«حسن ومرقص وكوهين»… التحسر على التعايش المفقود

مع مشاهد الاحتراب والاحتقان والقتل التي تسود المشهد في أغلب بلادنا العربية، والتي يقف وراءها بامتياز التخندق الديني والطائفي والعرقي، ننظر إلى الخلف، إلى زمن مضى نتلمس بعض التسامح الذي كان سمة لأوطاننا التي كانت تحتضن كل مكوناتها الاجتماعية والدينية والعرقية، وربما كانت السينما أفضل كوة نحاول أن نتلصص منها على ماض نفتقده.
فالابداع والفن يمثلان انعكاسا للحياة الاجتماعية التي تفرزهما إلى حد كبير، يمكن أن نطمئن إلى مصداقية طرحهما بنسبة لا بأس بها. وكثيرا ما تتباين نظرة المدارس الاجتماعية إلى علاقة الفن بالمجتمع تبعا للمرجعية، أو الايديولوجية التي ينطلق منها الباحث، وربما كان للكتاب والنقاد الماركسيين اليد الطولى في هذا المضمار النقدي، المنطلق من رؤية ماركس التي يمكن إيجازها في أن البناء التحتي الاجتماعي/الاقتصادي للمجتمع هو المسؤول عن تشكيل البناء الفوقي (اي البنية الثقافية ) لذلك المجتمع وهذا المبدأ مثل منطلقا للمحللين الماركسيين على النظر إلى الاعمال الابداعية باعتبارها ذات طبيعة ايديولوجية بحتة، وان ما تقوم به الاعمال الفنية هو تجسيد للايديولوجيات السائدة في مجتمع ما في حقبة زمنية معينة.
لقد شاعت حادثة حدثت بين الكوميديان الكبير نجيب الريحاني وصديق عمره الكاتب بديع خيري، الذي كتب اغلب مسرحياته وافلامه، عندما توفي والد بديع خيري، ذهب نجيب الريحاني (وكان مسيحيا) ليعزيه، فوجد قارئ قرآن يقرأ في المجلس، وعندما انتهى العزاء، سأل الريحاني بديع خيري قائلا، «هو انت مسلم يا بديع ؟ فاجابه خيري؛ نعم انا مسلم، فقال الريحاني: ولكنك لم تخبرني بانك مسلم قبل ذلك؟ فاجابه بديع خيري: لانك لم تسألني!».
العلاقات في الوسط الفني والادبي في النصف الاول من القرن العشرين لم تكن محكومة بانتماءات طائفية وعرقية ودينية، في جو كانت دولنا العربية تسعى ضمن تجاربها الليبرالية الوليدة، أو الجنينية أن تتلمس طريقها لتصنع مجتمعات قائمة على قيم المواطنة والولاء للرموز الوطنية، بدون الجور على الهويات الاجتماعية الفرعية. لكن مع حقبة الاربعينيات وازدياد التوتر في العالم جراء الحرب العالمية الثانية، ابتدأت موجة رياح ايديولوجية جديدة كانت في الاعم الاغلب انعكاسا للايديولوجيا الالمانية القومية وتمظهرها الاعنف، الاشتراكية القومية، التي عرفت عالميا بالنازية. هذه التيارات القوموية العنيفة بدأت تمثل تهديدا للاقليات، عبر طرح فكرة القومية البوتقة التي تصهر المكونات الاصغر لتكون نموذجا دولتيا صلبا يستطيع النهوض بواقع المجتمعات العربية الخارجة توا من الحقبة الكولينيالية (البريطانية – الفرنسية) لتأخذ مكانتها المتخيلة بين الدول، بناء على الاستثمار في الماضي التليد للعرب.
في هذا الجو تحديدا، عندما كانت قوات رومل تجتاح قوات الحلفاء غرب مصر قادمة من ليبيا، وعندما ابتدأ الهروب الكبير للعديد من يهود مصر خوفا مما سيلحق بهم عندما يسقط البلد في قبضة الالمان، كان الثنائي (الريحاني – خيري) في عام 1941 في زيارة صديق لهما مريض في منطقة العباسية في القاهرة، وبحسب ما يرويه خيري في مقال له، إنهم قرأوا في الطريق لافتة فوق أحد المتاجر (مستودع… الأمانة لصاحبه ل. ابسخرون وص. عثمان)، لوحة الشركة تحمل اسم شريكين احدهما اسم مسيحي والاخر مسلم، فاقترح خيري استثمار الفكرة لكتابة مسرحية بهذا الخصوص، فاستحسن الريحاني الفكرة، ولكنه طلب منه أن يضيف شريكا ثالثا يهوديا ليقدما كل الشرائح الدينية في المجتمع في العمل، ومن هنا نبتت فكرة المسرحية، وباتا يقلبان معا عشرات الأسماء حتى استقر الرأى أخيرا على «حسن ومرقص وكوهين». كتب العمل، وملخصه حسن ومرقص وكوهين أصحاب مخزن أدوية، وعباس عامل في المخزن، يستغله الثلاثة ابشع استغلال، وعباس يحب بلقيس ابنة حسن بدون أن يستطيع البوح لها بحبه نتيجة فقره المدقع، تهبط عليه ثروة غير متوقعة عندما يتوفى عمه المهاجر، لكن الشركاء الثلاثة يعلمون بالخبر قبل عباس، عندما يقع التلغراف بيدهم، فيقررون استغلاله ونهب ثروته، فيتعاقدون معه بمرتب يساوى أضعاف مرتبه الأصلي، ولمدة عشرين عاما، مع شرط جزائي ينص على أن من يتخلى عن عمله بالمخزن يدفع تعويضًا كبيرا، وعبر سكيتشات كوميدية خفيفة قائمة على التناقض بين حالي عباس قبل وبعد الثروة، يتوصل عباس إلى أن المال هو السلاح الوحيد الذي يجعلهم جميعًا تحت رحمته، بمن فيهم حبيبته. القصة بسيطة وعادية ليس فيها أي ترميز أو محاولة تحميل قيم او مفاهيم لشخصيات العمل. ومع عمل كهذا لم يكن يتوقع صناعه مشاكل مع الرقابة، التي كانت متشددة تجاه الافكار اليسارية التي تعتبرها (هدامة) وتهدد الامن والسلم الاجتماعي، وفعلا ارسل العمل لادارة المطبوعات لإجازته، وابتدأت فرقة الريحاني بطرح الاعلانات التي تسبق الموسم المسرحي، لتأتي المشاكل من حيث لم يتوقع نجيب الريحاني ولا بديع خيري الذي يخبرنا عن تفاصيل الامر في مقال نشره في جريدة «مسرحنا» قائلا؛(إننا كنا قد أرسلنا بالمسرحية للتصديق كما هو المعتاد من إدارة المطبوعات، وفي انتظار هذا الإجراء بدأنا الدعاية للمسرحية في الصحف وفوق جدران الطرقات. والى هنا وكان الأمر يسير سيره الطبيعي، لولا أن فوجئنا بالاعتراض على المسرحية من إدارة المطبوعات، خضوعا لرأي أبداه في رسالة مكتوبة عالم ازهري، رأى من زاويته الشخصية أن إقحام (حسن) في عنوان مسرحية ضاحكة يتنافى مع القدسية الواجبة للحسن (رض) سبط الرسول (ص). كان غريبا كل الغرابة أن نقف أمام منطق كهذا، وفي الأخيار كما في الأشرار ألوف من حسن ولم تمس تسميتهم في كثير أو قليل قدسية سبط الرسول الكريم، وقد تطوع بالوساطة في الحكم بيننا وبين إدارة المطبوعات في ذلك الحين المستشار السابق الواسع الأفق المرحوم عبد السلام ذهني بك، الذي أضحكه كثيرا أن يكون المحرض على منع العمل هو احتواء العنوان على اسم حسن.
وحسبنا أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد، ولم يدر قط في خلدنا أن تحتج بدورها بطريركية مواطنينا الإخوة الأقباط الارثوذكس على اعتبار أن مرقص الرسول هو البشير بالكرازة المرقسية، ومرة أخرى تأزم الموقف وقام بدور حمامة السلام رجل المحاماة الضليع الفذ المرحوم توفيق دوس باشا، وحسبنا أننا قد نفضنا أيدينا من المتاعب وهل كان لنا أن نتصور ظهور اعتراض شديد من الحاخام اليهودي في مصر على أن معنى كوهين باللغة العبرية هو الكاهن الأعظم، ولا يمكن أن يمتزج اسمه بضحكات الضاحكين في مسرحية ساخرة، وللمرة الثالثة والأخيرة تصدى لإصلاح ذات البين صديق من رجال الإعمال هو موسى داسا، ولم يبق بعد هذا في قوس الاعتراض منزع».
عرض العمل في السادس عشر من نوفمبر سنة 1941 على مسرح دار الأوبرا بالقاهرة، حيث استمر عرضها شهرين (وهو رقم قياسي بمقياس تلك الايام )، ثم قدمه للسينما المخرج فؤاد الجزايرلي بالاسم نفسه عام 1954 في بداية العهد الجمهوري، وكان بطل العمل الريحاني قد توفي عام 1949، فاسند دور البطولة في الفيلم للمثل الكوميدي حسن فايق، وليعاد تقديم المسرحية مرة اخرى في ظروف مغايرة تماما في بداية الستينيات، وليقوم بدور البطولة هذه المرة الكوميديان العبقري عادل خيري ابن المؤلف بديع خيري، ولتطرح شخصية اليهودي في ظروف حرجة، حيث كانت مصر في حالة حرب مفتوحة مع اسرائيل بعد العدوان الثلاثي عام 1956.
وهنا احب أن اقول، لقد لفت انتباهي غياب شخصية اليهودي عن الكثير، إذا لم نقل اغلب الاعمال الدرامية العربية، رغم الوجود الفاعل للجاليات اليهودية في المجتمعات العربية، ورغم دورهم الكبير في صناعة السينما والمسرح والموسيقى، ولهذا الامر مقال اخر أن شاء الله.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية