حرب المئة عام في البوسنة ضحية تبحث عن جلاد

حجم الخط
1

الأسبوع الماضي، تحلق عدد من السجناء القدامى، ومن عائلات ضحايا حرب البوسنة، في سراييفو وفي موستار، لمُشاهدة محاكمة سلوبودان برالياك، وخمسة متهمين آخرين، على المباشر، من الموقع الإلكتروني للمحكمة الجنائية الدولية، في لاهاي. في الحادية عشرة والنصف صباحا انقطع البث، بعد أن نطق القاضي بتأكيد عقوبة عشرين سنة على المتهم الرئيسي، الذي قام من مقعده، في مشهد مسرحي، وصرخ في وجه القاضي: «سلوبودان برالياك ليس مجرم حرب وأنا أحتقر حكمك علي»، واختتم صرخته بابتلاع سم (تبين ـ لاحقا ـ أنه سيانيد، الذي يُستخدم في إبادة القوارض)، ووصلت الأخبار إلى سراييفو أن المتهم مات، في طريقه إلى المستشفى. عبّر بوسنيون عن ارتياحهم من نهاية «جلاد».
لكن، على بعد ثلاث ساعات فقط من سراييفو، في مدينة بانيا لوكا، خرج رئيس صرب البوسنة ميرولاد دوديك، وصرح بأن ما قام به سلوبودان برالياك، أيام الحرب، كان فعلا بطوليا. «لقد أوقف زحف بوسنيين معتدين» أضاف.
في الجارة بلغراد، تحول المتهم/ المُنتحر إلى بطل، ونهايته التراجيدية في المحكمة رفعت من شهرته، كما عبّرت كرواتيا عن تضامنها معه، مع إدانتها للمحكمة الدولية التي لم توفر له الحماية الكافية. هنا يعود سؤال، كنا نعتقد أننا حسمناه: من هو البطل؟ ومن هو المُذنب في حرب البوسنة؟ كيف أن حركة واحدة من مُتهم في جرائم حرب تجعل منه، في وقت قياسي، بطلا قوميا؟ في لحظة من اللحظات، نسينا كل ماضي سلوبودان برالياك (1945-2017)، وعلقت في الأذهان فقط صورته وهو يبتلع السم، ويحرك مشاعر مئات الآلاف، الذين محو ما فعله، وركبوا سفينة المُتعاطفين معه.
تهمنا حالة سلوبودان برالياك لأنه رجل ثقافة، قبل أن يكون عسكريا، فهو خريج كلية الفنون الدرامية في زاغرب (1972)، قضى عشرون عاما (بين أوائل السبعينيات وأوائل التسعينيات)، في المسرح، في كتابة السيناريو والمقالات، وفي تجارب إخراج تلفزيونية وسينمائية. هو اسم جد معروف في الأوساط الفنية، عمل مديرا لمسرح زاغرب ثم مديرا لمسرح موستار، المدينة البوسنية، التي سيقصفها ـ لاحقا ـ ويحطم جسرها التاريخي (بُني في القرن الرابع عشر ميلادي)، يجوع أهلها، ويدفع بالآلاف منهم إلى المنفى. كان يريد أن يجعل حياته مسرحا، ومن المسرح حياة، ينقل معه الركح حيثما ذهب، يُمارس هوايته في التمثيل في كل مكان، كان سلوبودان برالياك يعلم أن المسرح هو أن نتكلم بصوت عالٍ ومسموع، أن نجعل منه لحظة فرجة، لعبا بحواس المُتابع، كان يحب أن يظهر دائما في الواجهة، يجعل من كلامه العادي لغة مستفزة، ومن جسده مشهدا، هذا ما يفسر – إلى حد ما – لعبته المسرحية أمام المحكمة، وأمام العالم، لقد بدأ مسرحيا وأنهى حياته بحركة مسرحية. عام 1987، التقي سلوبودان برالياك بالشاعر البوسني عبد الله سيدران، وكتبا معا سيناريو فيلم مطول: «عودة كاترينا كوجول»، الذي سينتهي برالياك من إخراجه عام 1989. فيلم يحكي عن شابة من الهرسك، ستجد نفسها أرملة، بعد وفاة زوجها في ألمانيا، فتقرر الهجرة والعمل في إيطاليا، هناك ستقع في حب شخص آخر، تحمل منه ثم تجهض الجنين، وتتغير حياتها بعد أن تتعرض لسرقة كل أموالها الذي جمعتها من الخارج، والتي كانت تنوي استثمارها في قريتها البوسنية. حين بدأ عرض الفيلم نفسه في الصالات، كانت الحرب في طريقها إلى كرواتيا، ما أجهض المشروع مثلما أجهضت بطلة الفيلم جنينها. كوّن سلوبودان برالياك كتيبة عسكرية، من فنانين وكتاب وشعراء كروات، وذهب معهم إلى بلدة سونيا، القريبة من الحدود الصربية، دافعوا عنها وانتصروا، وعين ـ في لحظة نشوة ـ جنرالا، حمل الصفة ذاتها عاما ونصف العام، عاد إلى موستار، التي كان مديرا لمسرحها، وتورط في قتل أبرياء، بحجة «الدفاع عن حدود كرواتيا»، ورغبة منه في تشكيل دولة صغيرة، أراد أن يُطلق عليها اسم «كرواتيا الهرسك» (للأقلية الكرواتية في المنطقة)، استقال بعدها من منصبه العسكري، حاول ـ عبثا ـ العودة إلى المسرح، وانتهى به الأمر معتقلا ومدانا بجرائم ضد الإنسانية في المحكمة الجنائية الدولية. لقد عاش سلوبودان برالياك 72 عاما، منها عشرون عاما قضاها في المسرح، وعاما ونصف العام ببزة عسكري، سيذكر الناس ـ طبعا ـ حياته الفنية، سيذكرون فيلمه الآخر «قصة من ستانسا»، لكنهم يختلفون الآن حول إدانته: هل هو مُذنب أم ضحية؟ منذ أسبوع، طفت صفة الضحية على المسرحي، تحول سلوبودان برالياك إلى رمز ﻟ»اللاعدالة» في نظر صرب وكروات، وإلى مذنب لاقى مصيره في نظر البوسنيين، والضحية الأهم في كل هذا هي الحقيقة، التي ما تزال غير مكتملة، فرغبة الرجل في «الدفاع عن وطنه» كما قال جعلت منه ضحية ومذنبا في آن، ممزقا بين رؤيتين متناقضتين، بين أهله وجيرانه.
يذهب البعض للقول ـ جزافا ـ إن حرب البوسنة بدأت عام 1992 وانتهت في 1995، مع توقيع اتفاقية دايتون، والحقيقة غير ذلك، فقد بدأت فعلا عام 1914، حين وجه المُراهق غافريلو برنسيب (1894- 1918) مسدسه لظهر أرشيدوق النمسا، قتله وقتل معه زوجته، تسبب من جهة في حرب عالمية، راح ضحيتها ملايين البشر، ومن جهة أخرى في قيام يوغسلافيا، التي ستُمارس حكوماتها المُتعاقبة ضغوطات على البوسنيين (المسلمين) وتنتهي بانفجار الوضع في أوائل التسعينيات، ولم تنته الحرب سوى في السنوات الأخيرة مع بداية إصدار أحكام نهائية على سادة الحرب القدامى. إنها حرب المئة عام، التي تكرر نفسها هذه الأيام. هناك نقاط مُشتركة بين سلوبودان بارلياك وغافريلو برنسيب، هذا الأخير حين أطلق رصاصتيه التاريختين، وهو ثمل، انقسمت الآراء حوله: هل هو مُجرم أم بطل؟ عمله، من منظور القانون، يعتبر جريمة، لكن في نظر القوميين الصرب واليوغسلاف ـ لاحقا ـ سيصير بطلا، لأن ما قام به كان سببا في قيام وطنهم. حين أُعيد جثمانه إلى سراييفو، بعد الحرب العالمية الأولى، خرج عشرات الآلاف، إلى الشارع، تحية له، وبُني مزار حول قبره. ووضع نصب تذكاري في المكان الذي وقعت فيه الجريمة، تخليدا لذكراه. في اللافتة التي عُلقت، كتب عليها «مناضل من أجل الحرية»، بعد حرب البوسنة الأخيرة، أُزيلت اللافتة ووضعت أخرى مكانها، كُتب عليها «ليعم السلام الأرض». في كل الحالات، ورغم ما تسبب فيه فعله من مآتم وأحزان وموت لأبرياء، فإن الأناس يتذكرونه وكثير منهم يفخرون به. ثم للمفارقة أن غافريلو برنسيب أطلق رصاصتيه في الساعة الحادية عشرة صباحا، وهو التوقيت نفسه الذي انتحر فيه سلوبودان بارلياك. هل هي مجرد صدفة؟ ربما.
هكذا إذن، حرب البوسنة بدأت وانتهت بالمشهد نفسه: موت علني وانقسام في اعتبار الميت/ القاتل: ضحية أم مذنبا؟ كما وجد غافريلو برنسيب من يحتفي به، ويجعل منه بطلا، سيجد سلوبودان بارلياك الشيء نفسه، ولن نتفاجأ، في المستقبل، لو سميت باسمه مؤسسات فنية أو أكاديمية، أو شوارع أو ساحات عامة، في كرواتيا أو في صربيا. من يراه البعض جلادا يعتبره الآخرون بطلا، إنها حلقة من تكرار التاريخ، وعود على بدء، كما لو أن حرب البوسنة تعود ـ الآن ـ إلى نقطة الصفر، تعيد حرث الأرض وتهيئة التربة لتزهر فظاعات من جديد.

٭ كاتب جزائري

حرب المئة عام في البوسنة ضحية تبحث عن جلاد

سعيد خطيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية