بيروت ـ «القدس العربي»: بأهداب العيون احتضنتها بيروت. جاء إلى حفلها لبنانيون، فلسطينيون وعرب تجمعهم مدينة المقاومة. كانت بانتظارهم لتلقي عليهم تحية أهل الأرض المحتلة، تحية الناصرة والقدس وبيت لحم. ولم تبخل بصوتها. رولا ميلاد عازر ابنة فلسطين مرّت في بيروت لتحي أمسية، ولتبدأ البحث في مشروع فني تحلم به. وجدت المرحبين والحالمين معها بالسير على الدرب نفسه. درب الأغنية التراثية، الوطنية المقاومة، وكذلك الجديدة الهادفة. في أمسيتها في المركز الثقافي الروسي كانت رولا محاطة بالموسيقيين جان مدني، زياد سحّاب، ريّان الهبر، سلمان بعلبكي، فؤاد عفرا وطراد طراد، ومعهم وجدت نفسها في نعيم فني. داعبتهم خلال الحفل شاكرة ومُعلقةً ومتسائلة: أصلاً كنت أحلم أقول لهم مرحبا؟
تحصيل حاصل أن تحب رولا فلسطين وتحي الحفلات فيها، لكنها تشعر دون أن تُعبر بأنها في وطنها المحتل كما الطائر في قفص، وأن فضاءها للانطلاق الفني لا بد أن يكون عربياً. رولا ميلاد عازر نشأت في بيت فني أصيل، وفي فلسطين درست الفن وبدأت تبني أحلامها. ومنذ بدأت تجربة المطرب الفلسطيني الشاب محمد عسّاف بالنمو صار حلم رولا يكبر بالتوازي أيضاً، رغم تأكيدها على اختلاف الاختيارات والأهداف.
في بداية اللقاء معها نستوضح سبب تمسكها باسمها الثلاثي رولا ميلاد عازر؟ بكل بديهية وتلقائية تقول ضاحكة «لأنو ابوي». وتردف: هو السبب في وجودي، وهو السبب في كوني أغني، منه ورثت الصوت الجميل، وعلى يديه تدرجت فنياً. تالياً لرولا أن تفيدنا عن وجودها الفني في الناصرة وفلسطين عموماً. بماذا يمدها هذا الوجود، وأين يحدها؟ الرد سريع: في فلسطين عموماً والناصرة خصوصاً مهما حلّق أحدنا يبقى في حدوده الضيقة جداً. ولا تقدم إلى نطاق عربي أوسع بتاتاً. شاركت في كافة المهرجانات الشعبية والوطنية في فلسطين. كونت شعبية كبيرة، لكن السؤال ماذا بعد؟ لم أتمكن حتى اللحظة من إنتاج أغنية. الأغنية جاهزة وليس لي تسجيلها.
هل تطمحين لطريق مماثل لما كان لمحمد عسّاف مثلاً؟ تقدمت لبرنامج «آراب أيدول» وقبلت. أحب محمد عسّاف كثيراً، لكنه ليس مثالي الأعلى، ولن أسير على خطواته ذاتها. سيكون لي طريقي المختلف تماماً. أغاني الموضة والاستهلاك ليست من ضمن قناعاتي. أحترم في محمد عسّاف كونه تمكن من إيصال الصورة الصحيحة عن قطاع غزّة.
«سلام من فلسطين إلى لبنان» كان عنوان حفل رولا عازر في بيروت. التفسير الذي خلُصت إليه عن هذا الإختيار: ليس بين لبنان وفلسطين سوى السلام. هو السلام بمعنى التحية، والسلام بمعناه العام كطموح للشعوب جميعها وبخاصة الشعب الفلسطيني، الذي ينشد التحرير ومن ثم السلام. هي للمرة الأولى أغني في بيروت، وهنا الحلم الذي أتمنى أن يتحقق. حلُم كل من يغني في فلسطين أن تكون له فرصة الغناء في لبنان، وأن يحقق انتشاره من هذه الأرض. نحن الفنانون في فلسطين وكوننا جزء من بلاد الشام تُبنى ذائقتنا الفنية على موسيقى وفن الأخوين رحباني، زياد، ووديع الصافي. هي صلة رحم فنية وثيقة جداً بالهواء والتراب والعادات. في حفلي في بيروت قطفت الكثير من الإيجابيات. التشجيع كان كبيراً وكذلك الترحيب. وفي هذا الحفل رغبت بدمج الواقع الفلسطيني المر، بالواقع الفلسطيني الجميل. غنيت فيروز لأقول أن تقديرنا لها دون حدود. ومن الواقع الفلسطيني المر غنيت «طلت البارودي». شعرت برغبة بالبكاء لما شاهدته من تأثر وصل لحدود البكاء لدى الجمهور. رجل كبير في الصف الأول بكى بحرقة. شعرته من فلسطين مبعدا عن أرضه وأهله، فتأثر بالأغنية بالغ الأثر. بصراحة تفاعل الحضور معي طرد عني الخوف الذي كبلني في الدقائق الأولى.
نعود مع رولا إلى بداياتها في الغناء إلى جانب والدها الفنان ميلاد عازر. هي لا تذكر الوقت تحديداً. «كنت صغيرة جداً» تقول. وتضيف: لم أبدل في أغنياتي. في طفولتي غنيت ما أغنيه الآن. في لبنان وكوني في حفلي اأاول عرّفت الجمهور على شخصيتي الفنية، وربما في حفلات أخرى في فلسطين أزيد كمية الطرب في الريبرتوار الذي أعده. مسيرتي الفنية الصغيرة حتى الآن بدأت بمرافقة والدي في حفلاته. ثم غنيت في مدرستي في الناصرة. وشاركت في العديد من الفرق الغنائية. كانت تجربة ضرورية، دربتني على الوقوف المسرحي، والغناء ضمن مجموعة. ثم درست في أكاديمية القدس للموسيقى والرقص. الآن لديَ فرقتي الموسيقية، وأشارك في العديد من المهرجانات. كما أدرّس الموسيقى في عدد من مدارس القدس. فقد انهيت دراستي الجامعية التي استمرت أربع سنوات ونلت لقب «أول في الموسيقى» وهو ما يساوي درجة ماجستير. الدراسة ضرورية، وليس للصوت أن يكبر على طبيعته دون توجيه أكاديمي.
في تعاون رولا مع الفرقة الموسيقية في لبنان نستطلع التفاصيل. هل من تدخل في الإختيارات؟ ومدى الكيمياء بين الطرفين للوصول إلى حفل متناغم؟ تقول: حمّلوني مسؤولية كبيرة اجتهدت لأكون جديرة بها. هم وضعوا ثقتهم بي وليس لي أن أخذلهم. صحيح أني أعرف ريان الهبر منذ سنتين ونصف، لكن جان مدني كان «القصة كلا» في تنسيق الحفل. أحب صوتي ورغب بتشجيعي. وثمة مشروع لإنتاج أغنيات بالتعاون معه ومع الأستاذ عصام الحاج علي الذي اشكره لمشاركتي الغناء على المسرح.
ماذا عن مشاركتها في برنامج «اراب ايدول» على قناة «أم بي سي»؟ تقول: بعد قبولي أبلغت المعنيين أني أطلب الشهرة من خلال هذا البرنامج. ولا شك باتوا يدركون أن غنائي لن يكون استهلاكياً مطلقاً. وبأني أقوم بكل ما يخدم الخط الذي رسمته لنفسي. نعم دخلت البرنامج بشروطي. كذلك للبرنامج شروطه الممكنة بالنسبة لي ومن واجبي أن أتحملها. بصراحة هم كانوا في غاية اللطف والتفهم والدعم.
رولا ليست على عجلة من أمرها في الوصول إلى الشهرة كيفما اتفق. تقول: لو كانت الشهرة تلح عليَ ربما كنت حققتها منذ زمن. الوصول والنجاح هدف دون شك انما بطريقة صحيحة، وخطوات ثابتة، حتى وإن استلزم ذلك وقتاً إضافياً. لو كنت خارج بلادي المحتلة لتيسرت الأمور أكثر، حيث الامكانات متاحة بنسبة أكبر. نحن في فلسطين محاصرون أو مسجونون إن صح التعبير. لدينا الكثير من الأصوات الجميلة، لكن الانطلاق مجاله محدود للغاية. ونحن الذين ولدنا في فلسطين المحتلة منذ سنة 1948 حركتنا مقيدة، نتعب كثيراً لنحصل على فيزا للوصول إلى أي بلد عربي. سلطات الاحتلال تمنعنا من زيارة لبنان على سبيل المثال، وبعد عودتي سأخضع للمساءلة الأمنية دون شك، ولا أدري إذا كنت سأسجن أم لا؟ قررت زيارة لبنان وقلت للإحتلال «شو بدكن اعملو».
ماذا ستقولين للأهل عن حفل بيروت؟ سأخبرهم بأني حققت واحداً من أحلامي.
تعدنا رولا عازر بزيارة أخرى لبيروت وتقول: ستكون أطول بحسب تصوراتي، سيتخللها حفل بالتـــأكيد، كما سيتم وضع مشروع إنتاج الأغنيات على سكة التطبيق.
زهرة مرعي