بحسب المعجم الواقعي والعملي للعلاقات الدولية المعاصرة، فإن أي جماعة أو حركة لن توصف بأنها إرهابية، إلا في حال كونها إسلامية، بل في نطاق الإسلام السني خاصة، أما ما سوى ذلك، ومهما اقترفت تلك من جرائم وآثام فإنها ستظل في نطاق مسموحٍ به من الجرائم التي لا ترقى لأن تثير كثيراً من الاهتمام، أو تحظى بالكثير من التنسيق والتحالفات للقضاء عليها.
ضمن هذا التعريف الغريب، الذي نشأ بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وظهور تنظيم «القاعدة» ثم ابنها الشرعي، أو غير الشرعي، تنظيم «الدولة الإسلامية»، ضمن هذا التعريف الجديد الذي فُرض على العالم، الذي يربط بين الإسلام والإرهاب، وجدت حركات وتنظيمات أخرى عرقية ومذهبية الحرية في ممارسة إرهابها الخاص، مراهنة على قدرتها على الإفلات من العقاب، بل في بعض الأحيان على الحصول على بعض الجوائز، إذا ما ادعت أن محاربة الحركات الإسلامية المتطرفة تدخل ضمن أجندتها.
الربط بين الإسلام والإرهاب لا مفر منه، وإن كان المسؤولون الغربيون لا ينسون، عقب كل خطاب، التأكيد على أنهم لا يحاربون مجمل الإسلام وإنما النسخ المتشددة والمتطرفة منه فقط. كلمات دبلوماسية تكذبها الإجراءات التمييزية التي تتزايد يوماً بعد يوم، والتي تضع المسلمين جميعاً ضمن دائرة الاتهام.
ولأن كل الجهود مشحوذة لملاحقة ذلك الشبح الكبير المتمدد، الذي بات يسمى صراحة «بالإرهاب الإسلامي»، رغم ما في الكلمة من جرح لمشاعر أكثر من مليار نسمة، هم أتباع هذا الدين، لأن الحال كذلك فإن محاولات تصنيف جماعات أخرى لا تحمل الأيديولوجية الإسلامية بأنها «إرهابية» تظل بلا طائل.
ومن طرائف دنيا العلاقات الدولية أنه، حتى في الحالات القليلة الاستثنائية التي يتم فيها تصنيف جماعة علمانية بأنها إرهابية، كحالة حزب العمال الكردستاني التركي ومن هم قريبون منه من المجموعات التي احترفت الترويع والتفخيخ واستهداف المدنيين، حتى في هذه الحالة فإن العالم الحر لن يلبث أن يتعاون مع هذه الحركات، التي سبق أن وصفها هو نفسه بأنها «إرهابية»، من أجل تمكينها من السيطرة على الأرض وتحريرها من المجموعات الإسلامية المقاتلة، ضمن ما يطلق عليه «تحالفات مؤقتة»، فتصبح المعادلة هي الاستعانة بإرهابيين طيبين من أجل القضاء على إرهابيين أشرار.
ضمن هذا السياق وجدت حركات دارفور المسلحة المستندة إلى أيديولوجيات يسارية، أو علمانية متطرفة، حرية كبيرة في الحركة، بعد أن تم غض الطرف عن عملياتها ومنحها ضوءاً أخضر دولياً للتوسع فيها، بل منح قادتها حصانة ومأوى وحرية في الدعوة إلى منهجها المعلن، والقائم على التغيير عبر استخدام العنف والقتال. ومثلما هو الحال مع الأكراد في تركيا، فإن كثيرين حاولوا الصيد في الماء العكر عبر خلق التباس بين أهل دارفور جملة وحركاتها المسلحة، حتى تنتقل المعركة من مربع حركات شاذة داخلة في حرب ضد الدولة، إلى مربع طائفي وعرقي بغيض. الشبه بين الحالة الكردية والحالة الدارفورية كبير، ولعله يستحق تخصيص مقال أو دراسة موسعة، ولعل أبرز ما في ذلك الشبه هو ذلك التزوير الذي افترض أن عموم الأكراد معادون للسلطة في تركيا وموالون لجماعاتهم الفوضوية، وهو الأمر الذي كذبته الانتخابات والاستفتاءات التي عقدت عبر السنين الأخيرة، بشكل لم يدع مجالاً للشك.
أما في السودان فيلاحظ كل متابع ومراقب أنه لا يوجد أي تمييز ضد أبناء دارفور، لا من ناحية التمثيل الرسمي ولا حتى من الناحية الشعبية، بل على العكس فإن الصورة النمطية عنهم أنهم من أكثر أهل السودان تديناً وأمانة وحفظاً للقرآن.
لكل ذلك فإن وصف الحركات الدارفورية العلمانية بأنها بلا رصيد شعبي، هو وصف لا مبالغة فيه، فمع الإقرار بوجود بعض المطالب المشروعة لسكان الإقليم، إلا أن مطالب كرفض الاحتكام إلى الشريعة، أو السعي للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو ما تدندن حوله بعض الحركات، نكاية بالحكومة وجذباً لانتباه الرأي العام الدولي، كل ذلك يبدو من آخر ما يمكن أن يطالب به إنسان دارفور.
أما ما أعاد هذه القضية إلى السطح، فقد كان الهجوم الذي نفذته حركتان قويتان تتبع إحداهما لمنّي أركو مناوي، في حين تمثل الأخرى فصيلاً قريباً من عبد الواحد نور، وهو هجوم أريد له أن ينطلق من عدة محاور وأن يشكل اختراقاً. تزامن الحدث للغرابة مع مفاوضات حكومية معلنة مع مجموعات المعارضة المسلحة في العاصمة الألمانية برلين، ولذا بدا مفاجئاً، لا سيما وأن الوضع كان لعدة أشهر مستقراً ويدعو إلى الاطمئنان، هذا إلى جانب حالة الضعف والحصار التي عانت منها معظم الحركات المقاتلة خلال العام الماضي على وجه التحديد.
رغم أن الهجوم تم بتدريب وتمويل عالٍ وبأسلحة هجومية متقدمة، إلا أن المعركة سرعان ما حسمت لصالح الجيش السوداني، الذي أثبت جاهزية عالية، رغم عنصر الغدر والمباغتة، فسيطر على الوضع ولاحق ما تبقى من المجموعة المهاجمة، مستولياً على عدة كثيفة وعتاد، لتتحول العملية من ضربة كان يخطط لأن تكون ذات صدى كبير لتوحي بهشاشة الوضع الأمني في السودان، إلى ضربة في اتجاه آخر شكلت، بحسب مراقبين، قاصمة الظهر بالنسبة للمجموعة المهاجمة، التي يبدو أنها كانت تراهن كثيراً على نجاحها. مثل هذه العمليات لم تكن لتمر لولا مساندة بعض دول الجوار السوداني، التي تقدم الدعم والملاذ لمثل هذه الحركات، وهو أمر مؤسف ومحزن بلا شك، خاصة أنه من المعروف أن هذا الدعم، ومهما بلغ من السخاء، فإنه لن يحقق أي هدف كبير كتغيير النظام مثلاً، وأن كل ما يمكن أن يؤدي إليه هو تعطيل حركة البناء وتشجيع الحركات المتمردة على الاستمرار في مسارها العنيف، ما يشكل تهديداً للأمن الداخلي في السودان، وهو ما سينعكس بشكل سلبي على الأمن الإقليمي وعلى الدول المجاورة الداعمة للفوضى ذاتها.
إلا أن الأكثر بؤساً هو ذلك المصير الذي وصلت إليه تلك الحركات، التي كانت تتخذ من المطالبة بالتنمية المتوازنة والتوزيع العادل للثروة هدفاً تسعى إلى تحقيقه، أو على الأقل هذا ما كانت تدعيه قبل أن تصبح هي نفسها سبباً في تعطيل التنمية، وتكدير السلم الاجتماعي، بما تقوم به من عمليات وما تنشره من أدبيات غارقة في العنصرية والكراهية. انحدرت هذه المجموعات انحداراً غير مسبوق خلال السنوات الماضية، انحدارا لم تسلم منه حتى القيادات ذات الخلفية الإسلامية، فحين قل الداعمون اتجهت بقوة لأعمال السلب والنهب، متحولة لمجموعة من قطاع الطرق وشبكات الإجرام، في حين تحوّل عدد كبير من عناصرها لمرتزقة ووقود للحرب الأهلية في جنوب السودان وليبيا، مع وجود شواهد تتحدث عما هو أكبر كالمشاركة في تهريب المخدرات والسلاح والمتاجرة بالبشر.
يؤكد تقرير الأمم المتحدة حول دارفور، الذي صدر بداية هذا العام كل ذلك. التقرير الذي أعده خبراء اعتبر أن المعارضة المسلحة بمعناها التقليدي قد تلاشت، سوى بعض الجيوب التي تمركزت فيها مجموعة عبد الواحد نور، في حين تحولت الجماعات الأخرى لعصابات إجرامية ومجرد مرتزقة. هل ستستمع هذه الحركات لصوت العقل، وتدرك أن طريقها الذي اتخذته لن يقود إلى أي مكان، أم أنها ستتقوى أكثر وستسعد بالتحول لورقة ضغط ضد السودان، تلوّح بها قوى دولية وأطراف إقليمية؟
كاتب سوداني
د. مدى الفاتح