حركة الشارع في بيروت هل تفضي إلى اقصاء الفساد لصالح الناس؟… مثقفون وسياسيون ومفكرون يقرأون في الحدث ايجابيات

حجم الخط
2

بيروت ـ «القدس العربي»: العيون شاخصة إلى وسط بيروت المشحون بحركة شعبية مناهضة لاستخفاف الحكومة، ومن سبقها من حكومات بأبسط مطالب الناس. اللبنانيون في الشارع لأن النفايات أزكمت أنوفهم. شكلت النفايات شرارة للحراك الشعبي. جاؤوا من كافة المناطق اللبنانية. أطفال، نساء، رجال وشباب كثر. رائحة النفايات المنتشرة في بيروت وضواحيها، وفي كل لبنان حرّكت مجموعة قليلة من المعترضين رغم تصدرها الصالونات، والموائد العامرة وحتى لقاءات الأحبة. تشكلت حركة «طلعت ريحتكم»، ومن ثم حركة «بدنا نحاسب»، وتالياً «عكار ليست مزبلة» وذلك رداً على قبول عدد من نوابها استحداث مطمر فيها. باختصار يرى البعض حقاً مثبتاً لدى المتظاهرين بالمناداة «يسقط حكم الأزعر»، ولا يرون حقاً مثبتاً للقوى الأمنية بممارسة العنف غير المسبوق بحقهم.
هنا مجموعة آراء لسياسيين ومثقفين لبنانيين رداً على سؤال «القدس العربي»: كيف تقرؤون في الحراك الشعبي القائم في وسط بيروت منذ اسبوعين.
خالج المفكر والباحث الدكتور جورج قرم في تحرك وسط بيروت «شعور مزدوجا، من جهة إيجابي ابتهاجي، لأن جزءاً من الشعب اللبناني تحرك أخيراً ضد الطبقة السياسية التي تدير البلاد وكأنها مزرعة خاصة بهم، وبطريقة سيئة للغاية، ومن جهة أخرى شعور بالخوف فهناك من يتربص هذه الحركة الشعبية، ليديرها، ليستغلّها، ليحرّفها لمصلحة مشروع سياسي ناتج عن الوضع الشائك السياسي والدستوري الذي استقر عليه لبنان منذ أكثر من سنة». وأضاف: من الواضح أن هناك مندسين في هذه التحركات، وفي آخر النهار. وكلما توسع التجمع نرى مندسين يقومون بأعمال شغب، ويستفزون قوى الأمن مما يؤثر بطبيعة الحال على التجمع، فيترك بعض المتظاهرين التجمع خوفاً من الفوضى ومن التعرّض للقمع الذي تقوم به القوى الأمنية. نحن بانتظار السبت المقبل حيث النداء الواسع للتجمع مجدداً في ساحة رياض الصلح، احتجاجاً على الحكومة التي أراها طبقة سياسية باتت تحتاج لطبابة نفسية، بعد أن وقعت في مرض التوحد. حكومة نسيت أن هناك شعبا لبنانيا يئن منذ سنين تحت ظواهر الاستغلال الكبيرة جداً، والحرمان من الكهرباء والمياه، من نظام معالجة النفايات، من نظام للنقل وغيره. يعيش لبنان الآن لحظة استحقاق العجز في إدارة النظام السياسي، ولهذا السبب أيضاً تُطرح العديد من الأفكار للخروج من هذه الأزمات، والعودة إلى الحياة الدستورية، وإلى التغيير التدريجي للنظام الذي انبثق من اتفاق الطائف منذ أكثر من 20 سنة. فأي نظام يتطلب تطويراً وتغييراً. إضافة إلى أن النظام الطائفي كشف مرة أخرى أنه نظام يولّد العجز، الفساد والإفساد. فهؤلاء الزعماء يختبؤون خلف كرامة الطائفة، كي لا يجرؤ أحد على مساءلتهم. ونحن نرى في دول أخرى كما العراق وما حصل بعد الغزو الأمريكي من توزيع البلاد إلى حصص طائفية متفاوتة. نخشى من هذه التقسيمات الطائفية والمذهبية المجنونة، والتي تساهم بتدمير النسيج الاجتماعي الديني إلى مجتمعات عربية عديدة. نذكر أيضاً اليمن ودولا أخرى جميعها تعيش في حالة تفكك مجتمعي، وبحالة طبقات حاكمة منغمسة في الفساد والافساد.
اعتبر الكاتب نصري الصايغ أن «الحركة القائمة في وسط بيروت هي تعبير عن غضب تأخر كثيراً. كان اللبناني قد بلغ درجة من التخلي والإستسلام، دفعته الطبقة السياسية إلى التسليم بأن البلد برمته لا شفاء منه، وأنه برمته ميت على قيد الحياة. الطبقة السياسية التي تدين بدين الفساد وتعتبر ذلك سياسة لا بد منها، وأن فسادها مبارك من «جمهورها» الطائفي والمذهبي، والمحصّن بالدعم الخليجي والارتهان الخارجي، أوصل لبنان إلى العجز التام. لا كهرباء، لا ماء، لا بيئة نظيفة، لا عدالة، لا تنمية ولا أفق مفتوحاً أمام الأجيال الجديدة، إضافة إلى سرقة الأملاك العامة على الشاطئ اللبناني الخ.» وتابع: أزمة النفايات أصابت اللبناني التابع لقطيعه المذهبي، وأصابت اللبناني الصامت والمتمرد، أو الطالق من أي انتماء سياسي. جاءت لحظة العصيان لتبرهن أن هناك فسحة أمل. إن «الطبقة الفاسدة» ليست قدراً، وأنه يجب أن تستعيد السياسة أخلاقها عبر تعبيرها عن مصالح الناس، وصيانة حقوقها، جاء الحراك ليعيد الضمير إلى السياسة… واليوم أمام اللبنانيين الخيار الوحيد، إما أن يكونوا مع حركة الشارع بما يعنيه من انتماء، أو يكونوا مع «الطبقة السياسية الفاسدة». الأيام المقبلة قد ترسّخ مساراً يفضي إلى انتزاع مكاسب لمصلحة الناس، ومزيداً من تعرية زعماء الســيـاســة، والمذاهب والطوائف في لبنان.
ذكّر الشاعر بول شاوول أن 14 آذار حررت الشارع، وقال: كانت المظاهرات محرّمة أيام الوصاية السورية. وإن سوّل البعض لنفسه بالتظاهر كانوا يأتون بالأحباش مع العصي والسكاكين لقمعهم. الأهم حالياً أن الشارع تحرر وليس لأحد قدرة اغلاقه كما يحاول حزب الله. هو عدو الشارع ويخاف من الناس. وكل حزب مسلح يخاف من الناس. ولهذا افلت حزب الله سرايا المقاومة على المتظاهرين وحطّموا الأملاك العامة والخاصة في الوسط وسرقوها. وليس أفراد من حركة أمل من قام بهذا الفعل، بل سرايا الغستابو الذين يحملون وشماً طائفياً ويهدفون للفتنة في لبنان. عبثاً يفعل حزب الله، لن يستطيع مصادرة الشارع كما فعل شقيقه بالروح بشّار الأسد. من يحارب مع نظام البراميل لا يحق له الكلام في الديمقراطية. في المبدأ لمن يتواجدون في وسط بيروت الحق بالتظاهر السلمي. التظاهر السلمي يعزز الديمقراطية في لبنان، إنما سلاح حزب الله هو المشكلة. مظاهرة (الأمس) «الثلاثاء» كان يتصدرها زاهر الخطيب، والحزب الشيوعي حيث شاهدت صديقي محمد قاسم وحركة الشعب. لهؤلاء حق التظاهر، رغم أن نجاح واكيم من مؤيدي النظام السوري الذي قتل حتى الآن 400 ألف سوري. في الختام رفض شاوول أن يكون من فريق 14 آذار وقال: اتقاطع معها ضمن ما تطرحه حول السيادة والحرية والدولة. وسبق وتقاطعت مع حزب الله عندما قاوم إسرائيل وأيدته، ولست مع ولاية الفقيه.
عبّر الشاعر محمد علي شمس الدين عن يأس متناه وقال: يمكن القول أن المحتجين في وسط بيروت تحركوا أو استيقظوا متأخرين قليلاً، فيجب أن يكون الغضب قديماً في وطن أسوأ ما فيه حُكّامه، وأسوأ ما في حكّامه الشعب. فكما تكونون يولّى عليكم. هذه السلطة العريقة في الفساد، والمتمثلة بالسلطتين التنفيذية والتشريعية معاً، وتتبع لها السلطة القضائية، وكذلك الإدارة، حيث الفساد عريق ومتجذر في التراب كأي سنديانة في الجبل. الحاصل أن الفساد محصّن بالشرخ المذهبي والطائفي الموجود في البلاد. من العبث قيام حركة في الشارع. في رأي ليس في لبنان دولة ولا وطن. لبنان بضعة أفراد مبدعين. وما تبقى طبيعة وشمس وهواء وبحر لوثه الناس والسلطة. الناس فاسدون لأنهم يعيدون إنتاج هذه السلطة في مواعيد محددة. بكل بساطة ليس لي وطن. وهذا الحراك فقاعة كما سواه. حتى المقاومة التي حمت لبنان ففي البحث عن جذورها لا أستطيع القول أنها نتاج الشعب اللبناني، فليس لدينا شعب في لبنان، بل شِعب متشعّبة. أنا في نقطة أبعد من اليأس. قال المبدع جبران «لكم لبنانكم ولي لبناني»، ونحن لنا لبنان آخر.
وجد النائب السابق سمير فرنجية في الحراك الشعبي «تعبيراً عن حالة قرف لدى الناس. عن حالة رفض الاستسلام للأمر الواقع». وأضاف: نزل هؤلاء إلى الشارع بمعزل عن انتماءاتهم السياسية. هو أول تحرك في الشارع اللبناني منذ زمن طويل. هذا الحراك تجاوز بمعنى ما الحالة الطائفية القائمة في لبنان. من يتظاهرون في ساحة رياض الصلح ينتمون لكافة أطياف لبنان. هو حراك له صلة وشبه بما حصل في العراق اعتراضاً على انعدام الكهرباء ومن ثم سيادة الفساد. جرى هذا في العراق في لحظة انقسام المجتمع بشدّة مذهبياً. في لبنان كان للنفايات دورها، وكأنها أعلنت سقوط النظام الطائفي. هو نظام قائم على الزبائنية، وتوظيف كافة موارد الدولة لأغراضه. لدى شباب الحراك الشعبي وعي شديد لهذا الواقع. ليس للقوى السياسية أن تستوعب حجم هذا التحرك سريعاً، يلزمها وقت. ربما توقف هذا التحرك، إنما هو ترك وعياً لدى اللبنانيين بضرورة الإمساك بمصيرهم. هذا مهم جداً. في حين كانت حوارات الناس تشير إلى حل بين الولايات والمتحدة وإيران يؤدي لحل في لبنان. أي تسليم المصير الوطني لإعتبارات خارجية، في حن أن الحراك ردّ الأمور إلى الداخل. مع اختلاف الأحجام هو حراك يشبه حراك 2004 الذي مهّد لحراك أكبر.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية