حركيّة الذّات والوجود في ديوان «طيف بلا ظلّ» للبنانية ليندا نصار

حجم الخط
0

يشكل الشعر بوصفه فنّاً رؤية خاصّة إلى الحياة والكون والفنّ، وبالتّالي فإنّه موقف من الوجود يحمل بذور مواجهة كيانيّة، عليها يتوقّف الحضور الفعليّ لذات الشّاعر ليس فرداً فحسب، بل وجوداً جماعيّاً.
من هذا المنطلق، يصبح الحكم على العمل الأدبيّ واجباً على هذا المستوى، ويصبح حضور الرّؤية الخاصّة الواعية لمسائل الوجود مقياسا من مقاييس قيمة النتاج الشّعريّ على وجه الخصوص. بناءً عليه، يمكننا أن نقرأ ديوان «طيف بلا ظلّ» لليندا نصّار من وجهة حضور الرّؤية الخاصّة بالشّاعرة في مواجهة العالم، ومن منطلق قدرتها على حمل البعدين الفرديّ والجماعيّ على حدٍّ سواء، فإلى أيّ مدى هجست رؤية هذا الدّيوان بهمّ الوجود الذي تختزنه الذّات فرديّاً واجتماعيّاً؟
الحضور المحوريّ للذّات:
نلاحظ في الدّيوان حضور الذّات على نحوٍ محوريٍّ؛ إذ أنّ ضمير المتكلّم، وإن لم يظهر في العنوان، فهو يشكلّ شبكةً من الخيوط العنكبوتية، التي تمتدّ بين النّصوص لتجعلها مترابطةً بمحور الذّات الذي يهيمن لدى نصّار. ولا بدّ من الانتباه إلى طغيان النّزعة الفرديّة على إيحاءات هذا الضّمير، مع حضور نزعةٍ إنسانيّةٍ تضفي عليه بعض الأبعاد الجمعيّة. ومن ذلك تصريحها:
وجرحي تراه ذليلاً يضيق
ومثلي تراه أسير المكان
فتواؤم الجملة الإسميّة مع ضمير المتكلّم حدّد محور الكلام، غير أنّ الذّات ليست حيّزاً سلبيّاً ينفعل بالمحيط فحسب، وهو ما نلحظه في موضعٍ آخر من الدّيوان:
ألامس فجرًا
وأخلع ليلاً
أعانق ثيابك
وألثم روحك
أشمّ غيابك
تتابع الأفعال في المقطع السّابق (ألامس- أخلع- أعانق- ألثم- أشمّ) يوحي بأنّ الذّات أصبحت فاعلاً أيضاً، ويؤكّد ذلك أنّ هذه الأفعال تتّصف بكونها حركيّة الطّابع. استناداً إلى ذلك، نرى أنّ الذّات هي منطلق الرّؤية التي يصدر عنها الدّيوان، وهي في تفاعلها مع محيطها تتّخذ بعدين: سلبيّ منفعل يتلقّى تبعات الواقع وقسوته، وإيجابيّ يسعى إلى أن يفعل في ذلك الواقع، إلاّ أنّ طبيعة هذه الذّات تبقى غير واضحة ما لم ندرك معالمها وطبيعة علاقتها بالآخر وبالمجتمع.
البعد الرّومانسيّ:
من السّمات التي قد نقع عليها في الدّيوان، النّزعة الرّومانسيّة الظّاهرة لدى الشّاعرة بشكلٍ واضح؛ إذ تبرز من خلال عنصرين أساسيّين هما: وحدة الذّات ومشاعر الحنين التي تسيطر عليها. إذ يمكننا أن نقرأ:
في المطار الأوّل،
في المحطّة الأخيرة
هناك مَن مرَّ على قلبي
تاركًا عتاده…
وعند المحطّة نفسها
انتظرته ليغيب
لأصنع منه تمثالًا
أجسّده بكلمة،
انتظرته لأصنع منه عجوزًا لنفسي
عمره الباقي عمري،
أحرص لئلّا يموت
أمرّ على جرحه
عند المحطّة الأخيرة…
يمكننا أن نجد هنا بروزاً لشبه الجملة الدّالة على المكان، التي ابتدأ بها المقطع وانتهى بها. وحضورها في هذا السّياق إلى جانب ضميري المتكلّم المفرد والغائب المفرد للمذكّر، يعطي إيحاءً بعمق الحنين المسيطر على ذات الشّاعرة. أمّا الشّعور بالوحدة فتعاني منها الذّات بسبب بقاء هذا اللّقاء بين المتكلّم والغائب في ذهن الأنا فحسب، بدون تحقّقه في الواقع.
ويتمظهر البعد الرّومانسيّ على نحوٍ أوضح حين نرى صراع الضّمائر يتّخذ موقعه بين ضمير المتكلم المفرد التّابع لذات الشّاعرة وبين ضمير المخاطب المفرد المذكّر المجسّد للطّرف الآخر أو للحلم، وذلك في ما يأتي:
مهلك أنت
ثلاثون عامًا
وأنا ما زلت في طور الحبو
وبي أمل
أن سوف تجيء يومًا
أتجرّع من ذاتك
وذاتك ذاتي
أتسلّل إليك
وأخلع أنا منّي
فنغفو في سكينة المرايا
نلاحظ أنّ النّزوع الرّومانسيّ متغلغل في زوايا الدّيوان، وهو نزوع أصيل في ذات الشّاعرة لأنّ ظهوره قائم على مشاعر صادرة من عمق تلك الذّات محورها حال الوحدة التي تسيطر عليها، إلى جانب حال الحنين المضطرمة فيها. ويعضد ذلك ورود بعض المفردات ترتبط برموز رومانسيّة معروفة ومنها: (جرح- قلب- يغيب- أمل)، وكلّها تعزّز المنحى الرّومانسيّ شعر نصّار. غير أنّ هذا الحضور الذي يتّسم بالفرديّة، مع طغيانه في مواضع مختلفة من الدّيوان، لم يكن هو المنحى الوحيد، إذ أنّ طبيعة الذّات لدى الشّاعرة تأخذ بالتّطوّر في بعض المفاصل المهمّة لتّتخذ حضوراً إنسانيّاً من نوعٍ آخر، ألا هو الوجوديّة.
الوجودية:
بالقراءة المتمعّنة في صفحات الدّيوان، يمكننا أن نعثر على هجس بالمصير الكلّي للإنسان وعلى قلقٍ من طبيعة وجوده، وهو ما يأخذنا تلقائيّاً نحو تفكير بقيمة الإنسان وأهمّيته على المستويين الفرديّ والاجتماعيّ، وبالتّالي بطبيعة الزّمن المحيط به وما فيه من تبعات تشوّه حياته وذاته على حدٍّ سواء. وفي هذا الإطار، نرى مستوى أوّل من هذه الوجوديّة في أثر الإنسان وحضوره ضمن هذا الوجود، وهو الأمر الذي يمكن أن نقرأه في عنوان القصيدة التي حملت عنوان الدّيوان «طيف بلا ظلّ»، حيث نجد أنّ الذّات تلبّست صورة الطّيف وهو ما يعني ابتعاداً عن الحضور المادي الفعليّ؛ أمّا أن يكون هذا الطّيف بلا ظل، فيدلّ على أنّه بلا أثر.
وفي مكانٍ آخر من الدّيوان، نرى الوجوديّة تتّخذ منحًى آخر يربط بين الزّمن الرّاهن والذّات، فرؤية الشّاعرة تظهر مدى الضّغط الذي يمارسه هذا الزّمن عليها، ما يجعلها في قلقٍ مستمرّ من ناحية حضورها العمليّ والإبداعيّ:
زمن الصّور أطاع الهزائم
ومدينة الضّحايا
ألهمت ريشتي
ولو حاتي باتت حذرة
وجرحي جسور
راح يلملم
لفتة غامضة
يمكن للقارئ هنا أن يجد حضوراً لنوعٍ من الثّنائيّة بين الزّمن والمدينة من جهة وبين الذّات المبدعة من جهةٍ أخرى، ومن خلال أسلوب أنسنة الموجودات بفعلي الإطاعة والإلهام تمكّنت الشّاعرة من إبراز الضّغط الذي يمارسه زمن الضّياع إلى جانب المكان المشوّه، وأعني المدينة، على الذّات الإنسانيّة المبدعة. غير أنّ ردّ الفعل من قبل الذّات لم يكن الاستسلام، بل كان إيحاءً بالإبداع الذي اتّسم بالحذر (حذرة) والألم (جرحي) والغموض (لفتة غامضة)، وبالتّالي فإنّ تلك الذّات آثرت الثّبات والصّمود، مندون أن يتحوّل فعلها إلى مواجهةٍ فعليّة، إلاّ أنّها لم تستكن لمصيرٍ سوداويٍّ تفرضه عليها قسوة هذا الوجود. إلاّ أنّ مواجهة المصير الوجوديّ لم نره سوى في موضع أوحد أرادت من خلاله الشّاعرة إظهار المصير الإنسانيّ الأكثر رهبةً، أي الموت، وقد بات عتبةً عابرةً أضعف ممّا يظّنه النّاس:
هو مضى واعتلى العبور
اجتاز ضفّة الموت
وتكهّن عند عرش مَن لا يمضي
مَن لا يقلقه موت الأجساد
ترك هويّة الموت ليرتقي
أنجز وعدًا
أكمل رحلة فاكتمل طيفًا
نزح إلى خطى الوصايا
وعلى هدأة الزّمان اعتلى البداية…
نلاحظ تكرار لفظة (موت) ثلاث مرّات، في مقابل حقلٍ معجميٍّ من يفيد التجاوز والاكتمال (اعتلى- اجتاز- يرتقي- أنجز- أكمل- اكتمل) وهو حقل يتضمّن أفعالاً إراديّةً تعطي تفوّقاً على الموت.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الضّمير المسيطر هو الغائب المذكّر المفرد (هو) الذي يبتدئ به المقطع، وفي ذلك دلالة واضحة على الإيحاء بأنّه المثال أو القدوة، ولم تربط نصّار هذا الفعل بضمير المتكلّم لأنّه فعل تمّوزيّ من نوعٍ استثنائيٍّ يقتضي إرادةً استثنائيّة قد تكون هي ما تزال في طور سعيها لتحقيق نموذجها أو تمّوزها وبالتّالي في إلقاء الضّوء على مثل هذا المثال للقرّاء.

٭ كاتب لبناني

حركيّة الذّات والوجود في ديوان «طيف بلا ظلّ» للبنانية ليندا نصار

لؤي زيتوني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية