حصد جائزة «الغولدن غلوب» لأفضل فيلم أجنبي… «ابن شاؤول» للهنغاري لاسلو نيمش… رسول غريب في المحرقة النازية

حجم الخط
0

باريس-«القدس العربي»: كيف نحاكم وثائقنا التاريخية؟ومتى يحين الوقت لتقديمها والتعامل معها كحقيقة قطعية؟ متى نستطيع البحث في وثائق تاريخية معينة ونقدها ووضعها ضمن سياق واقعي، وهل ذلك مشروط بالتجربة والبحث؟

في غالبية الأفلام الروائية والتسجيلية التي تسرد حكاية المجازر البشرية وأهمها «الهولوكوست»، باعتبارها ما زالت قضية جدلية إلى اليوم، يسرع الكثيرون للبحث فيها وتقديمها من أكثر من رؤية ووجهة نظر. بعض التجارب لجأت للتكثيف العاطفي والسرد الوثائقي، وأخرى قدمت رواية المحرقة بتفاصيلها المعتادة مع الكثير من الاستعطاف.
فإذا كان من المستحيل رد الفعل أمام الفعل في مساحة زمنية واحدة، وتحديداً في هذا الزمن الزاخر بتراجيديات تقف بمواجهة صراع الحاضر مع استهلاك الصورة، فسيعتبر من أكثر الأمور المثيرة للجدل، الوقوف أمام الحضور المُهيب للتاريخ، وهذا ما حدث مع أكثر أفلام هذا العام إشكالية وترحيباً. «ابن شاؤول» فيلم المجري Laszlo nemes الحائز جائزة النقاد في مهرجان كان لعام 2015، إضافة لنيله الكثير من الترشيحات والجوائز أهمها جائزة «الغولدن غلوب» لأفضل فيلم أجنبي، وآخرها الترشح لأوسكار أفضل فيلم أجنبي ضمن قائمة أفلام لا يستهان بها.
لربما يستحق «ابن شاؤول» تلك المنافسة ويستحق أن ينافس أكثر الأفلام الأجنبية، جدلاً واختلافاً لهذا العام. فقد أصبح متفرداً باهتمام كبير كونه عمل على واحدة من أكثر كوارث القرن الماضي إشكالية، إضافة لأنه وثيقة تاريخية تأملية، تُملأ تبعاً لتراكم المشاهد والمشاعر.
لا ابن لشاؤول في أوشفيتز، أكبر معسكرات تعذيب اليهود في هنغاريا عام 1944. وبالاعتماد على توثيق مؤكد بعيداً عن المغالاة والتوتر العاطفي والاستجداء لتلك الحادثة؛ يقف شاؤول متأثراً بثقل جسده على الأرض بين الأجساد المخنوقة، تطغى على ملامحه العابسة كل كوارث الإنسانية، فقد تم اختياره عشوائياً مع العديد من اليهود للعمل ضمن ما يسمى «سوندوكورمندو»، اسم أطلقه عليهم النازيون كمجموعة بشرية عليها تجميع اليهود وإجبارهم على التعري، ومن ثم وضعهم داخل غرف الغاز. بعد التأكد من موتهم ينقلونهم إلى أفران ليحرقوهم ومن ثم يُؤخذ الرماد إلى إحدى البحيرات ليرمى هناك. هذا عمل شاؤول في أوشفيتز، وضمن هذه العملية يقرر أن يدفن ابنه المتخيل، فبعد إخراجه من غرفة الغاز وقد بقي لديه القليل من النفس جاء طبيب ليخنقه بيده، حتى يحين دور تشريحه. وأمام شاؤول محاولة واحدة لإنقاذ ابنه، بالتوسل والاستعطاف من الطبيب، لعلها طريقة مجديّة لفك رقبة الصبي، فيقوم بذلك متضرعاً متوسلاً. ينجح بذلك ولكن تبقى هي الطريقة الوحيدة التي سيكمل بها كل أحداث الفيلم. فبين الخوف والوحدة، عليه مواجهة عواقب مخالفة الأمور، ليكمل بكل ما فيه من قلق وترج فيقوم بإخفاء الجثة والبحث عن حاخام بين جموع البشر ينقذه من الاختناق ويجبره على أن يقرأ التسابيح على الجثة ليدفنها بشرف. ولكن ما نفع ذلك أمام كل هذا الموت الذي يلحق بأبناء جلدته؟
«شاؤول أوسلاندر» ملك غريب من بني إسرائيل، حسب مراجعة الاسم عن الألمانية، تحرك عنده الضمير الفردي تجاه شاب صغير وأراد أن يطبق عليه الشعائر الدينية اليهودية، ناسياً أن جُلّ مهمته تقع في مكان آخر، لربما كان ذلك أشبه بمحاولة التخفيف من حدة خطورة الموت وانتظاره. ولتحقيق هدفه يقوم بسرقة مقتنيات الأموات ويخبئها لتقديمها رشاوى للوصول لحاخام يدفن جثة الابن المخفية عن أيدي العاملين. كل هذا للحول دون تدنيس الذرية والعائلة في أمر كهذا. فابن شاؤول عليه أن يُدفن ليحمي ذريته من التدنيس.
أمام إبادة جماعية مثل تلك، يعاني شاؤول الأمرّين، فهو يواجه فكرة البقاء على قيد الحياة، والموت المؤجل أمام سعيه الدؤوب للمحافظة على الجثة مخفية وإيجاد حاخام بأسرع وقت.
وللوصول لغايته، وفي حين يخطّط رفاقه للقيام بإضراب يمكنهم من الهروب، يبقى هو منشغلاً بكليته عن الأمر، حاملاً هم تلك الجثة التي يغامر من أجلها تلك المغامرة؛ التي سرعان ما تحيلك للتفكير بين إن كانت هذه الدراما، وبعيداً عن التوثيق تعالج الحالة الأولى للمحرقة وتلغي كافة القراءات المفخمة لها؟ ولكن ذلك لا يلغي تأرجح المنطق ضمن سيرورة كل ما يحدث من كارثية في «أوشفيتز»، فالغاية هنا ليس الخلاص، كما بالنسبة لشاؤول وأصدقائه، ولا الموت كما بالنسبة لليهود البقية المختنقين بالغاز والمقتولين بالرصاص، بل ربما توصلنا لمكان نبش الأسطورة ومحاكمة التفاصيل.
ماذا سيفعل هذا الرسول اليهودي اليوم غير قتل أبناء جلدته مجبراً وإخفاء أخرين ليقع على عاتقه تأمين استمرارية البعث والوجود، خارج افتراضات ما إذا كانت تلك الجثة لابنه الحقيقي، أو كان ابناً متخيلاً يُستخدم كذريعة أمام الله لدفع الظلم وتصوير مأساوية الفعل التعسفي؟
في محاولة الوصول إلى الهدف المرجو، يُفشل شاؤول خطة جماعية ضد النازيين قبل أن يكتشفوا مكانهم خلال رحلة الهرب ويلقوا حتفهم جميعا لتبقى الجثة هائمة على وجه النهر تسرح بعيداً عن بطلها وعقيدته. وهنا نقف عند مفارقات دينية أساسية ويومية أخضعتها حكاية الفيلم لمعايير شخصية، فأيهما أهم تطبيق الوعد الإلهي، أم معنى العيش؟ وأيهما يقبل الشرط والرهان النجاة بالنفس أم تقديس الأرواح؟
لا يجيب شاؤول عن كل تلك الأسئلة فهي أشبه برحلة بحث عن خلاص إلهي لا دنيوي، يبدو أنه أضل خلالها الطريق، ولكن تتخللها لحظات صمت قصيرة جداً مقطوعة من فوضى الموت يلتقط خلالها شاؤول أنفاسه وهو يسمع الصراخ والمناجاة وأصوات إطلاق النار. فأوشفيتز يشتعل بمن فيه، تلك الأجواء الثقيلة التي تكوّن الخلفية السمعية لكل ما يفكر به شاؤول خلال هذه الرحلة.
بكاميرا واحدة يلاحق المخرج «لاسلو نيمش» بطله الذي يخوض تجربته التمثيلية الأولى بحركته السريعة القلقة والعشوائية داخل المكان المشتعل، لا نرى وجهه كثيراً فالانطباعات غير مهمة الآن، لذلك يبقى مستديراً إلى الخلف لا تظهر منه إلاّ إشارة X على معطفه فهو ضحية مؤجلة، لا نرى وجهه كثيراً فالانطباعات غير مهمة الآن، كما أراد نيمش من كاميرته أن تلاحق البطل كظله أينما التفت تراقب وتصور، لتجعل كل فعل مغرٍ بالضرورة للمتابعة لا من أجل توصيف جماليات سينمائية معينة رغم أنه فيلم زاخم بمعايير أدائية.
أراد منه المخرج مع ممثله غير المحترف أن يتخطى قدرته على الرؤية الواقعية والمسطحة للمأساة التاريخية، فإعادة نبشها يشكل مساحة للمس الحقائق وتجريبها خارج إطار السائد والمنقول والمتعارف عليه.
هناك تحوم الأجساد العارية باستمرار تصارع كي لا تختنق، إلى جانب التزام شاؤول بطوفانه الجنوني، نرى عينيه لا نلحظ تعباً أو ندماً، بل هناك إصرار دؤوب على إيجاد مهرب لهذا البحث المضنيّ لإنقاذ يهودي شاب من شأنه أن يعتق أرواح المختنقين والمحروقين.
والآن، كناقل ومعالج للوثيقة، أمامك كم كبير من الأفلام المعاصرة التي توثق مجازر تاريخية في إحالة لسينما تعبث بمجازر التاريخ وتعيدها للمقدمة، على أنها أسئلة كبرى حول المسؤوليات الفردية أمام الحوادث التاريخية، وإعادة للنظر في تلك التجارب الإنسانية البعيدة واكتشافها من جديد، وربما استثمارها في زمن حاضر تملأه المجازر الحاصلة المنسية والمخفية.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية