بدأت منذ أيام قليلة، وللمرة الأولى في تاريخ المحاكم الوطنية على الصعيد العالمي، في العاصمة السنغالية داكار محاكمة ديكتاتور تشاد حسين حبري بجرائم ضد الإنسانية خلال فترة حكمه البوليسي الأمني بين 1982- 1990 الذي قام بتصفية حوالي 400000 من معارضيه على امتداد فترة حكمه. وحسين حبري الذي صعد إلى هرم السلطة في تشاد بترتيب أمريكي كان العملية السرية الأولى التي قامت بتنفيذها إدارة الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان هادفة منها إلى تشكيل نظام عسكري فاشي يمثل حائط صد قادر على لجم طموحات معمر القذافي في توسيع نفوذه جنوباً باتجاه ووسط وجنوب القارة الأفريقية. ولقد قام نظام حسين حبري أساساً على سطوة الجهاز الأمني التابع للمؤسسة الرئاسية والذي كان يسمى اختصاراً DDS، والذي كان يحظى بالتدريب والدعم التقني المباشر والدائم من أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وكان مسؤولاً عن عمليات التعذيب والتصفية الجسدية لمئات الآلاف من الضحايا الذي جاهد من بقي منهم على قيد الحياة ومنذ العام 1999 لجلب حسين حبري إلى قفص العدالة، وإن كان في دولة أخرى ليست تشاد نفسها، وهو ما تم لهم في محاكمته على أرض السنغال.
وتفتح ملحمة ضحايا حسين حبري لكل مراقب عربي أبواباً مهولة من التساؤلات الضاغطة على عقول وضمائر الملايين من العرب الذين تعرضوا ولا زالوا يتعرضون لنفس منظومة القهر، والظلم، والقمع، والفساد التي شكلت السمة الجامعة لنظام حسين حبري والكثير من رموز الأنظمة القمعية على امتداد الجغرافيا العربية، الذين لما يزل معظمهم آمناً من إحقاق حقوق المظلومين سواءً في قبره أو في حياته الرغيدة.
ويتمثل التساؤل الأول الضاغط على المراقب العربي في إلحاحية سبر نفاق المجتمع الدولي ومؤسساته مشخصة بكيان المحكمة الجنائية الدولية التي لازالت عاجزة عن أي ملاحقة فعلية لأي طاغية عربي، معللة ذلك بصعوبة تدخل المحكمة الجنائية الدولية دون إحالة مباشرة إليها من مجلس الأمن الدولي، الذي ينظمه قوانين لعبة الكبار الذين لا يعنيهم معاناة المقهورين في دول العالم الثالث، كما هو الحال واقعياً في المأساة السورية مثالاً، دون أن يعني أياً من المبررين المتحذلقين- سواءٍ من الساسة الغربيين، أو التكنوقراط القانوني في المؤسسات الدولية، أو المتواطئين الضمنيين من العاملين في الحقل الإعلامي بشقيه العربي والغربي- الحديث الواقعي عن قوانين عمل المحكمة الجنائية الدولية كما هو مدرج في نظامها الداخلي الذي يشير حرفياً إلى أن «التحري الأولي لمدعي المحكمة الجنائية الدولية يمكن أن يتم بناءً على؛ أولاً: قرار المدعي الأخذ بالاعتبار أي معلومات حول جرائم تمت في حيز الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية ثم تقديمها من قبل أشخاص، مجموعات، دول، منظمات حكومية أو غير حكومية؛ أو ثانياً: إحالة من مجلس الأمن أو من دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية… إلخ»
وذلك البند الأخير هو الذي بناءً عليه قامت دولة بلجيكا بتقديم إحالة بتاريخ 19-02-2009 إلى المحكمة الجنائية تطلب فيها إلزام دولة السنغال التي يعيش فيها حسين حبري بقوة القانون الدولي بأن تحاكمه على أراضيها لما ارتكبه من جرائم ضد الإنسانية، أو تقوم بتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية معللة بأن عدم القيام بذلك يمثل «انتهاكاً للالتزام الدولي العام بقمع الجرائم ضد الإنسانية». وبالفعل تم لبلجيكا ما تريده، فامتثلت السنغال لطلب المحكمة الجنائية الدولية، وتم الشروع في إجراءات محاكمة حسين حبري في المحاكم السنغالية بموجب القانون الدولي والمحكمة الجنائية الدولية فيما يخص الجرائم ضد الإنسانية. وهنا ابتدأ جهاد المظلومين يعطي أكله بعد ربع قرن من نضالهم حينما قرر الغرب انتهاء صلاحية حسين حبري، وإمكانية تركه لمصيره المحتوم بعد ربع قرن من تأجيل ذلك. وتلك الملحمة أظهرت بجلاء إمكانية إحالة كل الطغاة العرب الذين قتلوا، وشردوا، ونفوا، وغيبوا، ويتموا، وثكلوا أضعافاً مضاعفة من أولئك المظلومين من ضحايا نظام حسين حبري، ولازالت الدول الغربية وأبواقها الإعلامية، ومن لف لفيفيها من المؤسسات الإعلامية العربية تتلطى خلف الترديد الببغائي لتبرير التأخر المخزي في إحقاق العدالة، وإنصاف الملايين من ضحايا الطغاة العرب في غير موضع من جغرافيا الحداد المقيم في الأرض العربية.
وقد يكون التساؤل الضاغط الثاني هو عن تمكن المؤسسات القضائية في دولة مفقرة مثل السنغال بدعم متواضع من مؤسسات الاتحاد الأفريقي من تأصيل بنية قضائية قادرة على تلبية متطلبات إجراء محاكمات وفق القانون الدولي، وهو الذي قد يكون ضرباً من المستحيل التفكر في توطيده في أي من المؤسسات القضائية العربية المخترقة عمقاً وسطحاً بقوة النظم الحاكمة، ومصالحها الأخطبوطية، وتوازناتها الداخلية التي من النادر ابتعادها عن رباعي النظم الاستبدادية المستأثر بالسلطة والثروة والإعلام والحقيقة حسب توصيف المفكر السوري طيب تيزيني.
وذلك التساؤل الأخير هو نفس التساؤل الذي يحيلنا بشكل بديهي إلى تذكر عجز جامعة الدول العربية ومؤسساتها عن الإتيان بالحد الأدنى مما تفعله نظيراتها المنبثقة عن الاتحاد الأفريقي، لتؤكد أن عجز جامعة الدول العربية وتحولها عبئاً، وعائقاً في وجه طموحات الملايين من المظلومين العرب الحالمين بالكرامة، والعدالة الاجتماعية، وإحقاق الحق، وإنصاف المظلومين بالشكل الذي افصح عن نفسه في طوفان الربيع الثوري العربي في غير موضع، لم يكن إلا نتيجة طبيعية للإخفاق البنيوي للنظم العربية التي لازالت عبارة عن استنساخات مشوهة عن نظام حسين حبري لم تفلح كل أقنعة الايديولوجيا، والتزويقات الدعائية، والاختلاقات الترقيعية في تعمية بؤسها الراسخ في ضمائر أمة الصابرين المصابرين المستبشرين بوصول أقرانهم من مظلومي حسين حبري إلى حياض تحقيق العدالة وإنصاف ضحايا الاستبداد، الذي لاريب في قدومه على أمة المظلومين العرب، ولو بعد حين.
٭ كاتب سوري مقيم في لندن
د. مصعب قاسم عزاوي*