في روايته الخامسة «حصن التراب» التي دخلت القائمة الطويلة لجائزة البوكر لهذا العام، والصادرة عن دار العين للنشر 2017، يواصل الروائي المصري أحمد عبدا للطيف عزف لحنه السردي منذ روايته «إلياس» 2014 .
وإذا كان العنوان هو المفتاح الحقيقي لفك شيفرة النص، فالعنوان المركزي الذي اختاره الكاتب «حصن التراب» يحيل إلى خلفية مكانية تاريخية، إنها قرية حصن التراب أو «إثناتوراف» في جنوب إسبانيا، قرية شهدت مآسي الأندلسيين الموريسكيين اضطهادا وتعذيبا ومحاكم للتفتيش وتهجيرا وتشتيتا في النهاية، عقب سقوط غرناطة، وحتى لا يحيلنا العنوان المركزي إلى قدامة الحكاية، يرفقه الكاتب بهاشتاغ مرتبط بالعالم الافتراضي، بمعنى آخر هذه رواية عن الموريسكيين ومعاناتهم في القرون الوسطى، لكنها من منظور اليوم، وعلى ضوء القراءات الجديدة لقضيتهم».
أما العنوان الملحق «حكاية عائلة موريسكية»، فيخصص هذا التعسف في عائلة واحدة، بقصد كتابة تاريخ يومي خارج التاريخ العام الرسمي والمتداول الذي نعيشه، والذي لا تصله الرقابة «ولا يذكره المؤرخون فى كتبهم، نقرأ في السياق نفسه من أوراق محمد بن عبدالله بن محمد دي مولينا: «إنني أكتب ذاكرة، ذاكرة ربما تحتاج لترميم في زمن آخر، أطمح أن تسري بين الناس كحكاية شعبية».
الذاكرة في مواجهة المحو
وعليه، ترصد الرواية جزءا من تاريخ مآسي المسلمين في إسبانيا بعد سقوط الممالك، من خلال تتبع عائلة «دي مولينا» الموريسيكية، فالأب «ميغيل دي مولينا» يكشف لابنه إبراهيم خبايا وأسرارا عدة تخص تاريخ العائلة، أما تلك الأسرار فتحكي تاريخ الموريسكيين، وما يحتويه أرشيفها وذاكرتها من أوراق ومخطوطات كانوا يحرصون على كتابتها وتدوينها وأرشفة يومياتهم فيها، ونقلها لأبنائهم جيلا عن جيل، حتى لا تدخل دهاليز النسيان، باعتبارها شهادة إثبات عن أعمال العنف والسلب والنهب، التي عانوا منها على يد بعض البدو نقرأ فيها «ها هي الأيام تدور يا أخي لنرى أنفسنا بملوطة خضراء، محصورين في مكان واحد كمرضى الجذام»، ونقرأ أيضا: «كنا خمس عائلات وحسب، هاجر منا من هاجر ومات كمدا من مات».
إنه تاريخ مآسيهم وفواجعهم، حيث وصل الحال بالسلطة السياسية والدينية إلى ما يشبه الهستيريا التي وصل بها الحال إلى التفتيش في نوايا البشر ومبادئهم وعقائدهم، جراء الانحدار العربي، وبعد سقوط غرناطة لتتعقد وتتشابك الأمور بعدها وحتى الوقت الراهن. هكذا تضعنا حكاية عائلة «دي مولينا» الموريسكية، في صلب الفواجع اللاإنسانية التي يحكي عنها الواقع المعيش والتاريخ المعلن والمخفي، من خلال مخطوطات ووثائق تم توارثها، محفوظة في أسفل المنازل، دلالة رمزية الانتماء للجذور والأصول التي يبنى عليها الأساس، فيحفظه على مرّ العصور، ومن ثمة صيانتها من المحو والضياع والمسخ حتى.
وعليه، تكون رواية «حصن التراب» رواية للتخييل الروائي، تحكي عن تاريخ الموريسكيين الذي لا يمل من إعادة إخراجه، وهو بالمناسبة، تاريخ تناوله، العديد من الروايات نذكر منها «تحت شجرة الرمان» لطارق علي، «المخطوط القرمزي» لانطونيو جالا و«الموريسكي» للمغربي حسن أوريد، التي كتبت باللغة الفرنسية قبل ترجمتها للغة العربية. ولعل آخر تلك الكتابات هي رواية «الموريسكي الأخير» لصبحي موسى، وكلها تبحث في الهوية الحضارية للإنسان الأندلسي الموريسكيّ خاصّة ذلك المضطهَد الذي تمّ تهجيره والتعسف على جذوره، والذي يحمل الدّماء الأندلسيّة، الدّماء المختلطة.
متعة اللعبة السردية
بداءة، دعونا نتفق على أن أي خطاب ثقافي كان، لا يكاد يخلو من اللعب، كذلك الكتابة لعب جميل وجمالي بالكلمات، وهو فوق ذلك لعب حر لا حدود جمركية وفي كل نص يتجدد بشكل مختلف. وعليه، نجزم أو نكاد، بأنَّ تداول الكثير من التجارب الروائية، يعود إلى خاصية استثمارها لمنطق اللعب، وفي كثير من الأحيان يعتمد الإستراتيجية المركزية في بعض الأعمال الروائية في الكثير من الأقطار العربية، فما نعنيه بالكتابة ـ اللعب؟ وما تجلياتها في رواية «حصن التراب» لأحمد محفوظ ؟
أصبحت الرواية في السنوات الأخيرة تنقاد إبداعيا إلى متعة الخلق وشغف الكتابة وغواية اللعب، من خلال تفجير النص الروائي التقليدي بهدف خلق تلق جديد للكتابة.
بخصوص رواية «حصن التراب»، يلاحظ القارئ أن الكاتب جعل من روايته ورشة للعب، ويمكن رصد هذا اللعب الذي يتوخى التجديد وبعث الحياة في الكتابة، والذي يساهم في توليد المتخيل بامتداداته الرمزية والتاريخية، لأن اللعب ليس استسهالا للإبداع أو وسيلة للتسلية والمتعة، بل تقنية جديدة واستكشافا مبينا، له رهاناته ومقصدياته، لأن توظيفه يحتاج الذكاء والمراوغة وبعض الطيش أحياناً. هكذا سيعمد الكاتب إلى تشغيل آلية اللعب السّردي القائمة على كتابة المخطوطات، التي يمكن تلخيصها في توارث الكتابة من مخطوطات ومذكرات، إذ على كل فرد من أفراد سلالة «دي مولينا» أن يتابع كتابة مخطوطات جديدة، وأن يورّثها مع ما سبقها إلى ابنه البكر، وهكذا إلى أن وصل الدور إلى ساردنا مرورا بسبعة أجيال، في حين لم تُخضع المذكرات إلى ترتيب زمني أو منطق معيّن، ليقول لنا إنّ هناك تاريخا موازيا لِما كتبه المؤرّخون. إنّه تاريخ الذاكرات الشعبية. ولعل هذا اللعب الجديد واللافت الذي جاءت به الرواية، وهو في ظني جديد ويحسب للكاتب، يتجلى في إدراجه في ثنايا الرواية، روابطَ إلكترونية لموسيقى وأغانٍ أندلسيّة وأفلام وثائقيّة حول الموريسكيين، وهذه المُصاحبات السمعية البصرية تقنية جديدة في الرواية العربية، ومكملات سردية لخلق مشاعر من الوجع وبحالة هوياتية تعرضت للبتر والمحو، تجاه واحدة من أكثر المآسي الإنسانية التي لا يمكن نسيانها: محاكم التفتيش الإسبانية وتهجير الموريسكيين.
أضف إلى ذلك تشغيل الكاتب للبناء الخيالي الفانتازي، خاصة في المقاطع التي تتحدث عن تحوّل الأبطال إلى أحجار وتماثيل، وفي تقمص الشخصية لجسد شخصية أخى.. «في الجبل وقفت في مكاني، وبعد فترة ربما دقائق ربما ساعات، ربما قرون، استحلت حجرا كيف صار شكلي، لا أعرف، لا بد أني صرت مثل حجر»، بالإضافة إلى مجموعة من التقنيات التي برع الكاتب في توظيفها بذكاء ووعي سردي رصين، ساهمت في جمالية النص وتنشيط فعالية التلقي، ومن ثمة انسجامه كونا دلاليا معقدا تم تشكيله، كما أشرنا إلى ذلك، مقترنا بطرائق جديدة في السرد تتناغم مع وحدة الموضوع، إنه البحث عن هوية وعالم جديدين.
وصفوة القول، يمكن اعتبار «حصن التراب» رواية تجر وراءها موضوعا تاريخيا من اضطهاد الموريسكيين وضياع هويتهم. التعصب الديني الذي كابدوا منه، والذي يذكرنا بالحوادث الواقعية التي تحيط بنا من اضطهاد للأقليات الدينية والعرقية، يصل حدود القتل وبأبشع أشكال الموت، ودعوة مبطنة يعني للانفتاح والحوار والتعايش وتدبير الاختلاف بعين العقل. وبذلك تكون رواية أحمد محفوظ استكمالا لمشروعه الروائي، وسؤالا حادا حول التطرف الديني، فهو بقدر ما ينفتح على الماضي ينفتح على الحاضر، لتفجر أسئلة جديدة تضعنا وجها لوجه أمام إشكالية الهوية، التي وصفت بالقهر والاضطهاد والمحو.
٭ كاتب مغربي
عبدالله المتقي