«حزب الله» يُؤرق عاصمة النزوح التي لا تنام… والعين على «سرايا المقاومة»: عرسال اللبنانية شوكة في خاصرة «سوريا المفيدة»

حجم الخط
3

لبنان ـ «القدس العربي»: «عرسال» بلدة لبنانية ذاع صيتها لارتباطها الوثيق بالثورة السورية منذ بداية انطلاقها. أخبار تلك البلدة الواقعة على سلسلة لبنان الشرقية تحتل حيزاً مهماً في الإعلام، ولاسيما أنها تأوي عشرات الآلاف من النازحين السوريين، والأهم أن جرودها، التي تشكل 4 في المئة من مساحة لبنان الإجمالية والمرتبطة  بجرود القلمون السورية على طول 50 كلم، تحوّلت ملاذاً لتنظيمات سورية مسلحة ولاسيما «جبهة النصرة» و»تنظيم الدولة الإسلامية». وكلما سيطر النظام السوري على مناطق في القلمون، اتّجه المسلحون نحو الجرود والأهالي نحو البلدة.
موقعها الجغرافي المتميّز والاستراتيجي يضعها في «عين العاصفة». ففي مخططات النظام السوري وميليشيا «حزب الله»، الذراع العسكرية الإيرانية في لبنان والتي تقاتل في سوريا، لا تزال عرسال تشكّل العائق أمام حماية ما بات يُعرف بـ»سوريا المفيدة»، في رأي النائب جمال الجراح الذي يُتابع عن كثب واقع عرسال. هي أشبه بـ»جزيرة» وسط مدّ جغرافي واسع أضحى بمعظمه تحت سيطرة النظام على المقلب السوري و»حزب الله» وامتداده المذهبي على المقلب اللبناني.
فثمة «حرب نفسية» يتعرّض لها «العراسلة» بين وقت وآخر، ولاسيما حين يَعمَد بعض السياسيين إلى توصيف البلدة بأنها «مُحتلة» وإلى إلصاق تهمة «الإرهاب والداعشية» بها. «حرب نفسية» كان يمكن أن تكون مُدمّرة بالكامل لأبنائها لولا تمسّكهم القوي بمسقط رأسهم، رغم كل المخاطر ورغم الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها، ليس راهناً، بل منذ عشرات السنين. ذلك أن عرسال هي من البلدات المنسيّة على مستوى الإنماء، وحالها حال كثير من بلدات الأطراف التي تُعاني كثيراً من الحرمان، سواء في البقاع أو الشمال.
الإحصاءات تصل بعدد سكانها إلى 35 ألف نسمة، ونسبة قليلة منهم تقطن خارج البلدة. يقول أحد أبناء عرسال خالد الحجيري، وهو مهندس كهربائي، إن «العرسالي ما فيه يعيش خارج عرسال، مثل السمكة إذا طلعت من البحر بتموت».  دَرَسَ وتخصّص وسافر إلى الخارج لكنه قرّر العودة وهو في ريعان الشباب إلى بلدته والعيش فيها مع عائلته، غير آبه لكونها «معزولة» أو بعيدة. يعمل قليلا بشهادته الهندسية، ويملك مقهى يُشكّل ملتقى لشبان البلدة. ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي ويسعى بقوة للدفاع عن الصورة المغلوطة التي يسعى الإعلام إلى تعميمها عن عرسال. حين قامت مندوبة «الوكالة الوطنية  للإعلام» في بعلبك – وهي الوكالة الرسمية – قبل أسابيع قليلة  بنشر خبر عن نزوح من البلدة بسبب اشتباكات بين «جبهة النصرة» و»تنظيم الدولة الإسلامية» في جرود عرسال، تصدّى لها من خلال حسابه على فيسبوك وتحدّاها أن تُجري مقابلة واحدة مع نازح عرسالي من البلدة. لم يكن وحده في الميدان، بل قامت لجنة المتابعة في البلدة بعقد اجتماع استثنائي وإصدار بيان نفي، نشرته الوكالة بعد ساعات قليلة من خبرها الأوّل. كانت لافتة قول البيان «كأن السيناريو يستعيد ذاته» في إشارة إلى أحداث الثاني من آب/أغسطس 2014، والتي تسود فريق 14 آذار قناعة بأن شرارتها كانت مُدبّرة.
في ذاك اليوم المشؤوم، أَوقف أحد الحواجز المقامة عند المعابر، التي تفصل الجرود عن البلدة، القيادي السوري عماد أحمد جمعة الذي سبق أن بايع «التنظيم». كثيراً ما اجتاز جمعة الحاجز العسكري من دون أي اشكالات، قاصداً البلدة للإطمئان على عائلته في مخيمات اللجوء. الرواية العسكرية أنه لم يكن يمرّ على حواجز الجيش، بل عبْرَ طرق فرعية، لكنه تلك المرّة فَعَلَ، فأوقف. ووقع المحظور: مواجهات بين «تنظيم الدولة» و»جبهة النصرة» من جهة، والجيش والقوى الأمنية اللبنانية من جهة أخرى، قتلى وجرحى وأسرى للجيش والقوى الأمنية ومن ثم انسحاب للمسلحين واستعادة الجيش نقاطه. ولكن الأيام الستة من المواجهات كانت كفيلة بفتح باب جهنم على عرسال، مقيمين ووافدين.
لم يكن وضع أهل عرسال قبل آب/أغسطس 2014 على أفضل ما يُرام. هم أساساً يعتمدون في معيشتهم على ثلاثة مصادر أساسية تتوزع بين صناعة الحجر والزراعة والتجارة. وترتكز في جزء كبير منها على  الجرود. ففي الجرود، الكثير من المقالع والكسارات، نظراً إلى طبيعتها الصخرية التي جلبت الشهرة للحجر العرسالي والطلب عليه، وهي صناعة تستقطب الكثير من اليد العاملة. أما الزراعة، فهناك مساحات شاسعة في تلك الجرود التي تضم الملايين من أشجار الكرَز التي تشتهر بها، فيما التداخل بين الجُردين اللبناني والسوري ووجود مَعابر طبيعية غير شرعية مع مناطق القلمون شجّع تجارة «تهريب البضائع»، الأمرالذي كان يُنعش البلدة.
تراجعت تلك المصادر تدريجياً بعد الثورة السورية لتُصاب بنكسة كبيرة بعد أحداث عرسال. ضيّق الجيش اللبناني الخناق على المعابر بين البلدة والجرود، ما آل عملياً إلى فرض حصار عسكري على البلدة. فأثّر ذلك على حركة عبور العمال إلى المقالع والكسّارات ومعامل الحجر والمَناشِر، وانعكست عمليات قصف الجيش على وادي حميّد وتشدّد الحواجز في تمرير الآليات والوقود، سلباً على هذا القطاع الذي كان، في الأساس، يشهد ركوداً بفعل الجمود الاقتصادي في البلاد عموماً. كذلك أدّت سيطرة «حزب الله» لاحقاً على مساحات من الجرود التي دخلها من القرى الشيعية المتاخمة جنوباً إلى احتلال بساتين الكرز ومصادرة ملايين الأشجار. ويغلب الظن أن مقاتليه يستثمرون المحاصيل، فيما البعض الآخر قد تضرر بفعل الأعمال المسلحة، وبعض البساتين يتمركز فيها الجيش. واضمحلت تجارة «تهريب البضائع» بين البلدات السورية وعرسال بفعل نزوح غالبية تلك البلدات في القلمون، بعد سيطرة النظام عليها، إلى قلب عرسال، وفاقمها حال تشديد الحصار على المسلحين في الجرود، وعلى المخيم في وادي حميّد الذي يُقدّر عدد النازحين فيه بـ15 ألف نسمة.
يقول المحامي نبيل الحلبي مدير مؤسسة «لايف» المعنية بالإغاثة المباشرة في النزاعات المسلحة، أن الدولة اللبنانية لم تلتزم كلياً بالاتفاق الذي أبرم معها في صفقة إطلاق العسكريين المحتجزين لدى «جبهة النصرة» والتي تمّت في الأول من كانون الثاني/ديسمبر 2015. تفاوضت مؤسسة «لايف» إلى جانب دولة قطر مع الدولة اللبنانية. كانت قطر هي الضامن السياسي ومؤسسة « لايف» الضامن الإنساني لتنفيذ الاتفاق. نَصَ الاتفاق، وفق الحلبي، على «فتح ممر إنساني آمن إلى وادي حميّد، بما يُتيح حرية الحركة بين المخيّم والبلدة وتوجّه أبناء عرسال إلى مقالعهم وكسّاراتهم، إلا أن هذا لم يحصل. رفض الجيش إقامة مدرسة ومركز طبي وتأمين الإغاثة الدورية للمخيم، فبقي الحصار مُحكماً عليه ودخلته المساعدات الإغاثية مرة واحدة يوم التنفيذ، فيما تستمر الحركة مقيّدة بالنسبة إلى ذهاب العراسلة لمقالعهم. ولم تُفلح المراجعات مع قيادة الجيش، الأمر الذي من شأنه أن يترك تداعيات سلبية على أي اتفاق مستقبلي، فضلا عن الضغوط التي يُراكمها هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي على سكان عرسال الذين يتحمّلون عبء النزوح السوري الكبير نحو بلدتهم».
فوفق التقديرات، هناك ما يقارب الـ30 إلى 35 ألف نازح موزّعين على عدد من المخيمات في غير بقعة داخل البلدة. والنسبة ذاتها من العراسلة مضاف إليها 15 ألف نازح في الجرد، ما يجعل حجم الكتلة البشرية كبيراً جداً على قدرات البلدة وإمكاناتها. فالرقم هنا يتراوح بين الـ60 و65 ألف نسمة داخل البلدة و80 ألفاً مع الجُرد. كتلة بشرية كانت لتُفجّر أزمات لا تُحمد عقباها لولا الروابط الاجتماعية القوية. حسب أحد العراسلة، الذي يُفضّل عدم ذكر اسمه، فإن التجاوزات أو السرقات التي تحصل مرتين أو ثلاث في الشهر داخل البلدة، تعتبر أقل بكثير من النسبة المتوقعة في بقعة جغرافية محصورة وعدد سكانها يفوق طاقاتها وتعاني ظروفاً اجتماعية ونفسية صعبة.
العلاقة بين العراسلة والنازحين السوريين لا تزال، رغم كل الضغوط، مقبولة. تجاوُر البلدة مع البلدات السورية والعلاقات التجارية والاقتصادية سابقاً أنتجَ روابط اجتماعية عبر المصاهرة. الزيجات بين اللبنانيين والسوريين على مقلبي الحدود مسألة مألوفة، لاسيما وأن بعض البلدات متداخلة بشكل يصعب معه تحديدها أو فصلها.
توطدت العلاقات بعد النزوح. شراكة تجارية ومصالح اقتصادية وزيجات متعددة. يقارب المهندس الحجيري الوضع بكثير من الطرفة: «صارت المرأة العرسالية عندها «عقدة الزواج» من إمرأة سورية». من وجهة نظر أصحاب المحال التجارية، فإن السوريين بدأوا يضاربون عليهم. وهم لديهم القدرة على كسر الأسعار لأن مصاريفهم واستحقاقاتهم أقل. يعيشون في المخيمات ويحصلون على معونات شهرية، الأمر الذي يجعلهم قادرين على المضاربة بالأسعار و»حرقها». يقول عراسلي «هم أشطر منّا بالشغل ولديهم خبرة أكبر. فتحوا محامص ومطاعم بجودة أفضل». مسألة المضاربة مسألة أخرى يمكن أن تترك آثارها في المستقبل إذا تأزمت الأمور، لكنها تندرج الآن في خانة «كل واحد بيعمل مصلحتو»، وما في عصبية عند العرسالي ليشتري من عرسالي والسوري من عند السوري».
تلك المضاربة في تجارة التجزئة، وبين دكان من هنا ودكان من هناك، يُمكن احتواء نتائجها، لكن المشكلة الاقتصادية تكمُن في قطع أرزاق أصحاب المقالع والكسّارات والمناشِر والعاملين فيها، وفي انقطاع الإنتاج الزراعي حيث «استوطن حزب الله». قصَدَ النائب الجراح وفاعليات من البلدة رئيس الحكومة بحثاً عن حل. في اقتراحات الحلول أن يُسهّل الجيش إجراءاته لتخفيف مشقة الوصول إلى المقالع الصخرية، وأن ينسحب «حزب الله» من البساتين التي احتلها، ويترك المهمة للجيش الذي يُحوّط البلدة ولديه قدرة القيام بعمليات أمنية حين يريد. فـ»العملية النوعية» التي نفذها مؤخراً وقضى فيها على مجموعة  «داعشية»  قوامها 6 خارجين على القانون داخل عرسال وتوقيف 16 على علاقة بالتنظيم، لا تزال أصدؤاها ماثلة في مواقف المسؤولين، والتهاني تُزف إلى المؤسسة العسكرية من كل حدب وصوب. والغالبية الساحقة من أبناء البلدة لا تنفك عن إعلان دعهما للجيش ووقوفها إلى جانبه، رغم سعي «حزب الله» وحلفائه للتحريض على البلدة. إطلاق سراح العسكريين المحتجزين لدى «جبهة النصرة» ترك آثارا إيجابية على عرسال البلدة. خفّت حدّة الحصار والإجراءات المشددة التي كانت مُتخذة سابقاً على مدخل البلدة. وباتت المساعدات الإغاثية تصل إلى عرسال دورياً سواء للنازحين أو للسكان بالتعاون مع البلدية، حسب مدير «مؤسسة لايف» المنظمة غير الحكومية، المُعتبرة في مقدمة المنظمات التي تُعنى بوضع النازحين في عرسال وتساندهم إنطلاقاً من أن هذه البلدة شهدت نزاعات مسلحة.
المستشفيات الميدانية والمستوصفات مزوّدة  بالأدوية والتجهيزات الطبية. بعضها جهزتها «لايف» بالتعاون مع الهلال الأحمر القطري، وهي تقدّم الخدمات الطبية للجميع، ويعمل فيها أطباء سوريون. وهناك ما يزيد عن 25 طبيباً في عيادات خاصة وصيدليات تزوّدها شركات الأدوية الخاصة.
الاحساس بالحلحلة يُعبّرعنه كثير من أهالي البلدة. فلدى سؤالهم عن أحوالهم، يبادرون إلى القول «أحسن بكثير من قبل. خَفّت المضايقات. الدخول والخروج أسهل». الحديث هنا لا يتناول فقط المضايقات المرتبطة بالإجراءات الأمنية. حين كان التوتر على أشدّه على خلفية إعدام التنظيمات المسلحة لعسكريين، ومنهم مَن ينتمي إلى الطائفة الشيعية، عانى أهل عرسال – كونهم أبناء بلدة سنية ومؤيدة وحاضنة للثورة السورية – مِن جارتهم اللبوة، طريقهم الوحيدة. في ظل الاحتقان المذهبي يزداد التخوين والاستهداف السياسي. حين يَخبو تهدأ الأجواء، وحين يُراد له أن يستعر، تعلو الأصوات التي تستهدف العراسلة.
اليوم، على وقع التطورات السورية وتحقيق النظام السوري وحلفائه تقدماً على أكثر من جبهة، تزداد المخاوف على عرسال من قلاقل أمنية. يَكثر الحديث عن زرع «حزب الله» خلايا نائمة عبر عناصر من البلدة موالية له منتمية إلى ما يُعرف بـ»سرايا المقاومة»، الأجنحة السنية والدرزية والمسيحية التابعة لـ»حزب الله» كل حسب انتماء منطقته. يتم التداول برقم يقارب 150 شخصاً في عرسال من لبنانيين وسوريين. القلق يساور الكثيرين، والمخاوف من مخططات في غرف سوداء تروّج عند أي اشتباك بين المسلحين في الجرود أو قصف عليها من الجيش عن عمليات نزوح جماعية بغية خلق حالٍ من الذعر تفضي إلى تهجير ممنهج للأهالي وتفريغ البلدة.
لم يكن من قبيل الصدف أن يتناول أحد خطباء المساجد في عرسال مسألة «سرايا المقاومة» وارتباطها بخلايا «داعشية». هو تعبير مشروع عن المخاوف من افتعال فتن داخلية، تؤدي إلى حال الفوضى ما يدفع الجيش إلى القيام بـ»عملية تطهير» أشبه ما تكون بعملية إخضاع! هي أحد السيناريوهات المتداولة، التي قد ينجح من خلالها «حزب الله» في تطويع تلك «الجزيرة» بالواسطة، فدخوله مباشرة في معركة عرسال يُسعّر المشهد المذهبي، أمّا التلطي خلف «العلم اللبناني»، فمن شأنه أن يُحرج الآخرين حتى ولو كان «حماة الوطن» على خطأ!
فهل ينجح… أم تنتصر عرسال على كل ما يُحاك لها؟

رلى موفق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية