«حركة 65» المغربية استرجاعا للهوية: التشكيلي محمد المليحي… الأنثى أمواجا

حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»:
كلّ موجة،
هي ملاح قديم
مات غرقاً
هل تَغرق الموجةُ
في نفسها؟–
مبارك الراجي

وقفة تاريخية: حركة 65

إن أي محاولة للحديث عن التشكيل المغربي المعاصر، أو البحث فيه، تستوجب بالضرورة والإلزام الحديث عن حركة/جماعة، كان لها إحداث منعطف صارم وجاد في التاريخ التشكيلي- الفني المغربي.. حركة 65، وهي حلقة فنية تشكلت بين 1964 و1969 داخل مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء. جاءت تتغيّا إعادة النظر في الفعل البصري داخل فن الرسم المغربي. وإحداث استقلالية تامّة عن المستعمر الغربي، الذي حاول طمس الهوية المغربية الخاصة، وجعل الفن المغربي تابعا له لا مستقلا بذاته.
من داخل المسألة نفسها، يقول الفنان التشكيلي المغربي الراحل محمد شبعة، أحد أعضاء هذه المجموعة: «وقعت قطيعة بيننا وبين تقاليدنا في حقبة سلبية متعلقة بمرحلة سياسية تاريخية معروفة. فقد أراد النظام الكولونيالي في مدارسه أن يُبْعدنا عن تراثنا وعن تقاليدنا الثقافية والفنية، بمحاولة استبدالها بقِيَمِه الخاصة. وفي مجال الفنون التشكيلية، أقحم تصوير الحامل باعتباره الوسيلة المثلى والوحيدة للتعبير التشكيلي. كما تمّ استيراد النحت التشخيصي والأكاديمي في الاتجاه نفسه (…) كنا في هذه الحقبة بعيدين عن أن نرى في واقعية المعمار المغربي، في جدران الزليج، في الجبص المرصع والخشب المنقوش، في زرابي زمّور وكلاوة، في الخزف، في جميع أشكال التعبيرات التقليدية الوطنية أعمالا تشكيلية مستقلة، فنا بصريا خاصا، أو فنا يستطيع أن يتخذ في مجمله قيما تشكيلية عالمية (…) كان لدينا الانطباع بأن الفن يبدأ عندنا مع ظهور اللوحة. («أنفاس» العدد المزدوج 7/8 ص 38).
بعد الاستقلال مباشرة عن الحماية الفرنسية، كان لزاما وجود فنان تشكيلي منفتح على كل الأشكال الثقافية والاجتماعية، انفتاح يتوجّب فنانا- مثقفا، عارفا بالخطاب الثقافي والفني.. هذا الخطاب كان لا بدّ له من مساحة طرح.. لعبت مجلة «أنفاس»، إلى جانب صحف أخرى، دورا مهما في هذا الطرح.. إذ تبنى الكتاب والفنانون التشكيليون المنخرطون فيها التنظير إلى الحداثة الفنية (التشكيلية) التي تعي مستقبلها البصري والفني.
كانت تضمّ الحركة جناحاً فنياً يتألف من فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة ومحمد أطاع الله ومصطفى حميدي، وجناحاً تنظيرياً ونقدياً يضم كل من توني مارايني وبيرنت فلانت. وأخذت المجموعة لبوس حركة طليعية لها مروياتها الكبرى ونسقها المعياري ونظريتها الجمالية، وأنتجت ما أنتجته من أعمال فنية ودبّجت ما دبّجته من مطبوعات وبيانات بوصفها قوة تاريخية حاملة لبديل إستيتيقي جديد، أنتلجنسا جمالية قادرة على رسم كارتوغرافيا للفعل الإبداعي الخلاق. وككل طليعة فنية عملت حلقة البيضاء على تحويل «الحلقة الفنية إلى حقل لمعركة جمالية وإيديولوجية»، كما يقول دينيس ريو، فعرض أعضاء الحلقة أعمالهم في الساحات العمومية (تجربة جامع الفناء سنة 1969)، وعملوا على تثوير بيداغوجيا الفنون وتحديث مناهجها وبرامجها ومواثيق تلقيها الجمالي، وجعلوا من التجريد الفني وسيلة للإيغال في خرائط المعنى وتشكيل اللامرئي وتحويل ما ليس مرئيا إلى حقل الرؤية الفنية. ولأن الطليعة حسب ماياكوفسكي هي «جبهة يسارية للفنون»، فلقد وجدت طليعة البيضاء نفسها، تنخرط كقوة تقدمية وتنويرية في موجة «أنفاس»، وفي مختبرها الجمالي من أجل تغيير المجتمع وتثوير قيمه الذوقية وبنياته الذهنية وعلاقات الإنتاج المادية والرمزية فيه. وعملت حلقة 65 على مناهضة فَلْكلَرة (جعلها فولكلور) الثقافة المغربية. (محمد الشيكر-50 سنة من الفن التشكيلي في المغرب)

محمد المليحي: أمواج الهوية

عمد محمد المليحي رفقة أصدقائه في الجماعة، إلى إدراج المنظومة الإستيتيقية المغربية النابعة من الهوية والتراث المغربي الخالص، ضمن المدارج العالمية. من دون نسيان الإيغال في الحداثة وتجديداتها. استطاعت مجموعة 65 ومن اصطف في صفها، أن تتمسك بأسباب التراث من غير أن تضحي بهالتها الطلائعية والحداثية، كما يقول محمد الشيكر.
هنا ستقف عند اسم من أهم تلك الأسماء التي شكلت منعطفا مهما في التاريخ التشكيلي المغربي، إذ أن أعمال محمد المليحي البصرية أو أمواجه الهندسية تندرج بشكل مباشر ومن دون أي بحث قبلي أو باطني، ضمن التجريدية الهندسية، انطلاقا من تلك التي عمل عليها مباشرة مع عودته من أمريكا (1962-1964). هذه التجريدية التي تجعل من العلامات والرموز والحركات المستوحاة من تراث الوشي والوشم والتطريز والعمارة، أو تتوسل بهندسة اللون وتعويمه في خطوط وتوريقات ومويجات ودوائر محملة بالحركة والنسقية والإيقاع.
إبّان عودته من الولايات المتحدة الأمريكية، التحق محمد المليحي بمدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء عام 1964، ليمارس التدريس ويؤسس محمد المليحي الفوتوغرافيا تحت إدارة الفنان فريد بلكاهية. كما تكلّف بالجانب الفني في مجلة «أنفاس» (1964-1969). من بعد تجربة مجلة «أنفاس» أسس محمد المليحي مجلة «أنتغرال» Intégral سنة 1970.
أعمال المليحي التي تتخذ الحركة البصرية، لا تتكئ على الفن الحركي في شقه الثلاثي الملموس والتجهيزي، بل تعتمد على حركة عينية منطلقة من بصر المتلقي، حركة تعتمد على حساب رياضي للأمواج المسكوبة ألوانا فاتحة على القماش. حركة تبتغي دينامكيتها من تموجات الألوان المتدرجة، إحالة جمالية إلى جسد الأنثى بشكل تدريجي عميق، يعتمد التدوير (الدائرة) على التشخيص المباشر وغير المباشر. إذ أن الأنثى من أكثر اهتمامات محمد الملحي التوظيفية/الجمالية داخل العمل لديه. فالتموج الملتهب (العمودي خاصة)، كما يقول الزميل بنيونس عميروش، ترميز لجسد المرأة كذلك، المرأة المشتعلة، حيث الانحناءات ترسيم مُؤسلِب للعنق والنّهد والخصر والرّدْف (شكل جسم الأنثى في وضعية وقوف جانبي profil)، من ثمة، يبعث التموج الخطي على البعد الشهواني، إذ تبقى المرأة من أهم الاهتمامات الجمالية عند الفنان، حيث تتآلف العناصر والتلاوين لصالح التكوينات التي تفسح انْسياب المنحنيات، وتُعقلِن ازدواجية الدوائر ليكشف الكلّ عن حدّة الإيحاء الأنثوي المضاعف عبر الأشكال العُضوية الواضحة والملتبسة في آن.
أعمال محمد المليحي التي تأخذك جبرا وإرادة إلى أفقها السديمي، حيث تتشكل النجوم تلك التي يرصع بها أحيانا لوحاته، موظفا إياها عبر تلك اللطخات البسيطة المدروسة سابقا، عبر اللون الأصفر على الأزرق السماوي، إذ أن اللوحة عنده لا تتبع العفوية في التجريد، بل هي أشكال مدروسة سابقا ومختمرة في بال الفنان. وهذا واضح في تلك المقاسات والمنحنيات والخطوط الرفيعة التي تفصل بين كل لون وشقيقه. قد يكون المليحي قد سافر بين الأساليب الفنية المتعدد التي وظفها في أعماله بمختلف حِقبِها، كما سافر من قارة إلى قارة ومن حضارة إلى حضارة، إلا أنه استقرّ ببلده الأصل، كما استقرّ على تلك الأمواج الصباغية كما التشكيلية (على الخشب مثالا) في أعماله الممتدة من عودته من أمريكا إلى يومنا هذا.
اشتغال دؤوب على هذه الثيمة لا يعني عنده الثبات، بل هو حركة في الدائرة نفسها، حركة لانهائية كما يرى أصدقاؤنا المتصوّفة. هذه الحركة التي تجعل من نقطة ما مركزا لها ولاهتماماتها، تحوم حولها في حركية لامتناهية. حركية تبتغي التركيز على الذات. الذات عنده تتمثل في الأنثى كرمز استيتيقي ولاهوتي كما تاريخي للبقاء والخصوبة والعطاء، هذه أيضا رموز الطبيعة.. الطبيعة الحاضرة بشكل مباشر من خلال الأمواج الموظفة داخل أعماله.
أعمال المليحي لا تبتغي العفوية العبطية في الفن، واللطخات اللامدروسة، أو اللامعنى داخل العمل. إنه ينطلق من فكرة مسبقة مبنية على الهوية والتراث. ما يجعل منه متفردا بين مجيليه. ولا يتوقف عمله عند صباغاته أو تشكيلياته، بل يتعداه إلى الاندماج الفعال داخل دائرة العمل الجمعوي، إذ يشتغل رئيسا للجمعية المغربية للفنون التشكيلية. اشتغالٌ هدفه البحث الدائم على التجديد الفني داخل الحقل الاستيتيقي المغربي. وقد جاء المليحي رفقة أصدقائه في الحركة ومن تلاهم إلى القضاء على مفهوم المرسم، كفضاءٍ ضروري ليُبدع الفنان، فأخرجوا اللوحة إلى المساحات والفضاءات العامة، وهو القائل: «لستُ في حاجة إلى أن أكون داخل مرسمي، أو أُصَوِّر كي أحسّ أنني فنان. يمكن أن يكون المرسم مكاناً للتركيز أو مكاناً للاستبطان. ليس المرسم غاية في حَدّ ذاته».

عزالدين بوركة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية