«حزب الله» استفاد من تجربته في سوريا وتعلم أساليب الحرب التقليدية وأصبح جزءا من محور طهران… واستقالة فلين لن توقف الأزمة وأسئلة حول تأخر ترامب بطرده

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: سيحمل مايكل فلين، مستشار الأمن القومي الذي أجبر على الاستقالة من منصبه يوم الإثنين شرف أنه طرد عندما عمل مسؤولا عن الاستخبارات العسكرية في إدارة باراك أوباما وطرد مرة ثانية في إدارة دونالد ترامب.
واعتقد الأخير أنه بطرد مستشاره الذي «فقد ثقته» سينهي الملف ويغلق الجدل سواء حول اتصالات فلين مع السفير الروسي ومناقشته العقوبات المفروضة على روسيا أو لأنه لم يقل الحقيقة الكاملة لنائب الرئيس مايك بينس. إلا أن الملف لم يغلق ولا تزال التسريبات تخرج تباعا وتكشف المهزلة كلها عن «العجز وكذب» البيت الأبيض وأنه ليس جاهزا لحماية الأمة، كما تقول صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها.
وقالت إن التناقض في رواية فلين وتحذيرات وزارة العدل من أنه قد يكون عرضة للابتزاز الروسي لم تكن كافية كي يتحرك البيت الأبيض ويتخذ إجراءات طالما ظل الحادث بعيدا عن أعين الرأي العام الأمريكي.
واعترف البيت الأبيض بأن الرئيس كان يعرف بالخداع الذي مارسه فلين مع أنه قال يوم الجمعة إنه لا يعرف بالقصة. وتقول إن مايكل فلين «رجل يتصرف بجنون وأيديولوجي لم يكن يصلح للمنصب في المقام الأول». وتضيف إن تمسك ترامب بشخص «ساقط» في موضوعات حساسة كهذه لا يمكنه وصفه إلا بكونه فشلا ذريعا وبقي فلين حتى يوم الإثنين مطلعا على الأسرار الحساسة.
ورغم كل هذا ركز البيت الأبيض على أن سبب استقالة فلين جاءت لأنه لم يقل الحقيقة، ومن هنا فقد يكون عرضة للمحاكمة. وبالإضافة لهذا فقد كشفت التقارير التي نشرتها «نيويورك تايمز» أن فريق ترامب كان على اتصالات عدة مع مسؤولين أمنيين روس في عام الانتخابات.
وكان فلين على اتصالات مع السفير الروسي سيرغي كيسلياك أثناء الحملة الانتخابية وبعدما قام الرئيس باراك أوباما العقوبات على روسيا في 29 كانون الأول/ديسمبر حسب تقارير أمنية ومسؤولين أشارت إليهم صحيفة «واشنطن بوست» في تقريرها الذي كشفت فيه عن علاقات فلين بالروس. كما أن المدعية العامة بالنيابة، سالي ييتس اعتبرت المكالمة بأنها «مهمة» و«غير قانونية» بموجب قانون لوغان والذي يمنع المواطنين التدخل في الخلافات الدبلوماسية مع دول أخرى.
وظل البيت الأبيض ومتحدثه شون سبايسر يؤكدون أن فلين لم يناقش العقوبات بل وقال سبايسر إن مستشار الأمن القومي الطريد أكد له أن الموضوع لم يكن محل نقاش. ولكن ييتس وبالتوافق مع جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي) أخبرا مستشار البيت الأبيض دونالد ماغاهان ما جرى في الحقيقة.

ثقوب في الرواية

وهنا تطرح الصحيفة عددا من الأسئلة، هل هناك من أعطى فلين الضوء الأخضر كي يقوم بالاتصالات ولماذا لم يقم ترامب بالتحرك ضده عندما ناقش موضوع العقوبات مع أنه لم يتسلم بعد المنصب. كل هذا يدعو البيت الأبيـض للتحـرك.
وتشير هنا لموقف الجمهوريين اللامسؤول خاصة من التدخل الروسي في الانتخابات. وتذكر أن الجمهوريين قاموا بشجب هيلاري كلينتون ولأكثر من عامين لأنها استخدمت بريدها الألكتروني الشخصي والذي كان تصرفا خاطئا لكنه لم يعرض الأمة للخطر. وقاموا بثمانية تحقيقات عبثية ودور كلينتون كوزيرة للخارجية بهجوم بنغازي عام 2012. أما الآن فيبدو أن الجمهوريين عازمين على مساعدة ترامب كي يخفي الحقيقة وعدم التحقيق بعمليات القرصنة التي قام بها الروس والمحاولات الأخرى للتأثير على انتخابات عام 2016 وكذا علاقات ترامب مع الروس وتقاربه مع الرئيس فلاديمير بوتين.
وتذكر الصحيفة ترامب بواجبه الآن وهو تعيين مستشار أمن قومي جديد، مشيرة إلى أن أسابيعه الثلاثه في البيت الأبيض شهدت أزمة بعد أزمة وتميزت بالكذب المستمر والعجز وربما أسوأ. ومن هنا فمن آثار الأزمة داخل البيت الأبيض هي تشدد الإدارة في مجال العقوبات على روسيا، حيث ستظل قائمة على المدى القريب.

