موسكو ـ «القدس العربي»: في 30 أيلول/سبتمبر 2015 بدأت روسيا العمليات العسكرية في سوريا ضد ما يسمى «الدولة الإسلامية» الإرهابية. حيث أظهرت روسيا لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية بعيدا عن حدودها. وفي هذا الإطار أصبح الإتحاد الفيدرالي الروسي لاعبا عالميا أساسيا، أجبر الكثير أن يستوعب حقيقة مفادها أن فرض النظام في الشرق الأوسط مستحيل بدون موسكو.
وخلال هذه الفترة (أكثر بقليل من 3 أشهر) وجهت القوات الجوية الفضائية الروسية بالتعاون مع سفن الأسطول الروسي التابع لبحري قزوين والأبيض المتوسط ضربات شكلت في مجموعها ونوعها حصيلة هي أكثر من ضعف ونصف من حجم الضربات التي وجهها التحالف الأمريكي خلال عام كامل.
وتم تدمير أكثر من 1100 موقع إرهابي، من بينها مخازن السلاح ومصانع ونقاط تفتيش ومعسكرات. وخلال هذه الفترة، تمكن الجيش السوري بمساعدة القوات الروسية من إستعادة السيطرة على حوالي 30٪ من الأراضي التي كانت تحت سيطرة المسلحين الإرهابيين. ويرى المستشرق والدبلوماسي إلدار كاسايف أن إنجازات القوات المسلحة الروسية في سوريا ملموسة وهامة وساعدت على تحسن الوضع هناك، وأضاف قائلا: «على الرغم من جميع التصريحات الاستفزازية من قبل تنظيم الدولة، فإنجازات روسيا في سوريا جديرة بالتقدير. بالطبع استسلام الإهاربيين ليس متوقعا حدوثه بشكل سريع، ولكن الوضع آخذ في التحسن. فقد تمكن الطيران الحربي الروسي من تدمير عدد من المواقع الاستراتيجية الهامة بالنسبة للإرهابيين».
ومنذ بداية عام 2016 وجه الطيران الحربي الروسي ضربات على 1097 مرتكزاً للبنية التحتية للإرهابيين في سوريا. وأعلن رئيس إدارة العمليات الرئيسية في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الفريق سيرغي رودسكوي أنه تم تحرير أكثر من 150 مدينة وقرية سورية منذ كانون الأول/ديسبمبر الماضي. ومنذ بداية هذا العام نفذت الطائرات الحربية الروسية 311 طلعة قتالية، وُجهت خلالها ضربات إلى 1097 موقعا في محافظات حلب وإدلب واللاذقية وحماة وحمص ودمشق ودير الزور والحسكة ودرعا والرقة».
وأوضح أن الضربات الروسية استهدفت البنية التحتية النفطية التي يسيطر عليها الإرهابيون، ومواقع لاستخراج النفط وتكريره، ونقاط تمركز عصابات إرهابية وآليات حربية تابعة لها. ويعتبر المستشرق الروسي، الأستاذ في كلية العلاقات الدولية في جامعة سان بطرسبورغ الحكومية – ألكسندر سوتنيتشينكو، أن النجاحات العسكرية الروسية في سوريا تمكنت من تغيير منهج الحرب في البلاد ولكن ما زال من السابق لآوانه الحديث حول نهاية للحرب. ويضيف قائلا: «في صيف 2015 كان الجيش السوري ينهزم في جميع الاتجاهات والجبهات. وفي الوضع الحالي نرى أن الحال تبدل، حيث اتخذ الجيش السوري تكتيكات هجومية، وصارت تنهزم أمامه قوات المعارضة المسلحة. ولكن فعالية ضربات القوت الجوية الروسية تنخفض لعدة أسباب منها: المستوى الضعيف للإعداد القتالي والأمن المادي وتعداد الجيش السوري بعد 5 سنوات من الحرب. ولذلك، فالعملية لن تنتهي قريبا».
غريغوري كوساتش الأستاذ في جامعة موسكو الحكومية للعلوم الإسلامية لا يتفق مع وجهة النظرالإيجابية حول إنجازات روسيا العسكرية في سوريا بل إنه يرى أن التواجد الروسي في سوريا «يراوح مكانه».
ويضيف في تصريح خاص لـ«القدس العربي» قائلا «لا أرى الإستنتاج بأن تقدم الجيش السوري جاء بفضل ضربات الطيران الحربي الروسي. وأعتقد أن الأداء الروسي في سوريا يراوح مكانه ولم يحقق أي نجاحات ذات أهمية في هذا المجال».
ولا يتفق كوساتش مع القول بأن روسيا تمكنت من إقناع جزء من المعارضة السورية للمحاربة معها ضد تنظيم الدولة، «قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائه مع إحدى وسائل الإعلام الألمانية «بيلد» إن روسيا تقدم دعما للمعارضة السورية التي تحارب تنظيم الدولة، ولكن المعارضة السورية كذبت هذه التصريحات! ولذلك لا يمكن الحديث حول التوصل إلى اتفاق مع المعارضة بهذا الشأن. 100 يوم مرت والنتائج لهذه العملية العسكرية لا تبدو كبيرة. وليس من المتوقع ان تنتهي قريباً. وأتخوف أن روسيا تغرق في هذه الأزمة أكثر فأكثر».
الرئيس فلاديمير بوتين إستطاع أن يرسم لنفسه صورة الزعيم السياسي الذي يتمتع بتأييد جماهيري غير مسبوق بفضل محاربتة للإرهاب. وما زال الجميع في روسيا يتذكرون مقولته الشهيرة «سنلاحق الإرهابيين في كل مكان، وإذا اختبأوا في دورات المياه، سنقضي عليهم في دورات المياه أيضا». ولكن وعلى ما يبدو أنه لم يحسن حساب عواقب التدخل الروسي العسكري في سوريا، كما لم يتوقع العمل الإرهابي الذي إستهدف طائرة إيرباص A321 في سيناء ولم يتوقع إسقاط الطائرة الروسية سو24 من قبل الطيران الحربي التركي. تركيا من جانبها، أثبتت للكرملين استحالة الثقة في أحد خاصة في أوقات في الحرب، وأن الصديق يمكن أن يوجه «طعنة غادرة في الظهر» أيضاً. خلافا للحروب الداخلية التي كانت دائما ناجحة بالنسبة لبوتين، في سوريا، إنغمست روسيا إلى درجة أنها أصبحت من عناصر النزاع. إلى هذا يرى المستعرب الروسي الدكتور، فلاديمير أحمدوف، أنه لا بد لروسيا أن تبدأ بالتفكير في طرق الخروج من سوريا بسبب عدم تحقيق أي إنجازات ملموسة. ويضيف قائلا «تزداد الاتهامات من جميع الأطراف في اتجاهنا مع تواصل القصف. ومن الضروري أن نخرج من سوريا بشكل محترم وآمن مع تنفيذ واجبنا هناك. وللأسف، على الرغم من أن القوات الروسية تتواجد في سوريا منذ أكثر من 100 يوم، وتقوم بقصف مناطق تنتشر فيها منظمات المعارضة السورية السلفية التي وقعت إتفاقاً في الرياض، أعلنت خلاله عن عدم وجود علاقة لها مع الإرهابيين الإسلاميين». كما يضيف الخبير أن الحليف الوحيد لنا في سوريا، هو جيش النظام وهو ضعيف جدا ومن الصعب المضي قدما معه على طريق الحرب.
ويعتبر المستشرق إلدار كاسايف في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أن جميع الاتهامات الموجهة لروسيا هي نتيجة لحرب إعلامية تديرها الدول الغربية ضد روسيا ويضيف قائلا «نتصرف في سوريا وفق طلب رسمي من الرئيس الشرعي السوري بشار الأسد. ونقوم ما يجب أن نقوم به. وفي رأيي، المعارضة المعتدلة في سوريا ممتلئة بالإرهابيين أيضا. ومن الضروري القضاء عليهم لحماية الحدود الروسية».
يتفق الخبراء أنه ليس من الممكن حل الأزمة السورية بالوسائل العسكرية فقط. وعلى الصعيد الإقليمي، ارتفعت درجة حرارة الأوضاع في الشرق الأوسط خاصة بعد التوتر في العلاقات الإيرانية السعودية في الآونة الأخيرة حيث يشكل العاملان العرقي والديني حجر عثرة لا يسمح للاعبين الإقليميين بالتوصل إلى اتفاق.
وكل ذلك يعرقل اللقاء في جنيف في 25 كانون الثاني/يناير ويقول كاسايف «لا يمكن للمسلمين أن يتوصلوا إلى اتفاق بسبب المواجهة بين السنة والشيعة من ناحية ومواجهة العرب والفارسيين من ناحية ثانية، هذه المواجهة أقوى من جميع الآليات السلمية الموجهة لحل النزاع».
ومع ذلك، وبعد 100 يوم منذ بدء العملية الروسية، فالشيء الذي بات واضحا هو ان مواصلة أو إيقاف العمليات العسكرية الروسية في سوريا أمران صعبان بالنسبة لروسيا. الحرب تحتاج إلى لوجيستيات ودعم مادي أكثر فأكثر. ومن ناحية أخرى، إنهاء أو وقف العمليات العسكرية خلال مدة قصيرة يتطلب الحسم بالقوة، وذلك بتدخل كبير للقوات البرية، الأمر الذي يرفضه الرئيس الروسي بوتن منذ البداية. ولذلك، قد تستمر العمليات الجوية الروسية في سوريا أشهر أو سنوات عديدة..
فيكتوريا سميوشينا