حروب على الورق

حجم الخط
0

القول الأكثر كرها الذي يمكن أن نتصوره في هذه اللحظة هو ايضا الممجوج الأكثر تآكلا، ولكنه الأصح في الحالة التي أمامنا. احيانا يكون المصاب بجنون الاضطهاد محقا ايضا، فهو مضطهد حقا.
السؤال في هذه اللحظة ليس اذا كانت دولة اسرائيل مضطهدة عن حق او عن غير حق ـ الحقيقة هي انهم يضطهدونها. فتقرير لجنة التحقيق في الامم المتحدة لفحص احداث حملة الجرف الصامد هي مجرد عرض واحد من اعراض مرض اضطهاد شديد، وليس من الاعراض الاشد. فقد اجتزنا فرعون، وسنجتاز ايضا هذا التقرير. صحيح أن أرشيف وزارة الدفاع يفيض على ضفتيه، ولكن لا يزال هناك مكان في جواريره لتقرير آخر كهذا. ومع ذلك، يخطيء من يقول «حمدا لله ان تخلصنا» فيتجاهل ما كتب، وبالاساس الاجواء العالمية حولنا: العالم تغير. نحن ايضا، ولكن لا نزال لا نفهم جيدا ماذا يحصل هنا.
هذا التقرير، مثل تقارير كثيرة سابقة ومماثلة، كتبها اناس لم يسبق لهم أن كانوا في ميدان المعركة. وهو من شبه المؤكد كتب في غرفة مكيفة، تحت إنارة مريحة وسليمة، لا تشبه على الاطلاق الجو السائد في ذروة الاشتباك الناري. ليس فيها خوف، مفاجأة، خصم مرير وشديد مضاد، مدنيين أبرياء يشغلون عبوات ناسفة كبيرة متتابعة قرب النافذة. كيف نعرف ذلك قبل ان يرى التقرير النور؟ هكذا هي تقريبا كل التقارير. حكمة في نظرة إلى الوراء تشدد النقد. روح الـ «لو» و «اذا» تلعب دور النجم على مدى الصفحات.
ومع ذلك، رغم النقد على النقد، يتبين بان العالم يحلم الان بحروب نقية. خبراء القانون والقضاء الدولي يريدون حربا مثلما في اللونا بارك. بدون نار، بدون دخان، بدون خوف، مع الكثير من الحذر. صيدلية حقا.
للخبراء الدوليين توجد على ما يبدو شكاوى على جنود الجيش الاسرائيلي وقادته: في الطريق من هنا إلى هناك، من الجانب إلى الجانب الآخر، قتل مدنيون، والاسوأ من ذلك الكثير جدا من الاطفال. القلب يتفطر على كل «غير مشارك» ـ تعريف آخر يجب أن يختفي من العالم ـ حملات وحروب كانت ولا بد ستكون، ولكن يجب أن نتذكر بان غزة ليست الصحارى الفارغة لشبه جزيرة سيناء. الغزيون يحققون ارقاما قياسية في الولادة عالميا، شوارعهم مليئة بالاطفال، وبعضهم دخل منذ الان إلى أساطيرهم البطولية، مثل أطفال الـ «آر.بي.جي» في حرب لبنان الاولى.
هذا لا يعني أنه يوجد مبرر ما لقتل المدنيين والاطفال. يجب عمل كل شيء، ولكن كل شيء، من أجل الامتناع عن اطلاق النار على الابرياء. ولا يزال، كان بودي أن اكون مع كُتّاب التقارير على أنواعهم في اللحظة التي تطلق عليهم نار دقيقة ـ ماذا كانوا سيفعلون كي ينقذوا حياتهم؟ الجواب هو انهم كانوا سيطلقون النار كالمجانين. نعم، حتى على المدنيين والاطفال. الأمريكيون، مثلا، أخذوا حياة 5 الاف (وهناك من يقول: 15 الف) بنمي كي يصلوا إلى الحاكم تاجر المخدرات الجنرال نورييغا. كلهم، بالمناسبة، مدنيون أبرياء، والكثيرون منهم أطفال.
ماذا يعني هذا؟ أن الحروب ستكون دوما ذات الحروب للحياة وللموت. وفي الحروب التالية ايضا ستؤخذ حياة أبرياء. يجب عمل كل شيء يمكن عمله للامتناع عن المس بالمدنيين. ولكن اذا كان الخيار هو نحن ام هم في الحرب ـ سيكونون هم من سيعلقون في ميدان المعركة. هذا صعب. بل انه يبعث على القشعريرة. ولكن هذه هي الحقيقة.
الاستنتاج لدى المستويات السياسية والعسكرية العليا يجب أن يكون مختلفا تماما: عمل كل شيء من اجل الامتناع عن الحرب، واذا لم يكن مفر وكان يجب الخروج اليها، فتخطيطها بحيث أن سبل الاندلاع وسبل القتال تكون بشكل تمنع فيه معارك زائدة. كيف يمكن عمل ذلك؟ افضل حليبنا ودمنا نستثمره على مدى سنين جيل في جهاز الامن، وهو ملزم لنا بجواب.
في هذه الاثناء سنبقى نكون مصابين بجنون الاضطهاد ونؤمن بكراهية اسرائيل ـ بالفعل يكرهوننا، وينبغي عمل كل شيء كي لا نعطي اسبابا لذلك.

يديعوت 17/6/2015

ايتان هابر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية