«حزب الله» يدفع ثمنا باهظا للحرب… ومصالح روسيا في سوريا تقترب أكثر مع إسرائيل

حجم الخط
1

لندن – «القدس العربي»: ما هي تداعيات الحرب السورية على «حزب الله»؟ هل أنهكت سوريا الحزب الذي خاض عددا من الحروب ضد إسرائيل وانتصر، أم أنه لا يزال قوة ضاربة في المنطقة؟ وما هي طبيعة العلاقة التي ستنشأ بين الأصدقاء والحلفاء بعد دخول روسيا الساحة؟ في السؤال الثاني يتوقع نيكولاس نوي محرر موقع «ميدإيست دوت كوم» ومؤلف كتاب «صوت حزب الله» في مقال نشرته دورية «فورين أفيرز» على موقعها أن يشوب العلاقات الإيرانية – الروسية نوع من التوتر. ويشير في البداية لموقف الولايات المتحدة من الغارات الجوية التي قام بها الطيران الروسي على مواقع للمعارضة، وما قدمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تبريرات للضرب في سوريا باعتباره جزءا من الحرب على الإرهاب.

رؤية جيوسياسية

وما بين المبرر الروسي والرد الأمريكي نظر المحللون للتحرك الروسي من من خلال منظور التنافس الجيوسياسي بين القوتين العظميين. فهناك من قال إن بوتين يحاول تعزيز تأثير بلاده في منطقة الشرق الأوسط ويستغل التراجع الأمريكي فيها. وهناك من رأى أن بوتين يقوم في الواقع بجر بلاده إلى مستنقع الحرب السورية حيث ظل الرئيس الأمريكي باراك أوباما يتجنب الوقوع فيه. ومع ذلك يشترك المحللون على أن التدخل الروسي يعتبر دفعة للنظام السوري والأطراف المتحالفة معه خاصة إيران و»حزب الله». ويعتقد نوي أن تورطا عميقا للروس قد يؤدي لتعقيد العلاقة مع الكتلة المؤيدة للرئيس السوري بشار الأسد لأن مصالح روسيا لا تتوافق دائما مع حلفاء دمشق في طهران وبيروت.

ضغوط

ويقول الكاتب إن مصالح روسيا منحازة أقل للفصيل المؤيد لنظام الأسد قدر انحيازها لعدو الكتلة هذه وهو إسرائيل. ولهذا فقد يستخدم بوتين نفوذه الجديد لدفع النظام السوري وحلفائه لاتخاذ مواقف أكثر اعتدالا في الموضوع السوري وغيره. وهو ما يفسر مسارعة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وسط الحشود العسكرية الروسية لزيارة موسكو الشهر الماضي ولقاء بوتين. والداعي لقلق إسرائيل من الحشود في غرب سوريا هو عرقلة جهودها التي تقوم بها، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، لمنع تدفق السلاح الإيراني إلى «حزب الله».
فبحسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فقد شن الطيران الإسرائيلي أكثر من عشر غارات في العمق السوري واستهدف مخازن وقوافل أسلحة وعناصر قيادية في «حزب الله». ويرى نوي ان إسرائيل حاولت الاستفادة من ضعف النظام السوري لإضعاف عدوها «حزب الله» اللبناني. ومن هنا فوصول القوات الروسية إلى سوريا عقد من عمليات إسرائيل الموجهة ضد «حزب الله» خاصة أن مخاطر التصادم بين الطيران الروسي والإسرائيلي صارت محتملة. وتريد تل أبيب تجنب حوادث من هذا النوع لأنها لا تريد مواجهة مع موسكو التي تحتفظ بعلاقات طيبة معها. وما زاد من صعوبة المهمة هي أن إسرائيل هاجمت مخازن وقوافل أسلحة روسية الصنع وفي غرب سوريا – اللاذقية حيث تتمركز القوات الروسية اليوم. وقد توصلت روسيا وإسرائيل لتفاهمات تقضي بتجنب حوادث تصادم في الجو وتنسيق بين الطرفين.

تنسيق

وهو التنسيق نفسه الذي يدعيه الطرف الموالي للأسد. ففي أجواء الترحيب التي صدرت من طهران و»حزب الله» في بيروت تم الترحيب بالقوات الروسية على لسان الأمين العام لـ»حزب الله» حسن نصر الله الذي قال إن حزبه يرحب بأي قوة تدخل سوريا لدعم نظام الأسد مشيرا لتنسيق روسي – إيراني ومع «حزب الله». وهو ما بدا في تقارير تحدثت عن قوات برية إيرانية ومن مقاتلي «حزب الله» تحضر لخوض عمليات داخل سوريا للاستفادة من الفرصة التي خلقتها الغارات الروسية على مواقع المعارضة. ولكن الصورة ليست كما تبدو، فبحسب مراسل صحيفة «الغارديان» إيان بلاك الذي نقل من دمشق مخاوف إيرانية من التدخل الروسي وأن إرسال بوتين لقواته جاء من أجل تخفيف النفوذ الإيراني في سوريا.

تحالفات طائفية

ويرى نوي إن دخول روسيا القوي لن يترك الأثر القوي الذي يتوقعه عدد من اللاعبين نظرا لعدم وجود مصلحة روسية في النزاع الطائفي الدائر على الأرض السورية بين المحور الشيعي الذي تتزعمه إيران والمحور السني الذي تتزعمه كل من السعودية وتركيا. فرغبة بوتين بدعم الأسد نابعة من كونه الحليف الوحيد الباقي لروسيا في المنطقة، ولا تنبع والحالة من كونه جزءا مهما في تحالفات طائفية ولأن الأسد مستبد علماني مثل بوتين الذي يشعر بالقلق كلما أطيح بزعيم مثله. وعندما يحين موعد التسوية السلمية التي سيؤول إليها هذا النزاع فمن المتوقع قيام بوتين بممارسة الضغط على حليفه في دمشق لتقديم تنازلات أكثر من إيران. وهو موقف «حزب الله» نفسه الذي يرى في سوريا جزءا من «محور المقاومة» ودعم الحزب الشيعي للنظام جزء من الحفاظ عليه وتضييق مساحة المناورة لدى إسرائيل. ولا يتفق بوتين مع هذا الموقف لأنه يرى في الأسد مصدرا للاستقرار وليس جزءا من محور ثوري وأيديولوجي يعمل على تغيير المنطقة. وببساطة فدعم بوتين للأسد لا يعني دعمه لأيديولوجية دينية يؤمن بها حلفاء النظام السوري.
ولا يستبعد أن تستخدم روسيا في مرحلة ما نفوذها الجديد في سوريا لتعديل مواقف النظام، وكذا مواقف الكتلة الموالية له. فربما ضغط بوتين على إيران و»حزب الله» لتحديد الأولوية بدعم الأسد وتنحية الأهداف الأخرى جانبا مثل دعم المنظمات الفلسطينية وتعزيز الترسانة العسكرية في جنوب لبنان والقيام بنشاطات في الجولان قرب الحدود مع سوريا. وربما ذهب بوتين أبعد في محاولته لإظهار أنه قوة لتحقيق الاستقرار على خلاف الولايات المتحدة، ويطلب في هذه الحالة من إيران تخفيض شحناتها من الأسلحة لـ»حزب الله». ويضيف الكاتب إلى أن روسيا ربما استخدمت نفوذها لحل المشاكل المتعددة في المنطقة مثل إقناع إيران بتخفيف دعمها للمتمردين الحوثيين في اليمن.
وعليه فالتدخل الروسي يعتبر مفيدا لإسرائيل التي ستتمكن من التعاون مع حليف متعاطف معها وله تأثير على التحالف المؤيد للأسد. ويشير الكاتب أن هذه الإمكانيات التي يمنحها التدخل الروسي في سوريا غائبة نوعا ما عن المحللين الغربيين الذين يصرون على أن الدعم الروسي سيقوي الأسد والمتحالفين معه، ما سيدفعهم للتشدد في مطالبهم. وفي حالة وجد الغرب فرصة لاستغلال الفرصة الجديدة ودفع بوتين للعب دور بناء في المنطقة فما ينظر إليه على أنه تورط في مستنقع الحرب الأهلية قد يتحول إلى خطوة لحل سلسلة من النزاعات التي تمزق المنطقة. وإزاء هذه النظرة اتسم الموقف الأمريكي بالتحذير من مخاطر التورط الروسي، فيما تم الحديث عن حرب بالوكالة تجري الآن على أرض سوريا بين الولايات المتحدة وروسيا. ويواجه «حزب الله» معضلة بسبب طول أمد الحرب وأثرها على قاعدة الدعم الشيعية في لبنان.

معضلة نصر الله

ويرى نيكولاس بلانفورد في تقرير نشرته «كريستيان ساينس مونيتور» أن الحزب الذي أنشيء عام 1982 لمواجهة إسرائيل يدفع اليوم ثمن مشاركته في الحرب السورية بالأرواح والسمعة. وذكر الكاتب بلحظة الانتصار التي حققها «حزب الله» في آيار (مايو) عام 2000 وزيارة حسن نصر الله لبنت جبيل التي تبعد أميالا عن شمال إسرائيل. في تلك الزيارة خطب زعيم الحزب مباركا النصر وشهداء الحزب الـ1276.
ومنذ ذلك الوقت عمل نصر الله على تأكيد تسيده للسياسة اللبنانية. ولكنه اليوم يواجه مهمة صعبة للحفاظ على موقع حزبه بسبب الحرب السورية. ولم يعد حسن نصر الله يظهر في العلن وتبث كل خطاباته عبر شاشة تلفزيونية ضخمة خشية تعرضه لاغتيال. ويقول بلانفورد إن قتال إسرائيل لا يزال الملمح الرئيسي في خطابات نصر الله، لكن المشاركة في سوريا والمعركة ضد الجهاديين فيها ألقت بظلالها على تلك المعركة القديمة. وتعتبر المعركة في سوريا من أضخم المعارك التي يخوضها الحزب، حيث تدفق آلالاف من كوادر الحزب على سوريا وقاتلوا في حلب وجبال القلمون في الشمال والجولان في الجنوب. وترك التزام الحزب بسوريا أثره على معنويات المقاتلين وقدرات الحزب. ويقول محللون إن خسائر «حزب الله» في سوريا تفوقت على خسائره في حربه ضد إسرائيل والتي استمرت 18 عاما. وأثر وقوف نصر الله مع الأسد على سمعته في العالم العربي، فعلى خلاف شعبيته أثناء حرب تموز 2006 تحول نصر الله وحزبه لرمز الشر في العالم العربي و «حزب الشيطان». ورغم استمرار الشيعة في لبنان بدعم «حزب الله» لخوفهم من تهديد «تنظيم الدولة» إلا أن هناك مظاهر من التوتر والتمرد.
ويتساءل البعض وإن بصوت مكتوم إلى أين يأخذ نصر الله، الرجل الذي وثقوا به، الحزب والشيعة ولبنان؟ وينقل عن والدة مقاتل مات في سوريا «نحن مع المقاومة، ونثق بنصر الله عندما يعدنا بالنصر في سوريا، ولكن كم من الوقت سيأخذه وكم من أولادنا سيموتون حتى يتحقق النصر؟». ويشير بلانفورد إلى أن قرار المشاركة في سوريا لم يكن سهلا على «حزب الله» نظرا لأُثره على العلاقات السنية – الشيعية لكن المصالح تغلبت على المخاوف والعلاقات مع السنة.

تسللوا في البداية

وينقل الكاتب عن رندة سليم، المتخصصة بـ»حزب الله» في معهد الشرق الأوسط بواشنطن أن «قرار نصر الله إرسال مقاتلين إلى سوريا جاء بعد مداولات مكثفة مع الإيرانيين». مشيرة أن قرار نصر الله يأتي في المرتبة الثانية بعد قرار المرشد في الشؤون المتعلقة بالمشرق – سوريا ولبنان والعراق. وفي البداية تسلل مقاتلو الحزب إلى سوريا وانتشروا في القرى الشيعية وحول مقام السيدة زينب في دمشق. وحاول نصر الله تشكيل خطاب ليقنع فيه القاعدة الشيعية في لبنان وأكد فيه على أهمية سوريا «لمحور المقاومة» وأن نهايتها تعني نهاية القضية الفلسطينية. وحذر نصر الله من العناصر «التكفيرية» في المعارضة السورية التي تشكل خطرا على الشيعة. لكن نقاده اتهموه بتعريض الشيعة لانتقام السنة بسبب دخوله سوريا. وبحسب صبحي الطفيلي، أحد مؤسسي الحزب «أخذ نصر الله الشيعة إلى أماكن خطيرة، وبدأ حربا مع جيراننا ستلاحقنا لأجيال». ويلاحظ بلانفورد أن صور الشهداء في الحرب مع إسرائيل بهتت بسبب الصور الجديدة للمقاتلين الذين سقطوا في سوريا. وتظل هذه ساحة جديدة لتدريب المقاتلين على فنون الحرب. لكن إسرائيل لم تختف وتهديده لها قائم حيث يقول رونين كوهين، الضابط الأمني السابق «يعتبر حزب الله أكثر أعداء إسرائيل والنقطة الرئيسية لمدة 30 عاما». فرغم انخراطه في سوريا يراقب «حزب الله» الجبهة الجنوبية مع إسرائيل ويواصل استعداده للمعركة وزيادة ترسانته الحربية. وقال نصر الله «لم نتخل عن هذه الجبهة ولن نتخلى عنها» وذلك في خطاب ألقاه في الذكرى 15 لانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب. ولكن سوريا تظل المحور الرئيسي لاهتمام الحزب، فبحسب أبو خليل الذي سافر أكثر من 20 مرة إلى سوريا «نتنافس فيما بيننا من يذهب أولا إلى سوريا، ونحن أقوى من ذي قبل».
ويرى أبو خليل أهمية نجاة الأسد لحماية ما يراه وحزبه محور المقاومة. وليس كل المقاتلين مثل أبو خليل فهناك من يشعر بالتعب من رؤية زملائه وهم يقتلون في سوريا «لست وحدي، هناك الكثيرون ممن يريدون الرحيل بعد أن عانوا ما فيه الكفاية» حسب أحد المقاتلين القدماء. وأضاف أنه يعرف بعض المقاتلين الذين عادوا من سوريا وتركوا الحزب وانضموا لأمواج المهاجرين المتجهة نحو أوروبا. وقال «على السوريين أن يقاتلوا دفاعا عن أنفسهم فلماذا أذهب للقتال هناك» من أجلهم. ولا تعبر هذه الأصوات عن تحد خطير لنصر الله الذي لا يزال يحظى بدعم القاعدة الشيعية وثقة إيران. ومع ذلك فكلما طال أمد الحرب كلما تساءل كوادر الحزب عن معناها وإلى أين ستؤدي. وهذه صورة عن المعضلة التي يواجهها طرف خارجي دخل المعمعة السورية، فمخاطر التدخل أو خوض حرب بالوكالة تنذر دائما بحرب داخلية وهو ما حذر منه المعلق في صحيفة «فايننشال تايمز» جدعون رتشمان القوى الأجنبية من الاحتراق في النار السورية.

نيران سوريا

وذكر رتشمان كيف تورطت القوى الخارجية في الحرب الأهلية الإسبانية في الثلاثينات من القرن الماضي حيث دعمت طرفا في الحرب. فألمانيا النازية وقفت مع القوميين، أما الاتحاد السوفييتي السابق فدعم الجمهوريين. ودعم المتطوعون الحالمون الذين تدفقوا من كل مكان طرفا من هذه الأطراف. ويرى أن نفس السيناريو يتكرر اليوم في سوريا. واعتبر الكاتب تطور الحرب الأهلية لحرب بالوكالة يعتبر في حد ذاته مأساويا وخطيرا، فلم يعد بالإمكان وضع حد للحرب في ظل تدخل الدول الخارجية والمتطوعين الأجانب.
فعلى خلاف الحرب التقليدية التي كانت ستنتهي بعد أربعة أعوام، مما سمح للسوريين بعض الراحة لإعادة بناء حياتهم وبلدهم، فالتدخل الخارجي صب الزيت على لهيب النزاع بدرجة لم يعد بالإمكان حله إلا بتدخل دولي، وهو على ما يبدو الأمل الوحيد لإنهاء الحرب. ويضيف رتشمان إلى أن سوريا ليست في مرحلة التسوية بل التصعيد الذي يحاول فيه كل طرف في النزاع تحقيق النصر لجانبه أو تعزيز أوراق نفوذه في أي عملية محادثات سلام مقبلة. فقد تدخلت إيران وروسيا و»حزب الله» نيابة عن الرئيس بشار الأسد. أما الولايات المتحدة والسعودية ودول الخليج، فرنسا وبريطانيا فدعمت قوى المعارضة المسلحة. وفي الوقت نفسه يستمر تدفق الجهاديين إلى سوريا حيث يقاتلون إلى جانب ما يطلق عليها بـ»الدولة الإسلامية».

آثار وخيمة

وحذر رتشمان من آثار الحرب بالوكالة الكارثية على الدول التي تجري عليها وتلك التي تساهم في إشعالها. ويرى أن الدول التي قاتلت في الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي هي نفسها التي واجهت بعضها البعض أثناء الحرب العالمية الثانية. ولهذا يجب أن لا يهمل أثر الحرب الأهلية السورية على الدول المساهمة فيها. فلا يمكن استبعاد مواجهة بين إيران والسعودية أو حتى روسيا والولايات المتحدة، خاصة أن طيران البلدان يعمل في مجال جوي واحد.
ويقول إن مخاطر الحرب بالوكالة تتعدى سيناريو المواجهة المباشرة بل قد تمتد لأبعد من هذا. ويشير للدور الذي لعبته الولايات المتحدة وباكستان في الحرب الأفغانية، حيث خاضتا حربا بالوكالة ضد الاتحاد السوفييتي السابق. وعادت هذه الحرب التي جرت في الثمانينات لتلاحق البلدين وتحرق أصابعهما عندما أصبحا هدفا لتنظيم «القاعدة» والمتشددين الإسلاميين. ويقول إن السعودية قد تواجه مخاطر من التشدد الإسلامي الذي دعمت بعض جماعاته. وهناك مخاطر أن يؤدي التورط الروسي في سوريا لإثارة حنق المسلمين الروس ما سيؤدي لتدفقهم بأعداد كبيرة لدعم الجهاديين في سوريا.

نقاط ضعف

ورغم كل هذه المخاطر لا تزال الدول الخارجية تعمل على دعم النزاع وتخشى من أن يقوم طرف آخر بأخذ زمام المبادرة على حسابها ووكلائها في سوريا. ولا تزال القوى الأجنبية منخرطة في النزاع السوري. وتخشى كل واحدة منها بأن يتأثر موقعها الأمني حالة سمحت للطرف الأخر أخذ زمام المبادرة في النزاع. وأوضح مثال على هذا كما يقول هو الصراع بين القوى السنية والشيعية حيث يلقى نظام الأسد دعما من الدول التي يتسيدها الشيعة في إيران والعراق. أما القوى المعادية للأسد فتلقى دعما من القوى السنية، خاصة السعودية ودول الخليج وتركيا. وزيادة على هذا الصراع الإقليمي هناك التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا – حيث تدعم روسيا حكومة نظام الأسد الذي تطالب أمريكا بالإطاحة به. مع أن رتشمان يرى أن التنافس الروسي – الأمريكي هو في جزء منه حول التأثير في منطقة الشرق الأوسط ولكنه يحتوي على عناصر أيديولوجية وجيوسياسية. ويخوض الغرب حاليا مع روسيا حربا بالوكالة على مستقبل أوكرانيا، وهما على خلاف حول دعم فكرة «تغيير النظام» ضد الحكومات غير الديمقراطية والقمعية». وفوق هذه الحزمة من المصالح والتنافسات هناك «تنظيم الدولة» الذي يضيف طبقات أخرى من التعقيد. ويقول إن الدول المتنازعة على سوريا يجمعها من الناحية النظرية التهديد النابع من الجهاديين القوى الخارجية.
لكن من الناحية العملية، يتهم الغرب روسيا بتجاهل «تنظيم الدولة» واستهداف الجماعات المعتدلة التي تقاتل نظام الأسد وبعضها يتلقى الدعم من الحكومات الغربية. وفي السياق نفسه يشير للخلاف الأمريكي – التركي الأقل وضوحا حول الأكراد حيث اكتشفت أمريكا أن تركيا معنية أكثر بضرب المتشددين الأكراد الذين يعتبرون من أكثر الجماعات التي أثبت فعالية في قتال تنظيم الدولة أكثر من محاربة تنظيم الدولة. وفي ظل الحرب بالوكالة الدائرة على أرض سوريا فما يجمع كل هذه القوى هو الخوف من خسارة الطرف الذي يدعمه. فالسعوديون يخشون صعود إيران، والأخيرة خائفة من خسارة حليفها السوري واستبداله بحكومة سنية معادية.
أما بوتين الذي يواجه اقتصادا متآكلا وجمودا على الساحة الأوكرانية فيريد منع عمليات تغيير أنظمة مدعومة من القوى الغربية. وتشعر الولايات المتحدة بأنها مجبرة على الرد لأن إدارة أوباما تتهم مرة أخرى بتقبل تراجع القوة الأمريكية. ورغم كل هذا فالقاسم المشترك بين هذه القوى أنها لا تستطيع التصرف بطريقة جماعية لإنهاء الحرب و»حتى يتقرر التعاون فيما بينها فسيتواصل البؤس السوري».

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية