لا يوجد إرهاب نظيف وآخر قذر، لا يوجد إرهاب مشروع وآخر محظور، لا يوجد إرهاب بشع وإرهاب جميل، إما أنه إرهاب أو أنه مقاومة، والمقاومة تكون ضد غزو أو احتلال خارجي، شرّعتها القوانين الدولية.
يكاد لا يخلو مجلس إلا ويتخلله حديث عن «الإرهاب»، الجميع يحاول تعريف ما هو الإرهاب وما هي المقاومة. ولكلٍ مقاسه وميوله. المواقف عادة ثنائية، أبيض أو أسود. البعض يبني موقفه على أنّ من يتقاطع موقفه مع موقف إسرائيل فهو عميل وخائن. وهذا تصنيف ساذج، لأن مصلحة إسرائيل تتحرك فقط حسب رؤيتها ومصلحتها الأمنية. ومصلحتها أن يكون كل من حولها ضعيفا، وليس مهما ما هو مذهبه ولا ما هي عقيدته، لأن الدول، خصوصا العربية، قد تتغير سياستها بتغير حكامها، وأكبر مثال ما حدث في مصر في السنوات الأخيرة، من مبارك إلى مرسي إلى السيسي. لهذا ما يهمها هو أن تبقى مصر ضعيفة بغض النظر عمن يحكمها الآن.
ليس كل من تعاديه إسرائيل بالضرورة مقاوما، إسرائيل تحتقر عملاءها وتذلهم، حتى أولئك الذين خدموها أمنيا، إسالوا فلسطينيين ولبنانيين ممن خدموها. أنظروا كيف تصرف نتنياهو مع أوباما زعيم أكبر دولة داعمة لإسرائيل بالسلاح والمال. نتنياهو ألغى زيارة كانت مقررة ولقاء مع أوباما حتى بدون أن يخبره، وبدون الحد الأدنى من الذوق، وكأن أوباما رئيس مجلس محلي يعمل عند نتنياهو. فهل أصبح أوباما وإدارته في صفوف المقاومة والممانعة لأن نتنياهو أهانه؟
عندما اعتدت إسرائيل على لبنان وقاومها «حزب الله» وقفت الأمة العربية من محيطها إلى خليجها إلى جانبه، مهرجانات ومظاهرات تأييد وخطابات في فلسطين وفي كل مكان من العالم العربي. التضامن العربي من المحيط إلى الخليج تجلى قبل هذا في حرب أكتوبر 1973، وعندما قطع النفط عن الغرب زمن المرحوم الملك فيصل.
كذلك التفت الشعوب العربية حول منظمة التحرير الفلسطينية والقوات المشتركة اللبنانية في مواجهة العدوان الإسرائيلي على أرض لبنان حتى عام 1982 وقبل ذلك. وهكذا كان موقف الشعوب العربية في انتفاضات الفلسطينيين الأولى والثانية والثالثة، العرب يلتفون حول المقاوم للاحتلال الأجنبي. هكذا كسب «حزب الله» رصيدا كبيرا، لم يحارب «حزب الله» لتحرير فلسطين لا في عام 2000 ولا في عام 2006، بل دافع عن نفسه في مواجهة عدوان إسرائيل التي لم يسلم من شرها لا ماركسي ولا قومي ولا متدين، ولا بعيد ولا قريب من حدودها، ولأن «حزب الله» دافع عن نفسه، وهذا ما يفترض أن يفعله أي تنظيم يتعرض لاعتداء، فالأمة العربية احترمته، وأطلقت على السيد حسن سيد المقاومة.
الشعوب العربية تتفهم التوازنات الطائفية في لبنان، فما يقرره اللبنانيون لأنفسهم مقبول على الجماهير العريضة، بغض النظر عن تدخل الأنظمة ومحاورها ونفوذها. إلا أن «حزب الله» لم يبق داخل حدود الدولة اللبنانية القائمة على توازنات طائفية ومذهبية حتى داخل كل طائفة، وهي بدورها مقسمة حسب توازنات عائلية متوارثة، بل نقل سلاحه المذهبي إلى سوريا، وناصر نظاما لأن الزمرة الحاكمة فيه سرقت قيادة حزب البعث وحوّلته إلى نظام طائفي مذهبي وحتى عائلي تحت غطاء حزبي وقومي. عمليا اصطفت ميليشيا حزب الله اصطفافا طائفيا واضحا، وإذا نظرنا إلى البؤر التي يتضامن معها «حزب الله» ويساندها في الدول العربية، فتضامنه مبني على أسس مذهبية وليس على أسس التحرر والديمقراطية، ولو كانت سياسته دعم حرية الشعوب حقا، لكان عليه دعم حرية الشعب السوري الذي دفع الغالي والنفيس لأجل حريته، أو التزام الحياد على الأقل، وليس دعم نظام أجرم بحق شعبه. «حزب الله» استثمر الرصيد الذي اكتسبه في مواجهة العدوان الإسرائيلي، هذا الرصيد تضاءل حتى خسره، خصوصا لدى الشعب السوري الذي ذاق الويلات على يد هذه الميلشيات بمختلف تسمياتها، التي تزيد بكثير عن حجم جرائم «داعش»، وإذا كان «داعش» إرهابيا فماذا تسمى هذه الميليشيات بما فيها النظام نفسه، التي تملأ فيديوهات جرائمها المقشعرة للأبدان شبكات التواصل الاجتماعي.
هذه الشعبية الهابطة انعكست في استطلاعات الرأي حتى في استطلاع فضائية «روسيا اليوم» المنحازة أصلا للنظام السوري ولا يمكن اتهامها بالتزوير، فكانت النتائج بأن حوالي 57٪ من بين أكثر من مليون و300 ألف من المستطلعين اعتبروا «حزب الله» منظمة إرهابية، ولو كان السؤال هل «حزب الله» ميلشيا طائفية مذهبية تابعة لإيران لكانت النتيجة 99٪ نعم، خصوصا أن السيد نصر الله نفسه يُقر على رؤوس الأشهاد بأنه خاضع لولاية الفقيه ويعتبره مرجعيته، هذه المرجعية التي قد تتقاطع مصالحها مرة مع جيرانها العرب والترك والكرد وغيرهم، وقد تتنافر في تجاذب مستمر، ولكن السيد حسن وحزبه سيبقى وفيا لها ويدور في فلكها أينما ذهبت.
بغض النظر عن قرار المحور الذي تقوده المملكة العربية السعودية التي لا تشتهر بإنتاج الديمقراطية ولا تشع حقوق الإنسان فيها، الشعوب العربية قالت لـ»حزب الله» نعم نحن معك حين قاومت ودافعت عن نفسك أمام العدوان، وقالت له أنت مجرم وتمارس إرهابا، عندما ناصرتَ نظاما قرر خوض حرب إبادة ضد شعبه تمسكا بالسلطة.
كنا أمة وسطا، وهكذا نستمر، والحرية تصنعها الشعوب وليس الميلشيات الطائفية ولا المذهبية، بل أمة عربية واحدة حرة متنورة مؤمنة بالديمقراطية والتعددية، منطلقة نحو غد جديد، بعيدا عن سياسة المحاور المبنية على أسس المذهبية والطائفية البغيضة.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
سهيل كيوان