امتحان

ويرى روجر بويز أن ترامب الذي يواجه فوضى داخل إدارته قام ببناء علاقات استراتيجية مع كل من بريطانيا واليابان وإسرائيل ووضع الملفات التي تؤدي للخلاف مع الحلفاء جانبا ولم يعد الرئيس يتحدث عن سياسة واحدة ضد الصين.
ولم يبق أمامه سوى ملفين متفجرين هما كوريا الشمالية وإيران. ويعتقد بويز بمقالته التي نشرها في صحيفة «التايمز» أن الكيفية التي ستتعامل فيها الصين مع طموحات كوريا الشمالية النووية وتطويرها القدرات الصاروخية التي تصل إلى سواحل أمريكا الغربية ستحدد نبرة ترامب تجاهها. كما أن الطريقة التي ستتعامل فيها روسيا مع إيران ستضع معالم المقايضة الكبرى بين البلدين والمتعلقة بتخفيف العقوبات. ويرى بويز أن طرد فلين لم يكن بسبب نقله رسالة للروس ولكنه لأنه أصبح عقبة.
وعبر الجمهوريون عن دعمهم لتعيينات ترامب إلا إنهم ليسوا راضين، خاصة الكبار منهم، عن موقفه المتعاطف مع روسيا. فمن خلال منح الروس انطباعا أن أمريكا ستخفف العقوبات عنهم فإنه أضعف يد ترامب وقيد حركته. ويتساءل الكاتب فيما إذا كانت الماركة الترامبية لقيادة لعالم قد انتهت أم أنها تأخذ فسحة من الوقت؟ ويرى أن الامتحان الأكبر لها سيكون إيران، فمن خلالها سنعرف إن كان الرئيس مستعدا لممارسة لعبة السياسة الحقيقية أم أنه مدمن على التصعيد. ففي الوقت الحالي سيتمسك ترامب بالاتفاق النووي الذي وقعه باراك أوباما وهو الذي ظل يؤكد طوال الحملة الانتخابية أنه سيقوم بتمزيقه. ويرى بويز أن ترامب لديه القابلية لتعديل سياساته، ولكنه مصيب في موقفه من الاتفاق النووي.
وينتقد الكاتب تفكير أوباما الذي قام على فكرة دعم الإيرانيين العاديين لمواجهة النظام المتشدد من خلال رفع العقوبات، مشيرا إلى أنه بدلا من مساعدة هؤلاء فقد جرى تحويل العملة الصعبة لمساعدة نظام بشار الأسد وتقوية حزب الله بالسلاح ومواصلة عمليات التخريب في العراق. وعليه فقد حمل الشباب الإيراني المحبط المسؤولية للأمريكيين فيما أصبح الغرب رهينة للاتفاق ومترددا في نقد التصرفات الإيرانية خشية أن لا يقوم بالتأثير على التيار الإصلاحي. ورد ترامب بفرض عقوبات جديدة بعد الاختبارات الصاروخية الباليستية وبسبب تمويل حزب الله. ويتوقع الكاتب تصنيف الحرس الثوري كمنظمة إرهابية. إلا أن الهدف الإستراتيجي لترامب غير واضح، فهل يريد مثلا تغيير النظام في إيران عبر التأكيد على ضعف الحكومة في طهران، وهل يعتمد على أن يكون المرشد الجديد أقل حماسا لمواجهة مع الدول السنية؟
فهدف السياسة الأمريكية هو منع إيران من الخروج منتصرة في نزاعات الشرق الأوسط بحيث لا تتحول لقوة تزعزع الإستقرار وتمثل تهديدا وجوديا على إسرائيل. وهو هدف مهم ولكنه محفوف بالمخاطر. ففي الظروف الطبيعية فإن مهمة تحديد السياسات وتصفية المعلومات الأمنية تعود لمستشار الأمن القومي.
ويشير الكاتب إلى أن المجلس تحت قيادة فلين أهمل خبرات الموظفين المجربين والمحللين المدنيين بشكل جعل عملية اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر. ومن هنا فماذا سيكون موقف الإدارة الأمريكية لو قررت إيران وكوريا الشمالية التعاون بشكل لصيق لإنتاج السلاح النووي، ففي أي مرحلة ستتدخل واشنطن، بشكل فردي أم بالتعاون مع الأمم المتحدة. ومن هنا فخطأ بسيط قد يقود إلى كارثة، ولا بد من تعيين مستشارين للرئيس لا يخترعون القصص له.

العدوانية

وفي هذا السياق كتب ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» معلقا على زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن حيث اجتمع أمس مع ترامب الذي تعهد أثناء حملته الانتخابية أن يكون من أكثر الرؤوساء الأمريكان دعما لإسرائيل. ولكنه ومنذ وصوله البيت الأبيض التزم الصمت حول تعهده بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس وبدأ يتحدث عن أثر بناء الوحدات الاستيطانية على أراضي الفلسطينيين وأنها لن «تكون مساعدة للسلام».
فقد شرح الملك عبدالله الثاني بداية هذا الشهر لترامب مخاطر الدفعة الاستيطانية على السلام وأثر قرب أمريكا بشدة من إسرائيل وكيف سيشجع المتطرفين. وفي المقابل يرى اليمين المتطرف أن ولاية ترامب ستساعد على الاستيطان وفرصة للقضاء على رواية حل الدولتين. وهناك من يعتقد أن الحذر غير المعتاد لترامب ما هو إلا تكتيك وغطاء للتعامل مع اليمين في أمريكا. ويرى البعض أن الرئيس مسكون بهوس تحقيق «الصفقة الكبرى» ليس بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولكن تلك التي تشمل الحلفاء العرب بما فيهم السعودية، إلا أن غاردنر يعتقد أن الموضوع الرئيسي يظل إيران وحزب الله الذي تخوض معه إسرائيل مواجهة منذ 35 عاما.
وفي الوقت الذي يرغب فيه ترامب في العمل مع نتيناهو للحد من نشاط إيران بالمنطقة إلا أن هذا يتقاطع مع مخاوف إسرائيل من روسيا التي يعمل رئيسها مع إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية لدعم الرئيس السوري بشار الأسد.
ويقول الكاتب إن حدة العداء تجاه إيران واضحة في فريق ترامب مع أنه خسر فلين المتطرف والمعادي إلا أن لهجة العداء قد تواجه بالواقع.
وقد يكتشف أن هناك حدودا للعمل العسكري الذي سيضيف الزيت على النار في المنطقة. وفي المقابل سيجد ترامب نفسه في المكان الذي تقف فيه إسرائيل اليوم.
فرغم تهديداتها المتكررة بضرب المنشآت النووية الإيرانية إلا أنه لم تفعل شيئا ولهذا ركزت على حزب الله. ففي الحرب الطويلة معه والتي كانت آخرها حرب عام 2006 ظلت إسرائيل تراقب الحزب ونشاطاته إلا أن الحرب الأهلية السورية التي مضى عليها ستة أعوام مكنته من التحول إلى جيش ضارب ولديه تجربة كبيرة وحاضر على الحدود الشمالية لإسرائيل مع سوريا والتي لم تطلق منها أية رصاصة خلال الـ 40 عاما. وفي الأسابيع العشرة الأخيرة قامت إسرائيل بشن غارات على قوافل تحمل صواريخ متقدمة في طريقها لحزب الله.
وتتم مناقشة الحرب مع حزب الله على أنها أمر حتمي. ففي الشهر الماضي ذكر المعهد لدراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن حزب الله «يعتبر في الوقت الحالي أخطر تهديد عسكري على إسرائيل» وأخطر من راعيته طهران. وفي الوقت الذي أعلنت فيه إيران وحلفاؤها عن التحدي إلا أن الرغبة للموافقة على حرب ضد حزب الله تظل قائمة كما يقول الكاتب. ومن هنا فضرب الجماعة الوكيلة لإيران هي أقرب طريقة لتوجيه ضربة لها.

تجربة «حزب الله»

وفي تقرير أعدته إريكا سولومون وجون ريد عن الفوائد التي جناها الحزب من تجربته في سوريا التي أرسل إليها منذ عام 2012 الآلاف من المقاتلين وتكبد خسائر كبيرة في المعارك، إلا أن معركة حلب والطيران الروسي والتحالف الشيعي المؤيد لبشار الأسد كان صورة عن مدى القوة التي حققها حزب الله.
تعلق الصحيفة أن حزب الله عندما أرسل مقاتليه إلى سوريا توقع الكثيرون أن يصاب بالإجهاد ويهزم إلا أنه مع راعيته الإيرانية سيخرج من أكبر المنتصرين في الحرب السورية.
وحسب مستشار أمني إسرائيلي وصف سياسة حزب الله قائلا «لقد تبنى قادته سياسة غير شعبية حتى بين قاعدته ومضى بها وقاموا بعملية عسكرية بعيدا عن حدودهم وكانوا ناجحين». وأضاف قائلا «لقد تحولوا 180 درجة من قوة حرب عصابات إلى جيش غاز». وهو تطور تراقبه إسرائيل عن قرب. وقام الجيش الإسرائيلي بمتابعة الطريقة التي أضاف فيها الحزب إلى ترسانته العسكرية وصواريخه القصيرة والمتوسطة المدى التي أرسلتها إيران. وتقول الصحيفة إن قتال حزب الله إلى جانب النظام وحليفته القوية روسيا وكذا الحرس الثوري الجمهوري مكن مقاتليه من التعرف على طريقة إدارة الحروب التقليدية وطريقة جمع المعلومات واستخدام القوة الجوية.
وحسب الأبحاث التي قام بها الجيش الإسرائيلي فقد قدر عدد مقاتلي الحزب بحوالي 30.000 مقاتل وخسر حوالي 1.700 منهم في سوريا وهو ضعف خسائره في حرب تموز/يوليو عام 2006. ولكن ما يقلق إسرائيل أكثر هي الدروس التي تعلمها الحزب في سوريا. ونقلت عن مسؤول إسرائيلي قوله « إنهم يتعلمون» و «لا أعرف علاقتها بالحرب مع إسرائيل ولكنها تجربة مهمة».
وأشار إلى قلقه من إمكانية حصول الحزب على صواريخ أرض ـ جو وصواريخ بحرية مثل تلك الروسية الصنع « ياخونتس» أو صواريخ أرض ـ أرض . ويقول حزب الله إنه ليس راغبا ببدء مواجهة مع إسرائيل، فيما يؤكد مراقبون الحرب مع الحزب ليست وشيكة بسبب التغيرات التي تشهدها المنطقة. فقد قامت إيران منذ عام 2011 ببناء محور مع حزب الله والجماعات الشيعية الموالية لها. ولهذا فحرب جديدة مع إسرائيل ستعرقل كل الجهود التي تقوم بها طهران. لكل هذه الأسباب لم يرد حزب الله على كل الغارات التي استهدف بها الطيران الإسرائيلي قوافل عسكرية وقادة له خلال السنوات الماضية.
ويرى وائل الزيات، الذي كان مستشارا لسامنثا باور، عندما كانت سفيرة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة أن الدينامية قد تتغير حالة قرر ترامب مراكمة الضغوط على إيران. وقال إن زيادة الضغوط قد تدفع الإيرانيين وحزب الله لاستفزاز اسرائيل وإرسال رسالة لترامب أنهما قادرتان على الانتقام. كما أن هناك مخاطر من تأثر المصالح الأمريكية في العراق خاصة أن حزب الله أقام علاقات مع الحشد الشعبي وهي قوات متحركة في العراق اليوم.
وستتأثر أيضا مصالح الدول الحليفة لأمريكا مثل السعودية. وتساءل الزيات إن كان الحزب سيواصل العمل خارج لبنان بالترادف مع القوى المؤيدة لإيران والتي قد تستخدم للضغط على الحكومات في المنطقة، سواء كانت تركيا أم السعودية أو الأردن. وهو ما سيحاولون عمله أي التعاون بين الحشد الشعبي وحزب الله والنظام السوري مع الحرس الثوري وسيعملون من الحدود الإيرانية إلى لبنان.
ويعلق مسؤولون إسرائيليون إن نشاط حزب الله الخارجي لم يضعف من تحضيراته على الحدود مع إسرائيل «فهم يبنون بشكل مستمر قواتهم ضد إسرائيل» و»لم نر توقفا ولا يوما واحدا حيث لا تزال الأسلحة تتدفق من سوريا وستستخدم ضد إسرائيل».

«حزب الله» استفاد من تجربته في سوريا وتعلم أساليب الحرب التقليدية وأصبح جزءا من محور طهران… واستقالة فلين لن توقف الأزمة وأسئلة حول تأخر ترامب بطرده

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية