حرب السينما

كان الممثل الأمريكي سلفستر ستالوني يحظى بشعبية واسعة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات إبان تمثيله شخصية «رامبو». وحتى الآن فإنه حين يذكر رامبو فإن القليلين ينصرفون بأذهانهم إلى الشاعر الفرنسي حيث طغى تأثير المحارب الأمريكي على صوت الشاعر الكلاسيكي.
بالإضافة إلى القوة وقلة الكلمات التي جعلته يفعل أكثر مما يتحدث كان رامبو قادراً على هزيمة جميع أعدائه مهما كثر عددهم. كان شخصية بطولية لا تشعر بالألم وتستطيع استخدام جميع الأسلحة والمركبات كما أن تصويبها لا يخيب بعكس أعدائها الذين لا يستطيعون إصابة ذلك البطل الذي يجري أمامهم بثقة كأنه يمتلك تعويذة سحرية واقية من الرصاص.
وبرغم المبالغة التي تجعل من هذا البطل قادراً على هزيمة جيش كامل من الأعداء إلا أن الملايين كانوا يتسمرون أمام أجهزة التلفزيون والفيديو في ذلك الوقت وهم يتابعون بانبهار قدرة ذلك الأمريكي وإصراره على الانتصار.
هذا الانبهار كان واضحاً في عين وقلب الجميع، ورغم يقينهم بأن كل هذا هو محض تمثيل لا يمت للواقع بصلة ولا يحاكي أبداً أي قصة حقيقية إلا أن شيئاً ما كان يتسرب إلى عقولهم ببطء ليقنعهم بالتفوق الأمريكي وبأن أولئك هم المنتصرون في النهاية وهم الأبطال الحقيقيون لهذا الكوكب. أبطال يصبح من العبث أن تحاول مقاومتهم ناهيك عن الحلم بالانتصار عليهم.
ما بدأه رامبو سيكمله أرنولد شوارزنجر وهو اسم مهم لجمعه بين البطولة الحقيقية في كمال الأجسام والسينما التي تألق فيها بقوة ثم السياسة التي برع فيها أيضاً كحاكم لولاية كاليفورنيا.
لكن وللأمانة فإن هناك شبها ما بين هذه النوعية من الأفلام والطبيعة الأمريكية. أحد الأفلام الكلاسيكية الشهيرة لشوارزنجر هو فيلم «كوماندو» (1985) الذي تدور قصته حول اختطاف عصابة معادية لابنة البطل الذي سيسعى بجد إلى تخليصها. ورغم أن الهدف يبدو نبيلاً وإنسانياً إلا أن أحداً لن يتمكن من أن يحصي العدد الكامل للضحايا أو التكلفة البشرية الكاملة لهذه العملية، فبخلاف العسكريين الذين ماتوا بالعشرات ماتت أعداد أخرى من المدنيين خلال المطاردات بالسيارات السريعة أو من خلال إطلاق النار العشوائي عبر الشوارع التي، وللغرابة، لا رقيب عليها ولا شرطة. ورغم هذا العدد غير المحدود من القتلى إلا أن المشاهد، وبفضل تسليط المخرج الضوء على عدالة القضية التي تدور حولها الأحداث من خلال البداية المؤثرة التي توقفت عند قوة العلاقة بين الأب وابنته، لن يشعر بالتضامن مع جميع أولئك ولن يفكر فيهم طالما كان بطله بأمان.
هذا يذكر بالسلوك الأمريكي إبان الحروب الفعلية فبعد أن يقنعك السياسيون بعدالة قضية ما، كمثال تخليص العالم من شرور ديكتاتور ما أو من نظام إرهابي مدمر، يقوم بمنح نفسه ضوءاً أخضر يسمح له بالتمادي في القتل والتخريب وإلحاق الأذى بالجميع حتى وإن كان عدد الضحايا من الأبرياء الذين سينتجون عن هذه العملية أضعاف الأعداد المفترضة التي كان سيؤدي لها ذلك «الإرهاب المحتمل».
في الأفلام نحن لا نكترث بالقتلى الجانبيين الذي يظهرون بلا أسماء ولا تفاصيل وكأنهم وجدوا ليموتوا وكذلك في الواقع، ومن ذلك الطرفة الشهيرة التي جاءت تعليقاً على خبر مقتل أكثر من ألف عربي وصحافي أمريكي واحد. حيث تساءل الجميع عن هوية ذلك الصحافي وإلى أي وسيلة إعلامية ينتمي.
عدسة المخرج الدرامية تجعلك تهتم بما يريد أن يقنعك بكونه مهماً، وكذلك يفعل المخرج السياسي الذي يقنعك على سبيل المثال بأن مقتل بعض الصحافيين الفرنسيين من صحيفة «شارلي ايبدو» أمر خطير ومفجع يستحق تضامن قادة العالم ومواساتهم في حين يبدو مقتل الآلاف من المدنيين في سوريا والعراق وأفغانستان مجرد خبر زائد أو ديباجة معتادة تفتتح بها نشرات الأخبار.
بالإضافة إلى العلاقة الخاصة الثابتة التي تربط هوليود بمراكز صنع القرار، فإن هناك علاقة استفادة عامة ومتبادلة بين الاخراج السينمائي الدرامي والآخر السياسي. المجالان يبدوان قريبان من بعضهما وقد أدى ظهور الفضائيات إلى تعميق هذه العلاقة أكثر. القنوات الحديثة ما عادت تكتفي بالنقل المجرد للأخبار، بل أصبحت تسعى لوضع بصمة إخراجية على كل حدث بشكل يجعله أكثر تأثيراً وتشويقاً. مشهد فرح العراقيين بسقوط صدام على سبيل المثال وصورة التمثال الذي تكاتفوا من أجل إسقاطه والمشهد المأساوي لسقوط البرجين في أحداث سبتمبر/ايلول وغيرها. كلها مشاهد انطبعت في أذهان الناس وخلقت تعاطفاً عالمياً مع الخيارات الأمريكية سامحة للجيش الذي لا يقهر بتجاوز كل الخطوط الحمراء من أجل الانتصار لما جعله فن إخراج المشاهد حقاً مطلقاً.
في الأفلام والدراما عموماً هنالك دائماً شخصيات محورية مهمة وأخرى أقل أهمية أو زائدة بأدوار هامشية. مهمة العمل الفني تركز على التعامل مع الشخصيات الأساسية في حين تستفيد من الآخرين كديكور أو إطار خارجي. مثل تلك الشخصيات التي قلنا أنها وجدت بداخل تلك الأعمال لتموت.
جميعنا يذكر قصة سفينة تايتنك الغارقة وكيف صورها الفيلم برومانسية اختزلتها في قصة حب بين بطلين أحدهما سيموت في آخر الفيلم بمأساوية في حين تبقى الفتاة لتروي قصة حبها الذي ولد على ظهر السفينة. التعاطف سيبلغ مداه مع هذا البطل الوسيم الذي سيحاول التشبث بالحياة لكنه لن يستطيع، بل سيفارق الحياة بهدوء.
إن السبب الوحيد الذي جعلنا نتعاطف مع هاتين الشخصتين هو أنهما بطلا الفيلم، وبراعة المخرج تكمن في أن بإمكانه أن يوصلك إلى درجة تتمنى فيها أن يموت الجميع وأن يبقى البطلان. الجميع بمن فيهم النساء والأطفال والضعفاء. بالعودة إلى المقارنة بين الحروب الأمريكية الواقعية وتلك الافتراضية التي يسطرها الأبطال في الأعمال الدرامية تبدو لنا الأخيرة وكأنها وسيلة لرد الاعتبار للجندي الأمريكي الذي يكاد يكون لم ينتصر قط. نعم. هو لم يحقق أي انتصار لا في فيتنام ولا في العراق ولا في أفغانستان ولا حتى في مقابل دولة ضعيفة كالصومال. هذا الجيش كان ينافس غيره فقط في إسقاط أكبر عدد من المدنيين. تفجير قرية مشبوهة في العراق أو إطلاق صواريخ ذكية على عرس أو جنازة في أفغانستان أو تدمير مدارس ومستشفيات بافتراض وجود أسلحة بداخلها أو إرهابيين متحصنين. نجح الجيش الأمريكي إذا كان معيار النجاح يقاس بقوة التدمير فقد قام بتدمير العراق على صعيد المعاني والمباني، كما سمح لنفسه باستخدام كل سلاح محرم دولياً أو ممنوعاً، كيميائياً كان أو ذرياً أو حيوياً، رغم أنها الدولة التي تلاحق الآخرين بلا هوادة بزعم امتلاكهم، أو حتى نيتهم في امتلاك، سلاح للدمار الشامل.
الكوماندوز الأمريكي الحقيقي هزم في فيتنام واستعصت عليه طالبان وفر أمام مجموعة ليس عندها تجهيز يذكر من الصوماليين. رجال المارينز العائدون من الجبهات بات معظمهم يشكّل خطراً أمنياً على أمريكا نفسها حيث تحولت أعداد كبيرة منهم إلى مجرمين وقتلة ومهووسين ومدمني مخدرات وهو ما حدا بالجامعات هناك إلى تضمين تخصصات نفسية خاصة بعلاج متلازمات ما بعد الحرب ليخضع لها الجنود الذين سيبقى بعضهم رهن العلاج النفسي لسنوات.
لكل هذا ستتابع هوليود إنتاج المزيد من هذه الأفلام المهمة ليس فقط من أجل التصدير للخارج وإثبات القوة كجزء من الحرب النفسية والمعنوية، ولكن أيضاً لأنها مهمة للداخل الأمريكي من أجل إقناع أبنائها بعدالة القضايا وبأخلاقية الحروب التي يخوضها «البطل الأمريكي».

٭ كاتب سوداني

حرب السينما

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية