يصعب فهم ظاهرة التمدد الانفجاري لتنظيم الدولة الإسلامية خلال العامين الماضيين من دون تتبع مجمل المعارك التي تخوضها القوى المحلية والإقليمية والدولية لاستعادة ما تمكن هذا التنظيم الإرهابي من السيطرة عليه من مدن وبلدات ومساحات جغرافية واسعة تجاوزت الكيانات القطرية التقليدية في أكثر من بلد عربي وأفريقي عموما وفي سوريا والعراق على وجه الخصوص، لكن على أن ترتكز عملية المتابعة والقراءة تلك، أولا وقبل كل شيء، على طبيعة القوى المشاركة في تلك المعارك وأن لا تضيع في دهاليز العوامل الجغرافية والمكونات السكانية والجيوسياسية، التي تميز المناطق المستهدفة دون غيرها من مناطق سيطرة التنظيم.
لكن قبل الولوج إلى تضاريس القوى المشاركة في معارك «التحرير» تلك، لا بد من التنبيه إلى أن هذه القراءة تنأى بنفسها عن نظريات المؤامرة الرائجة في يومنا هذا والتي يميل أصحابها إلى ربط ظاهرة التطرف بأجهزة الاستخبارات بصورة مباشرة على الرغم من وجود حالة من التعايش وتبادل المنافع تجمع بين تنظيمات متطرفة عديدة من جهة وبين العديد من الأنظمة الاستبدادية في المنطقة والعالم من جهة أخرى. كما أنها لا تغفل، في الوقت عينه، الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الحقيقية العميقة التي تقف وراء بروز هذه الظاهرة وسيطرتها على المشهد السياسي في غير منطـــقة من العالم، في حين تسعى إلى تسليط الضوء على ما تقدمه ميادين «الحرب على الإرهاب» من معطيات دامغة لا يرقى إليها الشك والتي ستشكل في حال ثباتها، وهي في طريقها إلى ذلك بالفعل، ملامح وجه المنطقة الجديد بلا منازع.
ثمة قوتان رئيسيتان محليتان تتنازعان لعب دور البطولة في العمليات العسكرية التي تستهدف دحر مقاتلي «داعش» والدخول إلى مناطق سيطرتهم في شمال وشرق سوريا وشمال وغرب العراق، الأولى تنتمي إلى القومية الكردية والثانية إلى الطائفة الشيعية، فضلا عن قوى عشائرية سنية غير مرئية تحاول لعب دور ما في المناطق ذات الأغلبية التي تمثلها، بينما تنأى أنظمة مثل النظام السوري بنفسها عن خوض معارك حقيقية لاستعادة أراض يسيطر عليها «داعش»، وذلك لأن هذا النظام المتهاوي، كغيره من الأنظمة الفاشلة، ارتضى لنفسه ما قسمته له القوى الإقليمية والدولية التي تحاول، بدورها، إعادة رسم خريطة المشرق العربي جغرافـــــيا وديموغرافـــيا بما يخدم إعادة تحديد وتعزيز مناطق نفوذها وسيطرتها وهيمنتها اعتمادا على بؤر تركت مشرعة، بشكل متعمد، على نزاعات مستقبلية بحيث يصار إلى استدعاء تلك البؤر كلما اقتضت الحاجة إلى ذلك.
ثمة محطات لا حصر لها تؤكد صحة منهجية هذه القراءة التي ترصد محاولات تعويم الخط الطائفي والمذهبي والعرقي على حساب الخط الوطني في صراعه على السلطة ومناهضة قوى الاستعمار الجديد والاحتلال وسعيه لإقامة نظم ديمقراطية حديثة، بحيث يصبح ظهور تنظيم متطرف مثل «داعش» كقوة إرهابية مرعبة على النحو الذي نراه ضرورة جيوسياسية تبقى، في كل الأحوال والحسابات، في الحيز المؤقت والعابر من تاريخ المنطقة ستتلاشى مع تلاشي أسباب ظهورها، وليس أدل على ذلك من أن هذا التنظيم بدأ، برغبة من قادته ومنظريه أو من دونها، يشكل رأس حربة فعالة بيد قوى الثورة المضادة وطريقة ناجعة إضافية لادخال الرعب في قلب أقليات سكانية باتت تشكل خير ذريعة للتدخلات الخارجية، فضلا عن الدور الحاسم، الذي تلعبه مثل هكذا تنظيمات على صعيد شرعنة نظم الاستبداد ونزع الشرعية عن أي بديل ديمقراطي يمكن أن يحل محلها، بينما يعبد كل ذلك الطريق أمام إعادة رسم خريطة مواضع السيطرة والنفوذ حول العالم ويمدها بدماء جديدة إلى آجال غير مسمية.
بهذا الشكل فقط يصبح من الممكن تفسير حالات رفض أو قبول مشاركة هذا الطرف أو ذاك في عمليات «تحرير» المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، فتلك المشاركات تشكل، في نهاية المطاف، مؤشرات مرئية قوية للخطوط الجيوسياسية المستقبلية وكذلك خطوط التماس وربما الحدود الجغرافية والتوزيعات السكانية فضلا عن مناطق السيطرة والنفوذ، وعلى هذا النحو أيضا يتيسر فهم الأسباب الكامنة وراء غيرة قوى كردية بعينها حيال لعب دور البطولة في طرد مقاتلي «داعش» من مدينة عين العرب أو تل أبيض السوريتيين وتقنين مشاركة الجيش السوري الحر في هذه العملية، وذلك قبل أن يظهر للعلن ذلك التعاون الوثيق بين تلك القوى العرقية وقوات التحالف الدولي الذي توج، أخيرا، بتشكيل ما يعرف بقوات سوريا الديمقراطة بعمودها الفقري ذي اللون العرقي الواحد، مثلما يصبح متاحا فهم غيرة قوات الحشد الشعبي العراقية بصيغتها الطائفية الشيعية حيال مشاركتها في تحرير مناطق مماثلة في العراق على غرار الأنبار والفلوجة، وكذلك دور البطولة الذي لعبته قوات «البيشمركة» الكردية في تحرير مدينة سنجار من قبضة التنظيم الإرهابي، وفي هذا السياق أيضا تندرج دعوة هوشيار زيباري، وزير الخارجية العراقي السابق، إلى اشراك القوات الكردية عينها في معركة تحرير مدينة الموصل المنتظرة من قبضة التنظيم عينه. أما مسرحية تحرير الرمادي والتي قيل أن التحالف الستيني الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة العراقية حرصا على عدم اشراك قوات الحشد الشعبي فيها، فإن الصور التي ظهرت بعد «التحرير» تكشف للقاصي والداني مشاركة تلك القوات في العمليات العسكرية التي أحرقت الأخضر واليابس في هذه المدينة العراقية المنكوبة.
على هذا النحو أيضا يصبح من الممكن تفسير الانتصارات العسكرية الوهمية التي أحرزها التنظيم والتي وضع من خلالها يده على مناطق شاسعة من العراق وسوريا سلمت له دون دماء ودون عناء من الرقة إلى تدمر ومن الموصل إلى مشارف بغداد، مشكلا بذلك حصان طروادة يجر خلفه محراثا هائل الحجم والتأثير تحدد ما يشقه من أثلام عميقة في الأرض معالم وخطوط مستقبل المنطقة، ما يعني أن ظهور وأفول التنظيم لا يعدوان كونهما وسيلة وليست غاية المراد منها شرعنة نفوذ وسيطرة القوى المشاركة حصرا في تحرير تلك المناطق من سيطرته، وذلك تمهيدا لظهور كيانات سياسية جديدة في مقدمتها الدولة الكردية من بين دول ودويلات أخرى لم تتضح معالمها بعد في انتظار ما ستتمخض عنه المعطيات التي تقدمها ميادين المعارك بما فيها المعارك التي يخوضها حزب الله اللبناني غرب وجنوب ووسط سوريا والتي لا تقل أهمية استراتيجية عن نظيراتها في شمال وشرق سوريا نفســــها وشمال وغرب العراق بحيث يمكن اعتبارها بمثابة السوار المحيط بمعصم ما بات يعرف بدولة سوريا المفيدة، التي تشكل، بدورها، الخيار» ب» في أجندة النظام السوري وحلفائه الإقليميين والدوليين، الذين يتكاثرون هذه الأيام.
خلاصة القول إن المشهد السياسي في المشرق العربي وربما في مناطق أخرى من العالم يشهد حالة جديدة لها سابقاتها الكثيرة من تنميط خطر أو عدو ما مصنع على المقاس لأغراض وغايات محددة تحدد شكله وأساليب نشاطه وعمره الافتراضي والحقيقي، ذلك أن معطيات الواقع والصيغ الفكرية والسياسية المطروحة تشي بأن حتى قادة تنظيم مثل تنظيم الدولة أو المستفيدين من ظهوره وانتشاره على هذا النحو المسيطر لا تحدوهم القناعة بامكانية بقائه واستمراره فضلا عن تحقيق أهدافه، إلا إذا كان المقصود هو تحويل «الدولة الإسلامية في العراق والشام» إلى دولة فاشلة أخرى في المنطقة، على حد تعبير وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق شلومو بن عامي في مقال له نشرته صحيفة «البايس» الاسبانية، أخيرا، ويؤكد فيه أن (الحل من أجل هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام لا يكمن في التدخل البري، لأن هذا التنظيم أصبح تنظيما عالميا بامتيازات محلية. الخيار الواقعي الوحيد يكمن في ابطاء واضعاف» دولة الخلافة» وتحويلها إلى دولة فاشلة أخرى في المنطقة).
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة