سوريا -«القدس العربي»: كُنّا نسير في ذلك الليل في خُضّرةٍ غير قادرين على تمييزها، الإرهاق بدأ يتسلّل، برودة في الجو وروائح أشجار عديدة تشكّل مع بعضها مزيجاً واحداً تبقى رائحة أشجار السنديان وخّازةً فيه. كان الباص المُخصّص لنقلنا قد أنزلنا على مسافة تقارب العشرين كيلو مترا، علينا أن نقطعها إلى نقطة الوصول الأولى التي هي «حصن سليمان» الذي يقع على ارتفاع (ما بين 800-750 متراً) عن سطح البحر. عشتُّ قرب تلك المنطقة لأكثر من عشر سنواتٍ من حياتي، وعلى الرغم من هذا لم أسمع بالحصن من قبل، فرحلاتنا المدرسية كانت ما بين مجموعة نقاط شبه ثابتة هي «قلعة الحصن» في حمص، جزيرة أرواد في طرطوس.. وما تبقى هي صورٌ ترد أحياناً، كفرض أو كلمحات مسروقة في كتاب التاريخ، ونبقى نجهل تفاصيل بلادنا، شعوبها وحضاراتها أخذت في أسلوب التدريس التلقيني شكل سطور ورسوم لا حكايات مثيرة عن شعوب عظيمة.
«حصن سليمان» مثل آثار سوريا الكثيرة، معظمها مدفون في جوف مدنها أو حنايا جبالها، لا يعبأ به إلاّ الاختصاصيون ورعاة الماشية الذين حوّلوا ساحته إلى مرعى لماشيتهم، على الرغم من أنّ خبراء الآثار- بحسب بعض المراجع- يعتبرون الحصن واحداً من أهم عشرة مواقع أثريّة في الشرق الأوسط، باعتباره من أضخم المعابد التاريخية بعد معبد «بعلبك» ومعبد «تدمر».
معبد بيتو خيخي
يعود عمر حجارته إلى زمن قديم حيث يُصنّف المعبد من آثار الفترة الهلنستية، وتفيد الدراسات أنّ الآراميين أقاموا المعبد عندما استوطنوا هذه المنطقة الجبلية هرباً من هجمات الآشوريين، وتمّ تكريسه في البداية لعبادة الإله «بيتو خيخي» الذي يوازي في الميثولوجيا اليونانية إله السماء «زيوس». ثمّ في زمن السلوقيين تمّ تجديده ليكون معبداً للإله «بعل- زيوس».
وصلنا «حصن سليمان» مع بزوغ أولى ألوان الفجر، كنّا نأخذ أنفاسنا مُمدّدين على حجارته الضخمة، التي يزن الحجر الواحد منها عشرات الأطنان ويبلغ طول بعضها ثمانية أمتار، حين أشرقت الشمس وضربت من تلك البقعة العالية التي تترأس قمّة أحد بوابات المعبد. راقبتها طوال ساعات تبدّل خلالها موقع الشمس في السماء، لكنها بقيت وعلى اختلاف موقعها تدخل من تلك البقعة التي سمّاها لنا أحدهم «عين الشمس». تجوّلت لاحقاً في العديد من المناطق إلاّ أنّ العمارة التي أشعرتني بصغر حجمي أمام إبهار حضورها بقيّت قليلة، ومنظر «عين الشمس» ذاك محفورٌ في قلبي وعقلي.
حجارة عملاقة مربعة الشكل ومستطيلة بسماكة وسطيّة تقدّر بمتر، لا يمكن إلاّ أن يجول في الخاطر سؤال حول كيف تمكّن البناؤون آنذاك من رفع هذه الأحجار الهائلة الحجم حتى قمة العواميد الضخمة التي هي أساس المعبد وبواباته وعددها ستة عشر؟ كيف ثبتوها وجعلوها تقف متماسكة في وجه الريح وضربات الحروب وإهمال الحاضر طوال أكثر من ألف عام؟!! بعكس العمارة الراهنة التي تستغل المعدن البارد والزجاج الكاشف لتقول أنّنا نعيشٌ زمن الوضوح، مع أن هذه العمارة لا تكشف لنا غير فراغٍ عميق في الداخل، وعن تسطّح كبير في العلاقة مع الضوء والشمس والطبيعة، علاقة تميل اليوم أكثر فأكثر إلى الإقلال من احترام الطبيعة والتفاخر بمعدنٍ باردٍ وزجاجٍ هش.
تشي ضخامة العمارة القديمة بتلك الرغبة بتحدّي إمكانات الحياة المتوفرة لديهم, وكأنّ البناء هو بذاته سبيلٌ لتلمّس المجهول، فبالاعتماد على الهندسة وحدها، وزوايا الحجارة وأوزانها ونقاط توازنها ثبّت المعماريون والبسطاء قبل مئات السنين تلك المعابد المحفورة أحجارها بنقوش ورسائل لم يقو الزمن على محيها.
كان ذاك مسير الأيام الثلاث الوحيد الذي شاركت به، وهو حدثٌ شديد الخصوصيّة في سوريا التي يُمنع فيها التجمّع منذ العمل بقانون الطوارئ في 8 آذار من العام 1968، ولم أكن أشعر بحماسٍ شديد له. فرغم عشقي للجبال مقارنة بالصحراء، إلاّ أنني لطالما بقيت أسيرة إيماني بأنّ لا معرفة جديدة ستُكتَسب سوى من كُتبٍ خطّها رحالة وباحثون أجانب لكنها غير مترجمة، وربما بعضها غير مسموح بتوزيعه في الأسواق السورية. ومن جهة ثانية، لطالما فضلت الهروب من ثقل التاريخ ومن مرارة الحاضر، وكأنّ هروبي هذا هو سبيل النجاة الوحيد من حُزنٍ أكبر.
إشارات دالة
في الطريق إلى المعبد، ونحن نسير مرهقين نتخبّط على الطريق المُعبّد باحثين عن ممرّات ترابية تسهّل المسير، كنّا نبحث عن الإشارات التي تدّل إلى صوابيّة الطريق، أذكر أنّا كنّا نسير بيقين الاتجاه إلى الأعلى لا أكثر. إذ يقع الحصن في أحد النقاط الأعلى في الجبال السورية المشرفة على الحافة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط الأمر الذي ساهم في الاستفادة منه كمرصد سفن كذلك، خاصة لموانئ جزئرة «أرودا». وأذكر كم ضحكنا حين عبرنا أمام لافتة طرقيّة زرقاء أشارت إلى أنّ الحصن يقع على مسافة (500 م)، ثمّ وبعد زمنٍ عبرنا بأخرى تشير إلى أنّه يبعد (2 كم)! الخراب الذي يعتاش على تآكل هيكل وبقايا المعبد القديم هو ما طغى كحقيقة كشفها ضوء النهار، فحين نظرنا مستغلين نور الشمس إلى الإعجاز المعماري الذي نقف في حضرته، وإلى البؤس الذي يعصف به، كان المكان وكأنّ زلزالاً قد مرّ به، فنثر حجارته السوداء الرائعة على الأرض، ولم يبق صامداً سوى خطوط هكيلٍ كان، و»بوابة الشمس»- إن جاز لنا تسميتها بهذا-، فالتسميّة غير دقيقة وفقاً لذوي الاختصاص من الآثاريين.
كانت الأسوار عالية في قديم الزمن، كان للسور باب يُفتح ويُغلق في شروق الشمس وغروبها وكانت الدرب صعبة إلى عالي المعبد. لكن الناس كانت مستعدة لبذل جهد الرحلة، فهذه الرحلة كما سواها هي جزء من طقوس ربطت أناس ذاك الزمن ليس فقط بمعتقداتهم بل وبالطبيعة من حولهم وشكّلت أسلوب عيش ووجود. في حين تُهمّل اليوم هذه المباني، تضمحّل طقوسنا وتصغر لتناسب حجم جهازنا الإلكتروني. نكتشف الطبيعة والمكان من حولنا من خلال شاشته في ما يُشبه القطيعة خاصّة وأنّ «حصن سليمان» لم يكن فقط معبداً بل كان مأوى للهاربين من بطش السلطات ومنارة للقادمين في البحر وكذلك مخزناً لمياه السماء. في الوقت ذاته الذي شكّل فيه الحصن مركزاً لالتقاء ثقافات وعبادات وحضارات مختلفة لم تقم أحدها على محو جُلّ آثار التي قبلها.
اليوم يُمارس الكثيرون طقوس الحج إلى أماكن العبادة وبخاصة الجوامع والتبرّع لصالحها بشكلٍ حرفيٍّ- إن صحّ القول- إذ تفقد العبادة الكثير من معانيها إن حاولنا النظر إليها كثقافة جمعيّة، حيث بهتت الجماليّات، وخفّ حضور الروحاني لصالح ماديّ ومباشرة في ممارسة طقس العبادة، وكأنّ التبرّع لبناء مدرسة أو مركزٍ ثقافي أو دار عجزة يقلّ أهميّة عن التبرّع لشراء أعمدة إنارة لصرح التعبّد هذا أو ذاك.
وفي اللحظة التي اكتسبت هذه الأماكن امتداداً أوسع اجتماعياً وثقافياً من دورها المركزي كأماكن تعبّد بكونها مراكز تجمّع للمتظاهرين في سوريا خاصة فإنّ مثقفين ومفكرين كُثر سحبوا السمة الدينية لتشمل الحراك، ولم يقبلوا أن تحتمل المراكز الدينية صفةً مدنيّة.
بيت الآلهة
من الحجر الكلسي، بلونه الأسود الذي يبدو وكأنّه خبأ من الأسرار والحكايا ما غطّى على بياضه الأوّل، بُنيّ «بيت الآلهة» كما تشير تسميته الأولى على مساحة تقارب المئة وخمسين متراً لا تمتلئ اليوم سوى ببقايا أعمدة وحجارة متناثرة، علّها تستطيع أن ترسم صورة المعبد مستطيل الشكل الذي كان، وقد تحوّلت حجارته إلى رموز تفك طلسم الحكاية. فهنا الحرم الكبير وهناك الدرج الخارجي، ومن ثمّ قاعة العبادة والحرم الصغير، ومخازن الماء المحفورة في الصخر بعمق الأرض، وعلى جوانب أسواره أربعة أبواب تقود إلى حرم المعبد.
هذا الحجر الضخم يمتدُّ متناثراً في منطقة حوض المتوسط، تجد منه في بناء بيت قديم في لبنان وفي جسرٍ حجرّي يعود إلى القرون الوسطى في مدينة إيطالية، وأتخيّل أنّه كذلك في قرية من فلسطين هناك حجر أسود مهجور كسطر في حكاية.
عام 2010، أي قبل رحلتنا بقليل، تطوّع بعض طلبة كليات العمارة والفنون الجميلة وقسم الآثار في جامعة دمشق للعناية بالمعبد الذي اكتسب اسمه الحالي من خرافة المدنيين اللاحقة الذين أعجبوا بإعجاز العمارة فنسجوا مقولة أنّ جُنّ الملك «سُليمان» هم بُناته، فمن غير هذه الكائنات الخرافية يستطيع أن ينهض بهذ الحجارة التي تبلغ عشرات الأطنان ويدفعها عبر تلك الجبال الوعرة لتأخذ مكانها في نسيج هذا المعبد العظيم، والتي تؤكد أغلب الدراسات أنه كان معبدا يتبع لجزيرة أرواد حيث يقصده القوم من البحر في زوارقهم إلى الشاطئ، ثم يصعدون حفاة في مجرى ما يعرف اليوم بـ»نهر قيس» وهم يحملون نذورهم إلى ذلك المعبد في رحلة قد تمتد ليومين، ليعودوا أدراجهم بعد انقضاء طقوس العبادة والإيفاء بالنذور.
أيّاً كان، وبحسب ما كشفت زيارتنا العابرة، فإنّ جهود الطلبة ضيعتها الريح، وكان العشب يمتد متطاولاً بين حجارة المعبد، لا لافتة تشرح تاريخه أو توضّح عراقته، حجارة منتصبة قبالة البحر في أعلى جبال خضراء منسيّة من كلّ شيء، تخزّن كلّ شيء. اليوم ربما تنظر هذه الحجارة إلى الأعلام السود التي ترفرف على حوامل من دم في شمال سوريا، وربما تمتصّ صوت الآلة العسكرية المجنون وصداه من حلب وحماة ودريف دمشق، وترمي بكل هذا إلى البحر أو السماء، دون أن تعبأ. فقد خسرنا الإنسان الذي يبني مثل هذا الفن قبل زمن طويل، وإن لم نفعل فسيكون قادراً على أن يُعيد البناء، إننا نعيش عصراً لا فن فيه، سوى فن الكلمات العابرة في نشرات الأخبار وطاولات السياسة، فنٌ لا يُخلّف سوى قُبح كثير في العديد من دول العالم، وفي كلّ صباح كلام جديد. هذه حضارتنا وتلك حضارتهم، ويا لثقلِ التاريخ في مرآة الحاضر.
يارا بدر