بيروت ـ « القدس العربي»: لا شك أن العلاقة التركية – الإيرانية تلعب دوراً جوهرياً في تحديد نظرة «حزب الله» إلى تركيا وتشكل عاملاً مؤثراً بقوة في رسم المعالم والحدود والكيفية لتلك النظرة، فكيف يمكن قراءتها، ولاسيما أن تركيا تشكل أحد اللاعبين الإقليميين على المسرح السوري وواحدة من الرعاة الثلاثة في «أستانا»، حيث تتجه الأنظار اليوم إلى الدور الموكل لها في إدلب التي جرى ضمها إلى «مناطق خفض التوتر»!
يدرك «حزب الله» أن ثمة منظومة مصالح معقّدة بين طهران وأنقرة ترتبط بالخصوصية التاريخية بين إيران وتركيا وبين الفرس والعثمانيين، وأن كليهما حريصان على عدم العودة إلى زمن الحروب التي استمرت عقودا. هذا الجانب من العلاقة يفهمه الحزب ويتفهّمه بشكل عميق لكنه لا يرى نفسه مُلزَماً به، ما يعطي له هامشاً معنياً.
ففي قراءة أحد المحللين الذين يعكسون سياسة «حزب الله»، نرى أن موقف الحزب حيال دور تركيا في سوريا هو أقرب إلى رؤية رئيس النظام بشار الأسد منه إلى رؤية إيران. فالحزب مقتنع بأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «لم يُغيّر من أصل مقاربته السورية، وأنه لا يزال مسكونا بنظرته الأساسية التي عبّر عنها مع بداية الأزمة، والتي تنطلق من طموح «وريث العثمانية التاريخية» بأن يفتح دمشق وأن يصلي في المسجد الأموي». كما أنه مقتنع بأن التغيير الحقيقي في موقف تركيا من سوريا هو تغيير فرضته المتغيرات وليس القناعات. وهذا ما يدفع «حزب الله» إلى الحذر، لكنه يتعامل مع المسألة إنطلاقاً من تفكيره «البراغماتي» الذي يسعى إلى تجاوز المواقف المرتبطة بما هو ماض لمصلحة البناء على تحصيل النتائج راهناً، ما يعني أنه كلما انعطف الموقف التركي بشكل جدي في الأزمة السورية نحو تثبيت موقع نظام الأسد، كان موقفه أكثر ترحيباً.
«حزب الله» يرى أن تركيا اليوم مهجوسة بعنوان واحد اسمه «أكراد سوريا»، والذي يتحكم بكل حيثيات موقفها من سوريا ومن نظام الأسد. ما يبني عليه الحزب هو المعطى المادي المتمثل بالنتيجة على الأرض وليس مدى تبدّل القناعات لدى أردوغان الذي ذات يوم وصفه «سيد الحزب» حسن نصرالله بـ «الطيب» طيب أردوغان، وهو ما كان حينها يشكل انعكاساً لقناعة «حزب الله» وأمينه العام شخصياً في مرحلة الاشتباك التركي – الإسرائيلي على خلفية حصارغزة وتعرّض «سفينة مرمرة» التركية عام 2010 إلى هجوم أسرائيلي، قبل أن تنقلب النظرة رأساً على عقب.
ثمة عنصر أساسي دخل إلى المعادلة اليوم، وهو عنصر الشراكة التي تُجسده اتفاقات «أستانا»، والتي خلقت وقائع حاسمة وساهمت جدياً في قلب موازين القوى في الداخل السوري. ما يهم الحزب هو كيفية ترجمة تلك التحولات على أرض الواقع، كاعتباره أنه لولا التوصل إلى «مناطق خفض التوتر» لما كان في إمكان النظام وحلفائه من تجيير قوات عسكرية ضخمة والاستغاء عنها إلى جبهات أخرى ما أمّن السيطرة على 75 الف كلم مربع من البادية السورية.
لكنه ورغم شراكة «أستانا» وما حققته من تحولات كبرى في موازين القوى في سوريا، فإن «حزب الله» يعتبر أن العناصر الأساسية التي التزمت بها أنقرة في شأن إدلب مازالت حبراً على ورق، وفي مقدمها موقفها من «هيئة تحرير الشام»- «جبهة النصرة» سابقاً. وبالتالي، فإن الدخول في مرحلة التنفيد وحده كفيل بأن يثبت مدى جدية أردوغان. من وجهة نظرهم فإن الأتراك مازالوا يناورون هنا ويدورون الزوايا هناك في العلاقة مع «النصرة».
على أن ثمة أمراً أخر يٌقلق «حزب الله» يتعلق بمسألة الضمانات الآيلة مستقبلاً إلى خروج الأتراك من المناطق السورية التي دخلوها بالأمس والمتثملة بمناطق جرابلس والباب ضمن عملية «درع الفرات» والتي سيدخلونها اليوم تحقيقاً لضم إدلب إلى «مناطق خفض التوتر». هم يتشاطرون القلق مع الأسد، وتعتريهم الريبة رغم الضمانات التي يُحكى عنها حول الانسحاب لاحقاً. بالطبع لا يعتبر «حزب الله» أن وجوده في سوريا كميليشيا وكذراع إيرانية يمكن مقارنته بوجود القوات التركية، فهو دخل إلى سوريا بطلب من السلطة الشرعية السورية، وهذا يعطيه شرعية قانوناً بينما الوجود التركي يندرج في خانة قوات احتلال نتيجة فقدانها لمظلة الشرعية، والذي يحرص الأسد على ربط هذا الوجود باتفاق تركي- روسي لا علاقة لدمشق به، وأن العلاقة السورية مع الأتراك تمر عبر روسيا. هو موقف يريد منه الأسد أن يبقي فيه على هامش له في كيفية التعامل مع القوات التركية في المستقبل.
ما هو أكيد أن روسيا هي الراعي والناظم للعلاقة بين الأطراف المتواجدة على الأرض في سوريا. غير أن مصادرعليمة تؤكد أنه فتحت للمرة الأولى قنوات أمنية تركية – سورية، وأن أحد نتاجها هو إطلاق سراح الطيار السوري الذي كان أسيراً لدى سلطات أنقرة بعدما سقطت منذ فترة طائرته فوق أراضي تركيا.
لا تنسيق بالمطلق بين «حزب الله» وتركيا في سوريا، وإن كانت طهران تُدير قنوات مباشرة موازية لقنوات موسكو وتلعب دور «العراب» للعلاقات بين الجماعات المحسوبة عليها وبين تركيا.
ما يسعى أحد اللصيقين بـ»حزب الله» إلى تأكيده بصورة فيها كثير من الجزم والحزم هو أن الحزب غير متحمس على مد الجسور مع تركيا، ولا يريد ذلك عملياً، إنطلاقاً من التصاقه الوثيق بالأسد، إذ يرغب أن يمشي على وتيرة خطوات «الحليف السوري كتفاً إلى كتف» لا وتيرة خطوات «الأبوة الإيرانية» التي تحمل قدراً من المناورة في طياتها في العلاقة مع « العثمانية الجديدة» لا يجد أنه معني بها على الأقل في الوقت الراهن، وإن كان يعتقد أن المسألة الكردية هي القاسم المشترك بينهما!
رلى موفّق