إسطنبول ـ «القدس العربي»: اشتعلت حرب كلامية غير مسبوقة على مواقع التواصل الاجتماعي، بين النشطاء والصحافيين العرب والأتراك على خلفية الأنباء عن قتل قوات الجاندرما التركية 11 لاجئاً سورياً حاولوا اجتياز الشريط الحدود باتجاه الأراضي التركية، كما رافقتها اتهامات لوسائل إعلام ونشطاء عرب بالتكتم عن الحادثة و»الدفاع الأعمى عن تركيا».
ومساء السبت، قالت مصادر متعددة ونشطاء سوريون إن قوات الأمن التركي المنتشرة على الحدود «الجاندرما» أطلقت النار على مجموعة من المدنيين الفارين من داخل الأراضي السورية باتجاه تركيا الأمر الذي أدى إلى مقتل 8 سوريين بينهم أربعة أطفال، فيما قالت مصادر أخرى إن عدد القتلى بلغ 11 وأغلبهم من عائلة واحدة.
والأحد، دعا الائتلاف السوري المعارض تركيا للتحقيق في الحادثة، متهماً حراس الحدود التركية بإطلاق النار على مجموعة من المدنيين كانوا يحاولون العبور من خربة الجوز في شمال غربي سوريا نحو محافظة هاتاي التركية، مما أسفر عن مقتل 11 شخصاً، واعتبر أن «الحادث يتصادم مع الكرم الذي أبدته الحكومة التركية والشعب التركي الشقيق تجاه المدنيين النازحين».
ولم تصدر الجهات الرسمية التركية (حتى مساء الأحد) أي تعقيب على الحادثة، لكن وكالة «أسوشيتد برس» نقلت عن مسؤول تركي وصفته بأنه «رفيع المستوى»، قوله: «نحن غير قادرين على التحقق بصورة مستقلة من المزاعم.. السلطات تحقق في الواقعة»، مضيفاً: «توفر تركيا المساعدة الإنسانية للنازحين في شمالي سوريا وتتبع سياسة الباب المفتوح، وهو ما يعني أننا نسمح بدخول اللاجئين الذين حياتهم تحت تهديد وشيك.»
آلاف التغريدات على موقعي «تويتر» و«فيسبوك» وصفت الحادثة بـ «المجزرة» متهمين الأمن التركي بالتعمد في إطلاق النار على المدنيين، الحكومة التركية بمواصلة إغلاق الحدود منذ أشهر بوجه المدنيين الفارين من الموت على الرغم من تصريحاتها بأنها مستمرة في سياسة «الباب المفتوح».
الصحافي في قناة الجزيرة أحمد موفق زيدان، كتب على «تويتر»: «بعد المجزرة التي ارتكبتها الجندرمة التركية بحق 11 سورياً، المطلوب تحقيق عاجل من الحكومة وتدخل سريع حتى لا تخسر تركيا ما زرعته». ولفت الصحافي السوري موسى العمر إلى أن «هذه ليست المرة الأولى للجندرما التي ترتكب فيها هذا الفعل تجاه أي محاولة تجاوز حدود للفارين من جحيم القصف فقد سجلت 22 حالة قتل خلال 4 أشهر».
وغرد الكاتب والأديب السوري عبد الرحمن مطر بالقول: «الأتراك أيضاً ..إنهم يقتلوننا.. الجندرما التركية تبيد عائلة سورية بأكملها على الحدود وهي حادثة تتكرر كثيراً!»، فيما كتب الناشط السوري ياسين أبو رائد: «ينزحون هرباً من البراميل ليقتلهم رصاص الجندرما»، معتبراً أنه «للأسف من يشارك بقتل النازحين على الحدود هم المهربون وتجار البشر والذين يعملون تحت أعين الفصائل في المعابر بدون رادع وخوف».
أماني السنوار الباحثة في العلاقات الدولية وحقوق الإنسان، قالت: «السؤال أصلاً لماذا الحدود الرسمية مغلقة؟ من خلالها كان بإمكان الدولة التدقيق في هويات الناس وتمييز من هو فعلاً هارب من الموت ومن هو «إرهابي» أو غير محتاج للجوء.. أليس هذا متعارضاً مع شعارات الباب المفتوح والمهاجرين والأنصار ومخالفاً للقانون الدولي؟ هذا بالضبط ما يفتح الباب أمام قتل المزيد من الناس بحجة الشبهة».
وحاول العديد من النشطاء الأتراك الناطقين بالعربية الرد على هذه الاتهامات بمهاجمة النشطاء السوريين معتبرين أنهم ينكرون الخدمات الكبيرة التي قدمتها تركيا للاجئين منذ بدء الثورة، ووصل إلى توجيه شتائم واتهامات غير مسبوقة.
وكتب الصحافي التركي محمد أون ألمش على الفيسبوك: «بقي أن يتهموا تركيا بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري الهارب من أراضي المعارضة»، معتبراً أن «حادثة الأمس أعطيت حجماً كبيراً اكبر من الطبيعي، كون الدرك التركي يطلق النار على كل من يحاول الدخول من الحدود في تلك المناطق»، وأضاف: «الأمر ليس خطأً فردياً، إذ تركيا دولة في حالة حرب، والأوامر الموجهة إلى الجنود على الحدود صارمة بهذا الخصوص»، وختم بالقول: «أن يتم تسويق الموضوع على انه قتل متعمد «لمدنيين» وليس لمجموعة أناس غير مكشوفي الهوية حاولوا العبور ليلاً ولم يقفوا عند إطلاق الطلقات التحذيرية، هذا أمر مستنكر أيضاً».
وفي السياق ذاته، كتب الصحافي التركي حمزة متين تحت عنوان «الجندرما تحمي الحدود ولا تقتل الأطفال»، وبعد أن أنكر الحادثة قال إن «هذا العمل (يقصد ترويج الخبر) الذي لا يمت لشرف الإعلام بصلة استتبعته حملة شعواء من الشتائم القذرة لتركيا وأردوغان والشعب التركي وحتى للدولة العثمانية وحتى للأتراك الذين عاشوا قبل 4000 عام! وللأسف هذه الشتائم أتت من جماعة الثورة وليس من جماعة النظام، أتت ممن يعيشون في تركيا، ممن يتلقون الدعم الإنساني والمعنوي وغيره من تركيا، ممن لولا تركيا لكانوا تحت براميل النظام اليوم»، على حد تعبيره.
ووجه الباحث والصحافي السوري باسل حفار انتقادات للمعارضة السورية ووسائل الإعلام، قائلاً: «الفصائل السورية التي بات كل منها يمتلك مكتباً سياسياً ممثلاً لها خلال الفترة الماضية لم تفوت تقريباً مناسبة في المنطقة ولم تدل بدلوها فيها من بيانات ورسائل التأييد والمباركات إلى مواقف التعاطف والتآزر (…) ومع أن جريمة قتل العائلة قد حدثت في «خربة الجوز» السورية التي تقع تحت سيطرة المعارضة فلم نسمع أو نشاهد تصريحاً أو بياناً من هذه الفصائل».
سعيد الحاج الكاتب والباحث في الشأن التركي هاجم العرب الذين حاولوا تبرير الحادثة، قائلاً: «النافون للخبر من دون أي معلومة، والداعون للتكتم عليه «حتى لا يضر تركيا»، والمهوّنون من شأنه باعتباره عملاً غير مقصود، والمتجاهلون له أكثر بأضعاف مضاعفة ممن عبروا عن حزنهم وغضبهم (أو على الأقل عتبهم) على هذا الحدث الذي سالت فيه دماء بريئة!!».
واعتبر أن «ثمة «رقابة ذاتية» لدى الكثير من النخب العربية ورجل الشارع العربي فيما يخص تركيا والأخبار عنها، وثمة عاطفية وشعبوية عميقة في تناول سياساتها ومواقفها، وثمة «ملوكية أكثر من الملك» في الحوار حولها»، مضيفاً: «لقد تحولت الكثير من النخب العربية، وخصوصاً التي تعيش في تركيا، عن دورها الرئيس المنوط بها إلى مساحة غير مطلوبة منها ولا هي مفيدة جداً بها».
إسماعيل جمال