حزب الله وإسرائيل: عندما تصبح سوريا أرضا لتصفية حساب عام 2006

حجم الخط
3

اتسمت المواجهة بين حزب الله اللبناني وإسرائيل منذ حرب الـ 34 يوما عام 2006 بالتزام  تكتيكي بقواعد اللعبة وهي تجنب التصعيد نحو حرب شاملة، ولهذا شاهدنا حربا ذات وتيرة خفيفة بين الطرفين تمت على الصعيد الجاسوسي وزرع المتفجرات على السياج الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل. وطوال السنوات الماضية التي شهدت أكثر من مواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين، ولم تتوقف فيها الغارات الإسرائيلية على سوريا حيث أغارت طائرات في 6 أيلول/سبتمبر 2007 على موقع في دير الزور واغتيال اللواء محمد سليمان المسؤول عنه فيما بعد. ثم جاءت عملية اغتيال المسؤول العسكري لحزب الله في حي كفر سوسة بدمشق وذلك في 12 شباط/فبراير 2008  وأعلن الحزب عبر قناته «المنار» عن مقتل «الحاج» وشيع كعادة الحزب بجنازة مهيبة واتهم إسرائيل بالمسؤولية عن العملية وتوعد بالرد. مضت سنوات على اغتيال «الحاج» ولم يوجه الحزب ضربة انتقامية لقائده لسبب ظل محلا للتساؤلات حتى الأسابيع الماضية عندما كشف عن اختراق الموساد لحزب الله وزرعه عميلا له كان مسؤولا عن الوحدة 901 الموكلة بالإنتقام لمقتل عماد مغنية.
وقد أخذ الحزب وقتا للإعتراف باختراقه، مهد له أولا  الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام للحزب عندما تحدث لإذاعة محلية عن مشكلة «الجواسيس» التي يعاني منها الحزب. وقد فسرت تصريحات الشيخ قاسم بأنها اعتراف ثم جاء تأكيد الأمين العام حسن نصر الله للأمر.
وجاء اعتراف الحزب وسط تطورات وتحديات يواجهها منذ حرب تموز/يوليو عام 2006 فهو وإن ظل يبني ترسانته الحربية إلا إنه تحول إلى منظمة عسكرية تقوم بمهام الجيش نظرا لتورطه في الحرب الأهلية السورية وبشكل رسمي منذ عام 2013. فضمن استراتيجية ما يعرف «محور المقاومة» الذي تمثله إيران وسوريا وحزب الله وحركة حماس ركزت طهران الداعم الرئيسي للحزب على بناء الترسانة العسكرية له وتعزيز  قدراته بالصواريخ الطويلة والقصيرة المدى والأسلحة حتى يتمكن من إمطار إسرائيل بها حال قررت إسرائيل تنفيذ تهديداتها وضربت المنشآت النووية الإيرانية. ومن هنا فاستراتيجية المواجهة مع إسرائيل تظل محكومة بقرار من طهران الداعم لحزب الله ماليا وأيديولوجيا. ولم تتوقف إيران عن إرسال الشحنات العسكرية إلى لبنان عبر سوريا التي اندلعت فيها منذ عام 2011 انتفاضة تحولت إلى حرب أهلية. وقد فرضت هذه الحرب على طهران التي تعتبر حليفة نظام الأسد القوية تحديات كثيرة حيث اعتبرت بقاء النظام في دمشق وحمايته من السقوط أولوية وقضية وجودية، لدرجة اقترحت بعض التقارير أن طهران مستعدة للتخلي عن مشروعها النووي مقابل الحفاظ على الأسد. ولهذا مولت الحرب ماليا وأرسلت مستشارين عسكريين دربوا قوات الدفاع الشعبي، الميليشيا المؤيدة للنظام، ودفعت بمتطوعين إيرانيين وعراقيين وأفغان للدفاع عنه.
دخل حزب الله الحرب باسم حماية المزارات الشيعية خاصة مزار السيدة زينب، جنوب العاصمة دمشق. ولكنه أعلن عن حضوره بشكل واضح في معركة القصير (مايو/أيار 2013)  التي أدار العملية فيها ضد مقاتلي المعارضة السورية. ومنذ هذه المواجهة أصبح حضور حزب الله في سوريا واضحا حيث خاض مع الجيش السوري معارك متعددة في القلمون. وأسهمت مشاركة الحزب في سوريا لتغيير دفة الحرب وتغيير مسارها ولكن الحزب تغير بالضرورة  فقد تحول إلى جيش شبه نظامي وتخلى عن شروطه في التجنيد التي تؤكد على الإنضباط والكفاءة العسكرية العالية. وكلفت الحرب الحزب مئات من قادته وجنوده الذين رماهم في أتون حرب طاحنة مما فرض عليه أعباء جديدة وهي التكفل بعائلات قتلاه. وضمن هذا السياق نفهم مشكلة الحزب مع إسرائيل، ففي الوقت الذي واصلت فيه إيران شحن الأسلحة عبر سوريا، استمرت إسرائيل بمراقبة الوضع وتوجيه ضربات عسكرية داخل الأراضي السورية وهي بالضرورة موجهة لحزب الله. ففي 3/1/2013 أغارت الطائرات الإسرائيلية على قافلة عسكرية كانت تسير شمال- غرب دمشق وتحمل على ما قيل صواريخ «أس إي17- »المضادة للدبابات، ثم جاء هجوم 5 أيار/مايو 2013 على جمرايا في ريف دمشق والتي سقط فيها ضحايا مدنيون. وقالت مصادر إسرائيلية في حينه إن الغارة استهدفت مخازن لصواريخ «الفاتح- 110» الإيرانية. وفي 24/2/2014 أغارت طائرات على قاعدة عسكرية في البقاع قرب سوريا  واستهدفت مخازن صواريخ أيضا.  ومنذ بدء الإنتفاضة السورية أغارت إسرائيل ثماني مرات على الأراضي السورية منها غارتان استهدفتا مخازن للسلاح في مدينة اللاذقية الساحلية. وفي كل مرة يتوعد فيها النظام السوري بالرد ولا رد.
 وجاءت العملية الإسرائيلية الأخيرة في بلدة الأمل قرب القنيطرة في الجولان في 18 كانون الثاني/يناير، حيث قتل فيها ستة من قادة حزب الله ومنهم القائد العسكري محمد أبو عيسى (أبو عيسى) وجهاد عماد مغنية والعميد محمد الداد مساعد قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليماني. وحول هذه العملية الأخيرة ثارت تكهنات حول دوافع إسرائيلية هل كانت لمنع إيران من نصب منصات صواريخ كما زعم البعض أم لدواع انتخابية إسرائيلية أم أنها كانت فرصة سانحة كعادة إسرائيل في انتهاز الفرص وتوجيه ضربات لأعدائها. ولكن العملية وحجم الخسارة التي تكبدتها إيران وحليفها حزب الله ترفع من وتيرة المواجهة واندلاع حرب جديدة. لكن الواقع الحالي لا يسمح لحزب الله وإيران بالدخول بمواجهة مدمرة مع إسرائيل، سوريا عامل والملف النووي عامل آخر.
وعليه فرغم الخطابة العالية التي برزت من نصر الله قبل مقتل القادة إلا أنه سيرد إن حاول الرد ضمن المعايير التي يتسامح معها كل طرف في هذا النزاع الساخن. وقد يقوم الحزب باستهداف سيارات عسكرية إسرائيلية على الحدود كما فعل في أيلول/سبتمبر 2014 التي جرح فيها جنديان إسرائيليان. وقد يقوم باستهداف مصالح إسرائيل في الخارج رغم أن عملياته الخارجية فشلت في الأعوام الأخيرة. ونعرف السبب اليوم بعد الكشف عن  العميل محمد شواربة الذي أحبط خمس عمليات انتقامية منذ عام 2009. فقد فشل الحزب في تايلاند وقبرص وغيرها ونجح  في بورجاس، بلغاريا عام 2012 والتي قتل فيها خمسة سياح إسرائيليين.
ورغم كل هذا فالخطر قائم، والمفاجآت ليست مستبعدة رغم أن القراءة لقواعد اللعبة تظهر أن المشاكل التي تواجه كل طرف قد تعمل على تأخير المواجهة أو الزحف نحو حرب جديدة.
 ومع كل المحاذير التي تمنع كلا من حزب الله أو إسرائيل توسيع المواجهة وتطورها إلى حرب شاملة، لكن على القادة الإسرائيليين عدم التقليل من شأن وقدرة الحزب، فهو حزب معروف بقدراته واختراعه لأساليب جديدة ولن يسكت على النكسة التي تعرض لها خاصة أنها طالت عددا من قياداته. وسيجد الحزب نفسه تحت ضغط من أتباعه والقطاع العام من اللبنانيين للرد من أجل تبرير سبب وجوده في سوريا واقترابه من الحدود السورية مع إسرائيل.
وفي النهاية لا يتعلق الأمر بنصر الله بل بإسرائيل وإن كانت اللعبة الجديدة مع حزب الله محاولة للعب على وتر الرأي العام والإنتصار في حرب خارجية بعد فشل بنيامين نتنياهو ومن معه في الداخل، وهي أسهل الطرق للفوز في الإنتخابات. المؤكد أن الحرب المفتوحة صعودا ونزولا تحمل معها الكثير من المفاجآت وبانتظار الطريقة التي سيتعامل فيها حزب الله مع الأزمة الأخيرة. وستؤثر مسارات الحرب في سوريا على الرد خاصة أن مشاركته هناك جزء من معضلته وتمدد قدراته. ولكن سوريا هي المكان الذي تغيب فيه السلطة وتحاول فيه إسرائيل تصفية حسابها مع الحزب الذي هزمها عام 2006.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية