدار. من ناحية إسرائيل، هذه مجرد فرص عملياتية، فمنذ أشهر طويلة يحوك الجيش على ما يبدو خطة مرتبة هدفها تآكل القوة العسكرية لحماس دون أن يضطر إلى احتلال قطاع غزة، ودفع أثمان الحرب والسيطرة في القطاع.
يأتي هذا الفهم الاستراتيجي ليجد تعبيره في قول رئيس الأركان أنه في العام 2018م ستدمر كل الأنفاق الهجومية لحماس، ولكن هذه لا تعد القدرة العسكرية الوحيدة لحماس والتي يعتزم الجيش الإسرائيلي تدميرها بشكل تدريجي، فالجيش يخوض منذ أشهر حرب استنزاف ضد البنى التحتية العسكرية لحماس، ونال هذا الاستنزاف زخمًا منذ 30 آذار، حين بدأت حماس حرب استنزاف عنيفة من جهتها على الجدار الحدودي.
في واقع الأمر، وفرت حماس للجيش الإسرائيلي كل يوم ذرائع للرد على استفزازات عنيفة وعلى المس بسيادتها، فيما كانت الذروة مع بالونات حارقة سببت حرائق في الأراضي الإسرائيلية. في هذا الإطار عمل الجيش الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة ضد أكثر من (200) هدف عسكري في القطاع. وهناك في إسرائيل محافل ـ بما في ذلك وزراء ونواب ـ سخرت من الجيش: «ليس للعدو قتلى» و«نقصف عقارات هامشية وما شابه»، أما في الجيش فقد ابتلعوا الإهانة ولكن «قصف العقارات» إياه دفعت اليوم بحماس إلى أن تخسر قدرة الإنتاج الذاتية للوسائل القتالية بعشرات في المئة، وإضافة إلى ذلك، حتى أمس، دمر (14) نفقًا هجوميًا.
إن الشروط التي أملتها دولة إسرائيل على غزة (إغلاق مطلق، والتحكم بما يمر في المعابر، والتنسيق مع مصر، وإغلاق البحر في وجه التهريب) خلقت وضعًا تجد حماس فيه صعوبة شديدة لإدخال وسائل القتال والإنتاج إلى القطاع. والمعنى: عندما تدمر إسرائيل مخرطة تنتج الصواريخ لن يكون لها بديل. كما تعاني حماس أيضًا من أزمة مالية عميقة، ما يجعل من الصعب عليها أن تعيد شراء العتاد وتعيد بناء المنشآت التي دمرت.
ومقابل ذلك، ثمة ما يصعّب على إسرائيل تآكل البنى التحتية العسكرية لحماس، وهو تيار البضائع التي تصل من مصر عبر معبر رفح دون رقابة إسرائيلية.
ما يبدو أن استراتيجية تآكل البنى التحتية العسكرية لحماس ارتدت شكل خطة جوية متدرجة مع بنك أهداف مرتب، بدءًا بالمس بالمنشآت العسكرية وبالأنفاق وفقًا للفرص في ظل تقليص عدد المصابين في الجانب الفلسطيني، إلى الهدم التام لمنظومات حرجة لحماس بهدف الوصول إلى حسم سريع، حتى الاستسلام التام أو احتلال القطاع.
أمس، ارتفعت الخطة الجوية درجة صغيرة: حيث قصف (40) هدفًا، بعضها في وضح النار (مقارنة بالهجوم الجوي السابق في أيار حين قصف 25 هدفًا فقط)، هكذا مثلاً دمر سلاح الجو قيادة كتيبة حماس في بيت لاهيا، بمنشآتها ومخازنها، ثم أعلن الناطقون العسكريون في إسرائيل بأن هذه تعدّ البداية إذا لم تتوقف النار. لحماس (18) كتيبة كهذه، (9) منها في غزة ومحيطها. هذه إبادة لبنية تحتية عسكرية في هذه اللحظة لن يعود لحماس وسيلة لإعادة بنائها وشرائها.
في المرحلة الحالية ما من نية للهجمات الجوية لإصابة رجال حماس جسديًا، فهذه مادة اشتعال لمواجهة شاملة، وتمامًا مثلما تحذر حماس من الهجوم بسلاح صاروخي يتجاوز غلاف غزة. ولكن للطرفين ـ في الدرجة التالية من المواجهة ـ قدرات على المس المكثف بمناطق مكتظة السكان.
في حماس يفهمون بأن إسرائيل غيرت قواعد اللعبة، وأنها تهاجم كي تدمر ذخائرها دون أن تدفع ثمن القتال، سواء بالضحايا أم بصورتها الدولية. حماس تدير حرب استنزاف خاصة بها على طول الجدار بهدف إجبار إسرائيل على فتح الإغلاق، وكانت واثقة بأنها وجدت الوصفة للكفاح الشعبي مع قواعد واضحة جدًا: المواطنون يعربدون على الجدار، ويخرقون السيادة الإسرائيلية، ولكن إسرائيل لن ترد إلا في منطقة الجدار.
وماذا عن نفق يتسلل إلى إسرائيل؟ إسرائيل يمكنها أن تدمره، ولكن نفقًا لا يصل إلى الجدار لن تلمسه إسرائيل. ثم تبين أن إسرائيل ترفض أن تلعب هذه اللعبة، وفضلاً عن ذلك، فإنها تستغل حرب الاستنزاف الشعبية العنيفة التي تقودها حماس على الجدار كي تضعف ذراعها العسكرية. نجاح هذه الاستراتيجية منوط بطول النفس الذي يعطى للجيش، سواء من سكان غلاف غزة أم من القيادة السياسية التي يدفع بعضها إلى أعمال من شأنها أن تؤدي إلى مواجهة شاملة.
نحن نشهد حربي استنزاف منفصلتين، حرب حماس وحرب إسرائيل. القاسم المشترك بينهما هو أن إسرائيل تستخدم أحداث استنزاف حماس، كالبالونات المشتعلة وأعمال الشغب والمس بالجنود، كذريعة لزيادة حرب الاستنزاف التي تقودها ضد البنى التحتية العسكرية لحماس في كل أرجاء القطاع.
لدى إسرائيل اليوم كل الأسباب السياسية للامتناع عن فتح جبهة عسكرية واسعة لاحتلال القطاع. كما ليس لحماس أيضًا، بقدر ما نعرف، مصلحة للوصول إلى مواجهة شاملة من شأنها أن تبعدها عن الحكم. فهذه المرة أيضًا سنبقى مع مواجهة عسكرية تبحث عن حل ومع حربي استنزاف تواصل إحداهما تغذية الأخرى.

يديعوت 15/7/2018

حرب استنزاف في غزة

اليكس فيشمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية