حقيبة الأكاذيب

حجم الخط
0

يوسي كوبرفاسر لا يوفر جهدا من اجل «الكشف عن الوجه الحقيقي» لرئيس السلطة الفلسطينية. («أبو مازن الحقيقي»، «هآرتس» 12/1). وهو يواظب على ذلك وبشكل متزايد حتى بعد أن تبين أن كل ما يتعلق بموقع أبو مازن الالكتروني الشخصي هو اختلاف (انظروا مقالي «ماذا يوجد ايضا في خزانة كتب أبو مازن»، «هآرتس»، 30/3/2015).
كيف يمكن التعامل مع خطاب أبو مازن في بيت لحم في عيد رأس السنة دون الاعتماد على نص الخطاب نفسه، الذي نشر بشكل كامل في وسائل الاعلام الفلسطينية؟ كوبرفاسر الذي كان رئيس وحدة البحث في الاستخبارات العسكرية يقول لنا إن هذا الامر ممكن. المصدر المعتمد في نظره لتحليل اقوال أبو مازن هو مقال كتبه محرر موقع «معا» (وكالة اخبار مستقلة على العكس من الوكالة الرسمية الفلسطينية «وفا»). حول ما «فهمه» من خطاب أبو مازن والحوار معه. لماذا لم يكلف كوبرفاسر نفسه عناء الذهاب إلى المصدر المتوفر واكتفى بما «فهم» الصحافي من اقوال ابو مازن؟
اضافة لذلك، وكما بالماضي، هذه المرة ايضا يختلق كوبرفاسر وكأنه يقتبس من خطاب أبو مازن، في الوقت الذي يستند فعليا على الصحافي. الامور بسيطة وواضحة: ليس «عباس قال» كما يعود ويكرر كوبرفاسر، بل ما يدعي صحافي «معا» انه فهمه.
سواء عاين كوبرفاسر خطاب ابو مازن واختار التغاضي عنه، او لم يقرأه، فان علامة سؤال كبيرة تحلق فوق مدى مهنيته. لا غرابة إذن انه يجد في خطاب ابو مازن ما هو غير موجود فيه. ولا يجد ما هو فعلا موجود.
وماذا يوجد به؟؟ جزء كبير من الخطاب مخصص لرغبة ابو مازن القوية بالاتفاق السياسي مع إسرائيل وسعيه لذلك. وهذا ما قاله ابو مازن في خطابه: «نحن نريد العيش في اطار دولتين في حدود 67 حيث تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية. وفي هذا الاطار نحل كافة مسائل الحل النهائي ونكون سعداء بالعيش (مع الإسرائيليين) إلى الابد… حيث توجد المبادرة العربية التي لا يهتمون بها… لو تحققت فان كل الدول العربية والاسلامية عددها 57 كانت ستقيم علاقات وتطبيع مع إسرائيل، شرط تحقيقه حل الدولتين. «حين قلنا عام 1988 اننا نقبل بحدود 67 صفق العالم لنا بما في ذلك الولايات المتحدة. قالت إسرائيل كنوع من التحرش انه اذا قبل الفلسطينيين قرارات 242 و 338 فانها ستفتح فورا جميع الابواب. وحين قبلنا بهذه القرارات قاطعوا الولايات المتحدة لانها تحدثت معنا. إذن ماذا يريد الإسرائيليون؟».
وفي سياق الخطاب اعلن ابو مازن: «نحن نمد ايدينا لإسرائيل رغم جميع التراجيديات. لا يوجد امامنا سوى السلام والمحادثات السلمية من أجل التوصل إلى السلام». وخلال تطرقه للمستوطنات شدد ابو مازن ان المستوطنات التي اقيمت بعد 67 فقط هي «غير قانونية». وسماها «السرطان الاستيطاني». من هنا فان دولة إسرائيل بحدود 1948 هي قانونية بنظره وهي ليست مستوطنة. اضافة لذلك، عاد ابو مازن وشدد في خطابه ان مسألة السيادة هي من ضمن اولوياته وان الصراع مع إسرائيل يجب ان يُحل بشكل جغرافي في اطار الدولتين والاتفاق على جميع مسائل الحل النهائي. لم يذكر ولو مرة واحدة حق العودة للاجئين الفلسطينيين ولم يذكر قرار الامم المتحدة 194 الذي يتحدث عنهم.
هذا الكلام الواضح لأبو مازن لم يذكره كوبرفاسر في مقاله. كان يمكنه الادعاء أن ما ذكر أعلاه لا يُغير تحليله. لكن حسب كل معيار مهني، كان عليه أن يطرحه أمام القراء والتطرق اليه وانتقاده ايضا. ونظرا لأنه يقفز عن هذه الاشياء فان الطريق تكون معبدة للاستنتاج أن أبو مازن يريد تدويل الصراع واعطاء الضوء الاخضر لانتفاضة الافراد كخيار أولي ووحيد. هذه المواقف، حسب كوبرفاسر، ستؤدي إلى «انهيار الصهيونية».
لكن يتبين من خطاب أبو مازن أن الاتفاق السياسي مع الفلسطينيين هو خياره المفضل. وهو يعتبر أن التوجه إلى المجتمع الدولي أمرا مفروضا وخطوة سيتخذها عندما يستنتج أن جميع محاولاته قد فشلت. وكل ذلك من اجل التوصل إلى اتفاق حل الدولتين.
كوبرفاسر علق في دائرة: إنه يتجاهل استعداد أبو مازن للتوصل إلى اتفاق. وبهذا يصل إلى استنتاج أن أبو مازن لا يريد الاتفاق. إن كوبرفاسر محق بأمر واحد وهو أن الخطاب قد عكس المواقف الحقيقية لأبو مازن. إن رئيس السلطة الفلسطينية يمد يده للسلام، لكن هذه اليد بقيت معلقة في الهواء طالما أن إسرائيل ما زالت تستخدم طريقة مشابهة لطريقة كوبرفاسر.

هآرتس 19/1/2016

ماتي شتينبرغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية