حساب الشعب: مثالان فحسب

حجم الخط
1

* إن الخطوات التي اتخذتها الحكومة تتم على حساب الشعب.
* يقوم الرئيس (فلان) بممارسات على حساب الشعب والوطن.
ولما كنت لا أعرف حسابا للشعب. فكثير من الذين أسمع عنهم لا يحسبون للشعب حسابا ولا يفتحون له (حسابا) إلا في مصرف الآلام والمآسي.. فرأيت أن ألقي نظرة لغوية عابرة على هذا المصطلح (حساب الشعب). أما الشعب فمعروف وأما حسابه فلنبدأ:
الحساب من الجذر، ح. س. ب، والأصل فيه: العدّ، تقول: حسَبت ما عندي من دراهم. والحًسبان، بضم الحاء: الحساب الدقيق، وورد ونظائر له في التنزيل العزيز مما يحوج إلى تناول خاص. وإذا كسرت الحاء: الحِسبان، فهو الظن. كما في قولك: حسِبْتُهُ صادقا في قوله، بمعنى: ظننته، ثم خاب ظنك به. وإذا خسرت عزيزا عليك، يقول لك المعزون: احتسبْه عند الله، فكأنه مذخور لك عنده. والحِسْبَة: حسن التدبير. ولا تكون حَسَنَ التدبير ما لم تكن تحسن العدّ والحساب. فتفهم ما حولك وتتخذ المواقف الملائمة.
ويتطور الاستعمال إلى: أحْسَبْتُ صاحبي إذا كان محتاجا فأغنيته، أو وهبته ما يُرضيه. وافتخرت امرأة من العرب:
ونُقفي وليدَ الحيّ إن كان جائعا
ونُحْسِبًه إنْ كان ليس بجائع
أي إنهم يطعمون الجائع ويُكفون غيره.
ومنه الحَسَب، وأصله تعداد الآباء الأشراف. ولكن هذا المعنى انتقل إلى النسب، واختص الحسَبُ، في بعض النصوص، بمعنى السلوك والأخلاق الفاضلة. وقد روي: (حَسَبُ الرجلِ خُلُقُه). ولذلك قابلوه بكلمة (النسب) الدالة على الآباء والأجداد، ومن ذلك قول الشاعر:
ومَن كان ذا نَسَبٍ كريمٍ ولم يكن
له حَسَبٌ كان اللئيمَ المذمّما
وقد صاغه شاعر آخر فقال:
(وربّ حسيب الأصلِ غيرُ حسيبِ)
بمعنى أن نسبه شريف ولكن سلوكه غير شريف.
ومن هذا الجذر جاء لفظ الحساب الدال على العدّ والحدّ، كما في: (واللّهُ يرزُقُ مَن يشاءُ بغيرِ حسابٍ) أي بلا حدود. وبمعنى المحاسبة على القول والفعل: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ). فلا أنت مسؤول عما فعلوه، ولا هم مسؤولون عما تفعل.
وتقول: حسِب الشيءَ: تخيّله وتوقّعه. وجاء في التنزيل العزيز: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ). قريب من معنى: لا يظن ولا يتوقع. وتحسب ما عندك من دراهم أو دنانير، أي: تعدّها. وأن تتحسّب لعدوّك أي تتحرّز منه، فكأنك تحسب، بدقة، جوانب قوته وضعفه. وإنما سمي الحساب، هنا، تحسبا لأنه يجري مجرى الدقة في العدّ المؤدي إلى الاستعداد.
ثم جاءت المصارف في العصور الحديثة، وصار الناس يضعون أموالهم فيها، فظهرت مقولة: اشترى فلان البضاعة من حسابه المصرفي. أو دعانا على حسابه لمأدبة. ثم ظهر: حساب الشعب. وهو تعبير استعاروه من الثقافة الأجنبية فأخذوه على علاته، وأرى من أسباب الاستعارة أنه غائم المعنى. وفي السياسة يستحسن أن تكون العبارات غائمة بلا تحديد.
ولا أقول إنه استعمال خاطئ ولا مخطئ، بل أقول: إنه في أدنى مستويات التعبير اللغوي بحيث لا تتقبله حتى الاستعارة والكناية والتشبيه.
فإذا سألتني عن البديل فسأقول لك، لم لا نقول: إرادة الشعب، أو مصلحة الشعب؟ فهذا أكثر وضوحا وأعمق دلالة.
وياليتنا نعرف كيف نحاسب أنفسنا على ما نفرّط من أعمارنا التي نضيعها في الأوهام الزئبقية والشعارات الصاخبة التي لا مهاد لها.
فهل من سفينة نوح جديدة؟ أم نحن بحاجة، إلى نوح جديد يصنع سفينة جديدة؟ وأضمن له أن ستكفيه سفينة أصغر من فُلك نوح بكثير. ولولا بقية من حسن الظن لقلت إنه لن يحتاج إلا إلى زورق صغير.
باحث جامعي عراقي – لندن

حساب الشعب: مثالان فحسب

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية