حساب الغاز

حجم الخط
0

إسرائيل ستقوم بدعم كل خطوة دولية حول التنديد الدولي وفرض العقوبات أو استخدام القوة ضد نظام بشار الأسد. ولكنها هي نفسها لن تقوم بأي خطوة عملية في سوريا باستثناء تقديم المساعدات الإنسانية للمواطنين السوريين قرب الحدود في هضبة الجولان. هذه هي سياسة إسرائيل على خلفية جرائم الحرب التي قام بتنفيذها نظام الأسد ضد أبناء شعبه في هذا الاسبوع. وهم يسمون ذلك «سياسة الواقع».
يوجد لإسرائيل ما يكفي من الادلة على أن من نفذ القصف الكيميائي في خان شيخون هو سلاح الجو السوري بأمر من القصر الرئاسي في دمشق. النظرية الاساسية في الاجهزة الأمنية هي أن استعراض القوة الكيميائي الاخير في سوريا وكمية المواد الكيميائية التي يقوم النظام باخفائها، لا تشكل خطرا حقيقيا على إسرائيل. رغم أن الشيطان دخل في رأس الأسد، فهم يعتقدون في إسرائيل أنه لن يتجرأ على استخدام السلاح الكيميائي ضد إسرائيل لأنه تم ابلاغه اكثر من مرة في السابق أن استخدام السلاح غير التقليدي سيجد ردا شديدا.

بين اسكتلندا وكوريا الشمالية

يمكن القول إن إسرائيل فحصت مؤخرا الخيارات التي امامها وتوصلت إلى استنتاج أن العمل ضد النظام السوري لا يبرر المخاطرة السياسية والعسكرية. إسرائيل لا ترى مثلا أن هناك حاجة للقيام بخطوة عسكرية أو دبلوماسية في سوريا تضعها في مواجهة مع الرئيس بوتين. هذا هو الثمن الذي تدفعه مقابل التفاهمات الاستراتيجية بينها وبين الرئيس الروسي. وعلى خلفية جهود تجنيد روسيا للحفاظ على مصالح إسرائيل في اطار الاتفاق السياسي في سوريا، روسيا ايضا تساهم بدورها. وحسب ما نشر في روسيا يمكن القول إن اللقاء الذي جرى في الاسبوع الماضي بين رئيس إيران حسن روحاني والرئيس الروسي، طلب بوتين أن تكف إيران عن تشجيع السوريين من اجل تصعيد الوضع الامني مع إسرائيل. بكلمات اخرى، استخدم الرئيس الروسي شراكته الاستراتيجية مع إيران، التي هي العدو اللدود لإسرائيل، من اجل التأثير على الرئيس الأسد في صالح إسرائيل. هذا الامر يبدو هستيريا، لكنه بالضبط ما تتوقعه إسرائيل من بوتين في وجه حزب الله وإيران والأسد مقابل تعاون إسرائيل في تحقيق المصالح الروسية في سوريا ايضا. لهذا ليس من الجدير الدخول معه في صراع حتى لو كان السبب بربرية الجيش السوري.
من خلف طلب الرئيس بوتين من رئيس إيران يختفي ايضا قلق روسيا من الاستقلالية التي يعبر عنها الأسد بسبب انجازاته في ساحة المعركة وعدم اهتمام العالم بما يحدث في سوريا. هذا الشعور بالقوة هو الذي جعله يطلق صاروخا مضادا للطائرات على طائرات سلاح الجو الإسرائيلي قبل ثلاثة اسابيع، والهجوم الكيميائي في ادلب. اضافة إلى نجاحه في حربه ضد المتمردين يستغل الأسد عددا من التطورات الدولية التي تحرف انتباه العالم عن سوريا. البيت الابيض يوجد في ازمة كبيرة مقابل كوريا الشمالية التي تتحرش بالولايات المتحدة من خلال الصواريخ البالستية. وفرنسا منشغلة في الانتخابات التي ستجري بعد اسبوعين، وبريطانيا قلقة من الاستفتاء الشعبي حول استقلال اسكتلندا الذي قد يؤدي إلى الانفصال في المجالات الاقتصادية والسياسية والامنية، وفقدان الموقع العسكري للغواصات البريطانية في اسكتلندا. وروسيا غير مستعدة للتنازل عن مواقع لها في سوريا، وهي تنشغل في التحقيق في العملية التي حدثت في بطرسبرغ، المانيا ايضا قلقة حول شؤونها الداخلية. لا أحد يريد تلطيخ يديه الآن في سوريا. وعندها نسمع التنديدات الشديدة، لا أكثر من ذلك.
إن وقاحة الأسد في استخدام السلاح الكيميائي بعد قرار مجلس الامن بتفكيكه بأربع سنوات، تؤكد على أن العالم قد تعب من سوريا. واضافة إلى البعد الاخلاقي يصعب تفسير استخدام السلاح الكيميائي بشكل منطقي ضد هدف غير اساسي من ناحية النظام السوري، الذي يبعد 15 كم عن خط الجبهة بين الجيش السوري والمتمردين و30 كم عن مدينة حماة. المحللون يحاولون التمسك بنظرية الهوس في عائلة الأسد ضد السنة في حماة، الذين يشكلون منذ عقود مصدرا للتحريض ضد العائلة العلوية. في العام 1982 قتل الرئيس حافظ الأسد 10 ـ 20 ألف شخص من سكان حماة لكبح تمرد الاخوان المسلمين. وفي حينه قالت «امنستي» إنه تم استخدام المواد الكيميائية لاخراج السكان من منازلهم. وقد أنكر السوريون ذلك والعالم ندد، وهنا انتهى الامر. وقد استسلم الإسلاميون وطردوا من سوريا إلى حين اندلاع الحرب الاهلية. في هذا الاسبوع سار الأسد الابن في اعقاب والده، بعد انهيار وقف اطلاق النار في حماة قرر بشار القضاء على المتمردين كليا، بالضبط مثلما فعل والده. التسبب بعدد كبير من القتلى والمصابين لردع المتمردين في انحاء سوريا، واطفاء الحريق لفترة طويلة. الآن هو ينتظر ليرى إذا كان رهانه قد نجح.

ما الذي يختبيء في «سيرس»

لا يمكن معرفة كم بقي من السلاح الكيميائي في سوريا. التقدير هو أنه بعد عمل مراقبي منظمة تفكيك السلاح الكيميائي التابعة للامم المتحدة، بقي في سوريا عشرات الاطنان. ويجب الاخذ في الحسبان امكانية أن المركز الصناعي العلمي في سوريا «سيرس» استأنف عمله. تم انتاج وسائل عسكرية في سيرس مثل الصواريخ بعيدة المدى والسلاح الكيميائي. هل عاد هذا الموقع لانتاج السلاح الكيميائي سرا؟ هذا غير معروف. ولكن وسائل الإعلام الأمريكية نشرت أنه قرب عدد من مواقع سلاح الجو السوري هناك عدد من القنابل المحملة بغاز الاعصاب ومعدة للالقاء.
الاستخبارات الحديثة يمكنها معرفة كم طائرة قصفت في صباح يوم الثلاثاء، وكم طلعة (يتبين أنه كانت طلعتان من القصف الكيميائي). القدرة التقنية لاجهزة الاستخبارات الغربية المتطورة تمكنها من معرفة الاشخاص الذين جلسوا في الطائرات واللغة التي تحدثوا بها. ولكن ليس مؤكدا أن الدول الاعضاء في مجلس الامن ترغب بالفعل في معرفة ما حدث هناك بالضبط، وما الذي تحدث به الطيارون مع بعضهم، وهم يسمون ذلك «معلومات زائدة». إن معلومات كهذه يمكنها توريط من يعرفها، حيث إن المعرفة تتطلب فعل شيء. وأي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، لا ترغب في معرفة كل شيء والتورط.
مثال على المعلومات الزائدة التي تتسبب بالضرر يوجد في الفيلم الذي نشره الجيش الإسرائيلي في هذا الاسبوع في مناورة مشتركة للكوماندوز البحري الإسرائيلي والكوماندوز البحري الأمريكي، بما في ذلك السيطرة على «سفينة معادية». من يشاهد جيدا يمكنه رؤية أن الكتابة على السفينة كانت باللغة الروسية. ما هو التفسير الذي ستقدمه إسرائيل لروسيا عندما تسأل لماذا تقومون بالتدرب مع الأمريكيين على كيفية السيطرة على سفينة روسية؟. هذا تعقيد آخر على خلفية استخدام المعلومات الزائدة، الذي من شأنه أن يشوش العلاقة بين الدولتين.

يديعوت 7/4/2017

حساب الغاز
تعتقد إسرائيل أن الرئيس السوري لن يتجرأ على استخدام السلاح الكيميائي ضدها
اليكس فيشمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية